الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أولا: درجة الإنسان في الجنة إنما تعلو بحسن عمله، ولكي يحسن العمل لا بد فيه من تحقق ركني الإخلاص لله والموافقة للسنة، أما الإخلاص: فلأنه إذا فقد فلا وزن للأعمال وإن كثرت، ولمزيد الفائدة عن أثر الرياء على قبول العمل راجعي الفتوى رقم:
13997
.
وأما موافقة السنة: فلقوله صلى الله عليه وسلم:
من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
. متفق عليه.
قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة:
الرَّدّ ـ هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُود, وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ
. شرح
النووي
على
مسلم.
فالإخلاص ومتابعة السنة هما شرطا قبول الأعمال، وبهما تتفاضل الأعمال والدرجات، قال
ابن كثير
في تفسير قوله تعالى:
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا {هود:7} ولم يقل: أكثر عملا، بل: أحسن عملا ـ ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط
.
وعلى ذلك، فالعبرة بحسن العمل لا بكثرة العمل، وانظري الفتوى رقم:
14005
.
ثانيا: إذا حسنت الأعمال بتحقق الإخلاص وموافقة السنة فحينئذ يأتي التفاضل بين تلك الأعمال الحسنة، إلا أن ذلك لا يكون بالكثرة فقط، بل باعتبارات عديدة، فقد تتفاضل -مثلا- بحسب أجناسها وأنواعها، وقد سبق الحديث عن أفضل الأعمال في الفتوى رقم:
158421
.
وانظري أيضا الفتوى رقم:
12325
.
وكذلك تتفاضل الأعمال حسب مشقتها، كما في الحديث، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا
. رواه
النسائي،
وحسنه
الألباني
.
وانظري الفتوى رقم:
18339
.
ثم إن النيات الباعثة على الأعمال ليست بمعزل عما سبق، فعن
أبي كبشة الأنماري
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علما ولا مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهما في الوزر سواء.
رواه
ابن ماجه والترمذي وأحمد،
وصححه
الألباني
.
فدل هذا على أن الفقير ينال أجر الصدقة بنيته وإن لم يتصدق. وأعمال القلوب من الإيمان بمكان، ولا يعلم تفاوت العباد فيها إلا الله، وانظري الفتويين رقم:
124585
، ورقم:
131762
.
ومما سبق يتبين أن درجة الإنسان في الجنة لا تتوقف على كثرة الطاعة وطول زمانها فحسب، وإنما ثمت معايير عديدة للتفاضل.
ثالثا: بخصوص
سعد بن معاذ ـ
رضي الله عنه ـ راجعي الفتويين رقم:
38051
، ورقم:
96673
، وما أحيل عليه فيهما.
والله أعلم.