محمد صالح جمجوم

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 1363 هـ (1943م)الاسم الكامل: محمد صالح جمجومالمعرف: 99662

الشيخ محمد صالح جمجوم طويل القامة مملوؤها بيضاوي الوجه أشقر تخالط بياضة حمرة، أشهب اللحية خفيفها، وهبه الله بسطة في الجسم وسماحة في الطبع وقوة في العقيدة والخلق كما وهبه بسطة في المال ومحبة في البذل، كريم في تواضع، عظيم في بساطة أحب الناس وأحبه الناس، فكان زعيما أبويا محبوبا من الجميع.

ذلكم هو المرحوم الشيخ محمد صالح عبد العزيز جمجوم عميد آل جمجوم في عصره وأحد أعلام مدينة جدة بل أحد أعلام المملكة في منطقة الحجاز.

ولد الشيخ محمد صالح جمجوم في أوائل القرن الرابع عشر الهجري عام 1303 هـ وتوفي بمدينة حرج بولاية ميسور بالهند في 11 جمادى الأولى من عام 1363 هـ بعد أن ذهب إليها مستشفيا من المرض الذي ألم به بصحبة ابن أخيه رجل الأعمال المعروف الشيخ محمد نور صلاح جمجوم وقد بلغ من العمر ستين عاما قضى معظمها عاملا في سبيل الخير والنفع العام فلقد كان من الرجال القلائل الذين عاونوا المرحوم الحاج محمد علي زينل رضا في تأسيس مدارس الفلاح والإشراف عليها طيلة حياته، فلقد كان هو وأخوه المرحوم الشيخ عبد الرؤوف المتوفى عام 1338 هـ يتوليان القيام على شؤون هذه المدارس كوكلاء مفوضين من قبل مؤسسها الحاج محمد علي زينل والذي كان يقضي أيامه كلها في الهند وأوربا، ولقد عرفت الشيخ محمد صالح جمجوم وكيلا لمدارس الفلاح بعد وفاة أخيه الشيخ عبد الرؤوف وأنا تلميذ صغير بها وكان يحضر إلى المدرسة في كثير من الأوقات ويلجأ إليه مديرها وأساتذتها بل وطلابها في كل ما يعرض لهم من أمور، وإذا عرفنا المهام التي كان يتولاها الشيخ محمد صالح جمجوم إلى جانب وكالته للفلاح أدركنا بعض جوانب العظمة فيه فلقد كان عميد بيت الجمجوم التجاري وهو من أبرز البيوتات التجارية في جدة آنذاك، كان له فرع في الهند يتولاه أخوه الشيخ محمد عبد العزيز جمجوم، وكالت الهند آنذاك هي مصدر التجارة للجزيرة العربية كلها، وكان إلى جانب هذا وذاك مديرا لأوقاف جدة وهو منصب شرفي أسنده إليه جلالة المرحوم الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، وكان إلى جانب كل هذا من زعماء البلاد المحبوبين فلقد تطوع من تلقاء نفسه بتيسير العمل لكل راغب فيه وذاك بتقديم كفالته الشخصية للدوائر الحكومية للرجال والشبان الذين تتطلب وظائفهم كفالة مالية لدى الدوائر الحكومية كأمناء الخزانة والمستودعات وغيرهم ممن يشترط توفر الكفالة المالية في قبولهم للوظائف، بل تعدت هذه الكفالة الوظائف فأصبحت مبذولة لكل من يطلبها دون تمييز وكثيرا ما قام بكفالة المسجونين لإطلاقهم من السجون وكذلك المسافرين سواء عرفهم أو لم يعرفهم، وقد رأيت الرجل كما رآه غيري من معاصريه يوقع الكفالات وهو يسير في الشارع دون أن ينظر إليها أو يعرف أصحابها وأسبابها فكان كل من يلجأ إليه يجد طلبته دون تردد أو امتعاض، فلقد كان رجلا كبير القلب يسع الناس جميعا بمحبته وعونه ولقد جنت عليه هذه الطيبة فيما بعد إذ أخل بها بعض المكفولين في مبلغ ضخم في ذلك الوقت وألزم المرحوم الشيخ محمد صالح جمجوم بدفعه ولم يكن قادرا على ذلك فخير بين الدفع أو السجن ولما لم يكن قادرا على الدفع فقد قبل راضيا بالسجن الذي تم في غرفة خاصة بإدارة شرطة جدة ولم يلبث هذا السجن أن تحول إلى مجمع شعبي كبير فقد تقاطر الناس صباح مساء لزيارة الشيخ محمد صالح في غرفته تلك معبرين عن تعاطفهم معه وحنقهم على من تسبب له في هذا الأذى وما هي إلا أيام قلائل أذن الله فيها بالفرج إذ أمر جلالة المغفور له الملك عبد العزيز بإعفائه من الغرامة وغادر الشيخ محمد صالح مكانه ذاك عائدا إلى منزله بين تكريم كل الناس ومحبتهم وابتهاجهم وهكذا عرف الشيخ محمد صالح مكانه في القلوب ولم يكن هذا المكان بالمجهول أو المنكور.

والمتتبع لتاريخ حياة هذا الرجل العظيم يجدها تشير في جميع أطوارها إلى حب الخير للناس ومساعدتهم وبذل العون لهم، ولقد قلنا في مقدمة هذا البحث أن الشيخ محمد صالح وأخاه الشيخ عبد الرؤوف كانا من الرجال القلائل الذين عاونوا الحاج محمد علي زينل مؤسس الفلاح حين تأسيسه لمدرسة الفلاح بجدة وقد سبق لي أن تحدثت وكتبت عن الحاج محمد علي زينل يرحمه الله أنه حينما فكر في تأسيس مدرسة الفلاح بجدة لم يكن قد حصل على ترخيص حكومي بافتتاح المدرسة وكان هذا في العهد العثماني في عام 1323 هجرية فلجأ هو وأصدقاؤه إلى أخذ التلاميذ من بيوت آبائهم في جنح الظلام ثم إعادتهم إلى بيوتهم بعد انتهاء الدرس، وأقول الآن أن من هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يقومون بهذا العمل النبيل الشيخ محمد صالح جمجوم وأخوه الشيخ عبد الرؤوف، وإذا علمنا أن الحاج محمد علي زينل أسس مدارس الفلاح عام 1323 هـ وكان من مواليد 1301 هـ أدركنا أنه كان وصحبه في أوائل العقد الثالث من أعمارهم أي بين العشرين والثانية والعشرين من العمر وهي سن باكرة جدا لا يقوم فيها بمثل هذا العمل العظيم إلا أولئك الرجال الذين وهبهم الله الغيرة على دينهم وأمتهم وهيأهم للقيام بالعظائم من الأمور وبعد الحصول على الترخيص الرسمي بافتتاح المدرسة وتوسع التعليم فيها غادر الحاج محمد علي زينل الحجاز إلى الهند معتمدا على كل من الشيخ عبد الرؤوف وأخيه الشيخ محمد صالح جمجوم في الإشراف عليها وبعد وفاه الشيخ عبد الرؤوف جمجوم في عام 1338 هـ انفرد محمد صالح جمجوم بإدارة شؤون المدرسة إلى أن توفاه الله تعالى عام 1363 هـ ولقد كان طوال هاتيك السنين يهب هذا العمل الكثير من وقته وجهده رغم مشاغله العظيمة في ذلك الزمان.

أسرة آل الجمجوم والحديث عن الشيخ محمد صالح جمجوم يقتضي الحديث عن أسرة آل الجمجوم التي كان الشيخ محمد صالح عميدها وهي من أكرم العائلات في مدينة جدة ومن أكبرها عددا إن لم تكن أكبرها عددا على الإطلاق وحينما كانت الأسرة مجتمعة في مكان واحد في الخمسينات من هذا القرن الهجري وفي عهد عميدها الشيخ محمد صالح كان تعدادها يزيد على المائة شخص وكانت أسرة كريمة مضيافة تسير في حياتها اليومية على النمط الذي كان متبعا في ذاك الحين فكان رجال الأسرة وشبابها مجتمعون على مائدة واحدة لتناول طعام الغداء، كما كان نساء الأسرة وضيوفهن يجتمعن على مائدة واحدة لهذا الغرض، وكان معروفا أن جوالا ضخما من الدقيق يرسل يوميا إلى الفران ليصنع منه الخبز الذي يكفي هذا العدد الضخم كما أن خروفا كبيرا وأكثر مع كميات ضخمة من الخضار تشترى يوميا من الحلقة لصنع طعام غداء الأسرة أما العشاء والإفطار فكان أعضاء الأسرة يتناولونه في الأماكن المخصصة لهم من هذا البيت الكبير.

وكان إخواننا الشناقطة - الذين أصبحوا الآن موريتانيين - ضيوفا دائمين على آل الجمجوم حينما يفدون من الخارج لأداء فريضة الحج أو العودة منها أو حينما يمرون بمدينة جدة في طريقهم إلى مكة أو المدينة وما أكثر الشناقطة المهاجرين بها، وما أكثر ما يفدون لأداء العمرة في رمضان أو لأداء فريضة الحج وكانوا يفدون بنسائهم وأطفالهم، أما النساء فتستقبلهن نساء الأسرة وأما الرجال فقد خصص لهم المكان بل الأمكنة التي ينزلون بها وكانت هذه الضيافة لا تقتصر على المأوى وإنما تشمل الطعام والشراب والكساء بل وقضاء الحوائج على اختلاف هذه الحوائج وأكثرها يقتضي بذل المال وبعضها يقتضي السعي في دوائر الحكومة لإنجاز الأمور التي تقتضي الإنجاز وكان الشيخ محمد صالح جمجوم بقلبه الكبير يرعى هؤلاء الوافدين ويتفقد أمورهم ويحقق مطالبهم حتى قيل مرة أن أحدهم تمنى عليه الزواج فحقق له ما طلب وهناك ناحية أخرى شاهدتها فلقد كان الميت يموت ويعجز أهله عن تجهيزه فإذا طلب من الناس العون أشاروا له إلى بيت الجمجوم ولقد سمعت أحدهم، وهو يقول ماذا تطلب مني؟ هل هنا بيت الجمجوم؟ كأنما كان بيت الجمجوم بيتا للمال في ذلك الزمان، أخيرا وليس آخرا فإن الشيخ محمد صالح جمجوم كان كما ذكرنا عميد بيت تجاري كبير وكان لهذا البيت التجاري معاملات كثيرة مع الناس وأخذ وعطاء وعملاء لهم حسابات مفتوحة وعليهم ديون كثيرة وكان مما عرف عن الشيخ محمد صالح جمجوم أنه كان ييسر على الناس فلا يثقل عليهم بالوفاء ولا يلح، وقد استغل بعض ذوي النفوس الضعيفة هذا الخلق العالي فاستمرأوا المماطلة واستباحوا عدم الوفاء فبقيت بذمتهم المبالغ الطائلة التي تبلغ الألوف المؤلفة من الجنيهات الذهبية وما لبثوا أن جاهروا بالامتناع عن الدفع مستأثرين بما وصل إليهم من هذا المال ليستخدموه في أعمال تجارية خاصة بهم آمنين أن أحدا لا يقاضيهم أو يزعجهم وهكذا كان، فلقد كان الشيخ محمد صالح يرفض كل الرفض فكرة المقاضاة أو الشكوى سواء للعملاء المماطلين أو للمستأجرين الذين يستبيحون السكنى في عقار آل الجمجوم السنوات الطوال دون أن يدفعوا بدل الإجارة مستغلين طيبة الرجل وحياءه وحسن ظنه بالناس جميعا فلقد كانت هذه الطيبة التي ظنها البعض غفلة هي من أسباب اجتراء المجترئين واستهتارهم وليست هي من الغفلة في شيء وإنما هي النفس الكبيرة تحاول إصلاح النفوس وتقويمها بالصبر والتسامح والإيثار.

رحم الله الشيخ محمد صالح جمجوم فلقد كان نمطا فريدا في العمل للناس بجهده وماله وجاهه طيلة حياته ثم مضى إلى لقاء ربه قبل خمسة وأربعين عاما ولكن ذكراه لا تزال تعمر قلوب عارفيه، فلقد كان مثلا كريما وقدوة حسنة تغمده الله برحمته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود.

أعلام الحجاز، تأليف محمد علي مغربي الجزء الأول – ص 250 - 256.

محمد صالح جمجوم | تراجم العلماء