صالح بن بكري شطا

تاريخ الوفاة: تاريخ الميلاد: 1302 هـ (1884م)الاسم الكامل: صالح بن بكري شطاالمعرف: 99532

السيد صالح بن بكري شطا طويل فارع، معتدل الجسم، أبيض اللون تشوب بياضه حمرة خفيفة واسع العينين، أقنى الأنف، يضع على عينيه نظارة ذهبية، كان في العهد الهاشمي يرتدي الجبة والعمامة الحجازية، وقد أدركته في الخمسينات وهو يرتدي العباءة العربية والغترة البيضاء دون عقال وهو الزي الذى يتميز به علماء الدين والقضاة، ولا عجب في ذلك فالرجل من بيت علم ودين وقد ظل محتفظا بصفته هذه رغم المناصب الكبيرة التي أسندت إليه فهو من أولئك الرجال الذين تنفرد شخصياتهم بما وهبها الله من صفات فتضع بصماتها على ما يسند إليها من منصب أو عمل فلا يجرفها المنصب أو الجاه، ولا يبطرها الثراء أو الحسب لأنها تستمد قوتها من صفاتها الشخصية التي تفرض حبها على الناس في بساطة ويسر.

ولد السيد صالح شطا عام 1302 هـ بمكة المكرمة وتوفي والده وهـو في الثامنة من العمر فكفله أخوه الأكبر السيد أحمد شطا المدرس بالمسجد الحرام، وحفظ القرآن الكريم في صباه وتلقى تعليمه على أيدي أعلام العلماء من أسرته ومن علماء مكة المكرمة الذين تعقد حلقات دروسهم في رحاب المسجد الحرام أمثال السادة: أحمد وعمر شطا والسيد عبد الله دحلان والسيد حسين الحبشي وغيرهم وبعد أن أتم دراسته حصل على إجازة بالتدريس من هيئة العلماء بمكة المكرمة فكان يلقي دروسه في رحاب المسجد الحرام بباب الزيادة.

سمعت باسم السيد صالح شطا رحمه الله أول مرة في أوائل الأربعينات حينما وفد بأسرته من مكة المكرمة إلى جدة خلال الحرب السعودية الهاشمية ونزل بدار الشيخ عبد الرحمن باجنيد - كانت هذه الدار في شارع قابل أمام مسجد المعمار وقد أزيلت وأدخلت مع البيوت التي حولها في الشارع الجديد المسمى شارع الذهب حاليا - أقول سمعت باسم صالح شطا لأول مرة حينما وفد بأسرته من مكة المكرمة ولكن لم يمض طويل وقت حتى شاع في مدينة جدة خبر التجائه إلى مخيم السلطان عبدالعزيز آل سعود بالرغامة - خارج مدينة جدة ولهذا الالتجاء خلفية لابد من ذكرها وقد حدثني عنها السيد صالح شطا نفسه رحمه الله قال: كنت أقاوم حكم الشريف الحسين بن علي لأنه كان ظالما بطاشا ولقد سجنت ومعي الشريف رضا «والد المرحوم الشريف محمد شرف رضا» في سجن الحسين بمكة المكرمة لأن الحسين كان يعرف عنا هذه المعارضة، قال وكنت أرسل المقالات إلى الجرائد المصرية (ولعله ذكر اسم مجلة المقتطف) أعدد فيها مظالم الحسين بتوقيع مستعار، وكانت هذه المقالات تنشر ولا يعرف كاتبها إذ كانت الصحيفة تحتفظ باسم الكاتب سرا إذا رغب في ذلك، أقول إن هذه الخلفية للسيد صالح شطا رحمه الله توضح اختراقه للأسلاك الشائكة التي تحيط بمدينة جدة في أيام الحصار والتجاءه إلى مخيم السلطان عبدالعزيز فهو إنما فعل هذا مدفوعا بكراهيته للعهد القائم إذ ذاك وهذه الحادثة بالذات تظهر مدى قوة شخصية الرجل وشجاعته في اقتحام المخاطر، فلو أن محاولته للخروج من مدينة جدة كشفت أو ألقي القبض عليه من قبل الجيش المدافع عن المدينة، لكان مصيره في مهب الريح، ولكان في موقف من أسوأ المواقف التي يتعرض لها من يقتحم هذه الأخطار بينما كانت أسرته الكبيرة مقيمة بمدينة جدة، هذا ماكنت قد كتبته عن هذه الحادثة المشار إليها ونشر في الحلقة الخاصة بالمرحوم السيد صالح شطا، وقد اتصل بي ابنه الأخ السيد محمود شطا عضو مجلس الشورى وأخبرني أن والده لم يلجأ إلى مخيم السلطان عبد العزيز وأنه إنما ذهب مع من ذهبوا من زعماء مكة وجدة لمقابلة السلطان عبدالعزيز بالرغامة لإبداء آرائهم فيا تتعرض له مدينة جدة من المخاطر بما تضمه من الأهالي ورعايا الدول الأجنبية وأن الشريف الملك علي بن الحسين لم يكن راضيا عن ذهابهم ولكنه لم يستطع منعهم وأنهم حينما عادوا سجنوا بالقشلة وأبعد منهم من أبعد عن البلاد وأن والده السيد صالح شطا كان من ضمن المسجونين بالقشلة مع المرحوم الأفندي محمد نصيف والشيخ سليمان عزاية، هذا وقد وجدت في كتاب ماضي الحجاز وحاضره للأستاذ حسين محمد نصيف رحمه الله ما يدل على أن السيد صالح شطا كان أحد أعضاء الحزب الوطني الذي تأسس في مدينة جدة أيام الحرب الهاشمية السعودية وللتوفيق بين ما كنت كتبته عن التجاء السيد صالح شطا إلى مخيم السلطان عبد العزيز حسب المعلومات التي كانت متداولة في ذلك الوقت وبين ما ذكره لي ابنه السيد محمود شطا أقول إن السيد صالح رحمه الله كان معروفا بمعارضته الشديدة للحكم الهاشمي ولابد أن البعض حينما علم بذهابه مع من ذهبوا لمقابلة السلطان عبد العزيز على كره من الملك على أنهم ظنوا أنه لجأ الى مخيم السلطان عبدالعزيز أو أن هذه الاشاعة أطلقت لتبرير سجنه مع زملائه الذين سجنوا وأبعدوا فيما بعد؛ ولعله من المناسب أن نذكر الآن طرفا من الحالة الاجتماعية التي كانت تسود البلاد في هذه الفترة من الزمان في أوائل الأربعينات من هذا القرن الهجري الذي يوشك على الانتهاء.

كانت الحياة الاجتماعية في الحجاز مبنية على الترابط والسماحة وكانت البيوت مفتوحة لاستقبال الضيوف ولم تكن هناك فنادق أو خانات ينزل فيها المسافرون بين مدينة وأخرى وإنما كانت هناك علاقات صهارة أو صداقة أو عمل تربط بين الناس فكان المسافر من مكة إلى جدة، أو من جدة إلى مكة ينزل في بيت قريب أو صديق وكانت أغلب المنازل بها أماكن مخصصة للضيافة وكانت ضيافة الرجال في الدور الأرضي من المنزل الذي كان يحتوي على دواوين ومقاعد بما يلزم لها من خدمات، أما النساء فكانت استضافتهن في الأدوار العليا مع نساء العائلة فاذا حضر الرجل بأهله دعي ليلا إلى الصعود إلى مجلس في هذه الأدوار يخصص لمبيته مع أهل بيته لا يختلط بنساء العائلة أو رجالها فإذا كان الصباح ترك هذا المجلس إلى الدور الأرضي حيث يجتمع الرجال جميعا لتناول الإفطار ثم طعام الغداء وتبقى هذه البيوت مفتوحة طيلة النهار وصدرا من الليل يقوم على خدمتها المكلفون بذلك من الرجال، لهذا فإنه حينما وقعت الحرب الهاشمية السعودية وهاجر الكثيرون من أهل مكة إلى مدينة جدة بعائلاتهم نزل كل هؤلاء المهاجرين تقريبا في بيوت أهل جدة فالقريب نزل عند أقربائه أو أصهاره والصديق نزل في بيت صديقه، والذى لا قريب له أو صديقا نزل كذلك في بيوت عرف أصحابها بالكرم والنخوة، ولقد كان لكبير جدة في ذلك الوقت الشيخ محمد الطويل رحمه الله دور عظيم في إسكان الوافدين من أهل مكة وإنزالهم في جدة بحكم منصبه العظيم وزعامته في مدينة جدة في ذلك الزمان.

ونعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن السيد صالح شطا رحمه الله فنقول كان من المؤكد بعدما ذكرنا عن معارضته الشديدة لحكم الشريف الملك الحسين بن علي ثم لابنه الملك علي مع ما للرجل من صفات شخصية ومركز عائلي مرموق أن يكون من أبرز رجال العهد السعودي في الحجاز بعد أن اصبح السلطان عبدالعزيز ملكا على الحجاز عام 1344 هـ ـ فكان عضوا بمجلس الشورى عن مكة المكرمة في بداية تأسيس المجلس عام 1345 هـ ثم عهد إليه بإدارة المعارف العامة، ثم عين مساعدا للنائب العام لجلالة الملك في الحجاز - وكان النائب العام في ذلك العهد هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - جلالة الملك فيصل فيما بعد ـ وهو منصب من أرفع المناصب الإدارية وقد استقر الأمر بالسيد صالح شطا بعد أن أصبح النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى (النائب الأول للمجلس هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل) وكانت رئاسته للمجلس شرفية إذ أن سموه لم يكن يحضر إلا حفلات افتتاح المجلس الرسمية في كل عام وكانت الرئاسة العملية هي للنائب الثاني وهو المنصب الذي شغله المرحوم السيد صالح شطا سنوات طويلة وأداره بمنتهي الكفاءة والحزم.

ولعله من المناسب أن نذكر هنا أن مجلس الشورى كان له تأثير كبير في شؤون الدولة وخاصة في النواحي القانونية والتنظيمية في الوقت الذي لم تكن الوزارات فيه قد تأسست ولم يكن هناك كذلك مجلس للوزراء فكانت جميع الأنظمة التي تفكر فيها الدولة تحال إلى المجلس لصياغتها أو دراستها وإقرارها، وأذكر أنني ذهبت إلى مجلس الشورى أكثر من مرة لمناقشة الأنظمة الاقتصادية التي وضعت لبعض الشركات العربية في ذلك الوقت كشركة التوفير والاقتصاد وغيرها منتدبا من مجلس ادارة هذه الشركات وكانت مواد هذه الأنظمة تناقش بدقة كما كان يحال إلى المجلس الكثير من القضايا الإدارية وغيرها لدراستها وإبداء الرأي فيها، وكان لرأي المجلس وزن كبير فيما يعرض عليه وخاصة في عهد جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز ولم يكن السيد صالح رحمه الله رئيسا عاديا ولكنه كان شخصية مؤثرة فالرجل طالب علم منذ نشأته وهو بحكم مركزه الاجتماعي من دعاة الإصلاح والتنظيم، فلم يكن يكتفي بإدارة جلسات المجلس وإنما كان يشارك في المناقشات ويؤثر فيها بشخصيته القوية الحازمة فكان بعمله هذا يضفي على مناقشات المجلس حيوية دافقة تجعلها ذات قوة وتأثير (ولعل أستاذنا الكبير الشيخ أحمد ابراهيم الغزاوي النائب الثاني لرئاسة المجلس حاليا يحدثنا عن المجلس وتاريخه بحكم خبرته العملية الطويلة وخاصة عن ذكرياته فيه بكل معجب وطريف مد الله في حياته وأسبغ عليه أثواب الصحة والعافية).

إلغاء الكوشان حينما سمح الملك عبد العزيز بدخول السيارات إلى الحجاز لأول مرة فرضت الدولة رسما مقداره أربعة وثلاثون قرشا ذهبا «ما يساوى ثلث الجنيه» للسفر إلى مكة المكرمة، ورسما آخر لعله يكون جنيهين للسفر إلى المدينة المنورة - وكنت ذكرت قبلا أن واردات الدولة قبل ظهور الزيت كانت تتألف من الجمارك ومن هذا الرسم الذي كان يسمى الكوشان والذى كان مفروضا على الأهالي كما كان مفروضا على الحجاج ـ ولعل كلمة الكوشان من أصل تركى تؤدى هذا المعنى ـ نقول إن هذا الرسم أو هذه الضريبة فرضت مع السماح بدخول السيارات الى المملكة واستعمالها فقد كانت ممنوعة في العهد الهاشمي كما أسلفنا إذ كانت سياسة الشريف الحسين بن علي تتلخص في أن إدخال السيارات إلى البلاد تستنزف ثرواتها فهو يعتبر أن الجمل هو الوسيلة المثلى للنقل من الناحية الاقتصادية لأن البادية وهي تكون سواد الشعب إنما تعيش على الجمل في حين أن السيارات تحتاج في وقودها وصيانتها وإدارتها إلى الخارج وهو أمر يستنزف ثروات البلاد بينما أن الجمل يحفظ ثروة الأمة داخل حدودها، ولهذا فلم يكن في العهد الهاشمي أي نوع من السيارات يسمح به باستثناء سيارة الملك نفسه، قالوا وكان في مكة المكرمة ترى كبير اسمه السيت جان كندوانى وهو من أصل هندي وكان يرغب في استيراد سيارة له فاستأذن الشريف الحسين في ذلك فلم يجب عليه بشيء فظن أن سكوت الشريف معناه الموافقة فاستورد السيارة وحينما وصلت السيارة إلى مكة وأراد استعمالها تعرض له الصبية والسفهاء فقذفوها بالحجارة وأتلفوا بعض أجزائها ولما لم يجد من يعترض على هذا الأذى أدرك أن الشريف لم يوافق على استيراد السيارات ولن يوافق عليها وهكذا كان ونعود الآن إلى موضوع الكوشان فنذكر أن هذه الضريبة كانت مفروضة على السفر إلى كل من مكة والمدينة المنورة فلما تم توحيد المملكة كان بقاء هذه الضريبة رغم أهميتها للدولة لاختصاصها بالمدينتين المقدستين غير مستساغ، قالوا وكان أول من طالب بإلغائها في المدينة المنورة هو المرحوم الشيخ سعود دشيشة نائب المدينة المنورة في مجلس الشورى حيث خاطب الملك عبد العزيز بما معناه إنك ياطويل العمر قد وحدت هذه المملكة وآخيت بين الرعية فلماذا يدفع أهل المدينة ضريبة كلما أرادوا أن يعودوا إلى مدينتهم حينما يخرجون منها فرفع جلالته الضريبة عن أهل المدينة المنورة وفي الحال تقدم السيد صالح شطا الى جلالته قائلا إن نائب المدينة طلب إعفاء أهلها من الضريبة وانا أتقدم باسم أهالي مكة المكرمة لطلب إعفائهم منها وقد استجاب جلالة الملك عبدالعزيز لطلبه فألغيت هذه الضريبة أو ألغى رسم الكوشان عن الأهالي وبقي مفروضا على الحجاج الى أن تم الغاؤه في عام 1370 هـ، وهكذا أثبت السيد صالح شطا رحمه الله أنه كان رجل مكة المكرمة ونائبها بحق فلقد كان الرجل رغم مناصبه العظيمة يعيش مع الناس يتحسس آلامهم ويتفهم مشاكلهم وكانت داره مفتوحة لاستقبال الناس طيلة النهار وصدرا من الليل يفد إليها الوافدون لا يصدهم عن لقائه حجاب وإنما يجدون صدرا رحبا ووجها كريما باشا وبساطة محببة لعمرك ليس الجود أن تطعم القرى ولكنما وجه الكريم جواد الطائف وعاصمة الدولة في الصيف ومما يدخل في هذا الباب عن تحسسات السيد صالح شطا رحمه الله نذكر أن الدولة كانت تنتقل إلى الطائف صيف كل عام بكامل أجهزتها طيلة عهد الملك عبد العزيز رحمه الله وأوائل عهد الملك سعود وكانت عاصمة الدولة الرسمية في مكة المكرمة فإذا حل الصيف انتقلت الدولة بكامل إدارتها إلى الطائف وكان أهل مكة المكرمة كما هو معلوم ترتبط مصالح الكثيرين منهم بأعمال الحج، وشؤون الحجاج، فإذا ما اقترب موسم الحج رغبوا في العودة إلى مكة المكرمة لمباشرة أعمال الحجاج وكان الكثيرون منهم إلى جانب ارتباطهم بأعمال الحج والحجاج موظفين في الدولة ولا يستطيعون العودة إلى مكة إلا إذا أذنت الدولة بذلك، وكان الجميع مرتبطين بصاحب السمو الملكي الأمير فيصل النائب العام لجلالة الملك في الحجاز جلالة الملك فيصل فيما بعد وكان الإذن بالعودة يتأخر في كثير من الأوقات عن الوقت الذي يرغب فيه الموظفون وخاصة إذا تأخر الصيف واقترب الموسم وبدأت طلائع الحجاج في القدوم فمنهم من يرغب في استئجار البيوت اللازمة لحجاجه ومنهم من يرغب في تأجير منزله على الحجاج، والكثيرون منهم يرتبطون بعمل الحج بشكل من الأشكال وكان الشخص الوحيد الذي يتصدى لهذا الأمر هو المرحوم السيد صالح شطا فيتحدث إلى سمو النائب العام في الأمر ويستصدر الإذن بعودة الدوائر الرسمية إلى مكة المكرمة بينما يبقى هو شخصيا بالطائف الى حين عودة سمو الأمير نفسه إليها.

إمامة المسجد الحرام قالوا وكان السيد صالح شطا يؤدي صلاة المغرب يوما في المسجد الحرام فتأخر الإمام المرحوم الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وكان يسكن بالصفا بجوار المسجد قبل إدخال هذه البيوت في التوسعة الأولى في المسجد الحرام، ورأى السيد صالح أن تأخر الإمام قد زاد عن الحد الطبيعي فلم يكن منه إلا أن تقدم إلى المحراب وأشار إلى المؤذن بإقامة الصلاة وصلى بالناس وكان الشيخ عبد الظاهر قد حضر بعد إقامة الصلاة فتقدم من السيد صالح شاكرا وداعيا له بالخير.

هذه الحوادث البسيطة وأمثالها تدل على مدى شعور الرجل بالمسؤولية إزاء الناس سواء في أمور دينهم أو دنياهم وهي تحسسات قد يشعر بها الكثيرون ولكنهم لا يملكون الشجاعة للتعبير عنها بالأسلوب العملي الذي يحل المشكلات ويرفع الضيق عن الصدور..

تشجيع الكفاءات ولقد لمست كما لمس غيرى في السيد صالح رحمه الله تشجيعه للكفاءات وخاصة للشبان الذين لم تعرف أسماؤهم أو تظهر مواهبهم وأذكر لذلك حادثة أو حادثتين وقعت معي شخصيا وأبدأ بالحادثة الثانية فلقد فوجئت يوما في أوائل عهدي بالعمل التجاري أن دعيت لحضور إجتماع رسمي للبحث في أمور العملة في الطائف وكان هذا في منتصف الستينات وذهبت إلى الطائف لحضور الاجتماع وكنت في عجب من دعوتي إليه بينما أنني تاجر حديث وهناك من هم أكبر سنا وأعظم خبرة وأكثر تجربة من أصحاب الاسماء الكبيرة والتقيت في الطائف بالصديق الأستاذ محمد عمر توفيق ـ معالي وزير المواصلات فيما بعد ـ وكان يعمل بديوان سمو النائب العام ولم أكتمه عجبي من اختياري لحضور الاجتماع فقال لي أن السيد صالح شطا كان يتابع ما تكتبه من مقالات اقتصادية في صوت الحجاز وهو الذي رشحك لدى سمو النائب العام لحضور هذا الاجتماع أما الحادثة الأولى فأذكر أنني كتبت مرة بحثا عن النقد في جريدة صوت الحجاز ونشر في حلقتين او أكثر أوضحت فيه رأيي فيما يجب أن يكون عليه النقد والصفات التي يجب أن يتحلى بها الناقد من علم تام بما ينقد، ومن حيدة لا تؤثر فيها العواطف والأهواء وقلت فيما قلته إن الناقد هو قاض عادل يزن الأمور بميزان دقيق فيؤدي أمانة النقد كاملة فيذكر ما له كما يذكر ما عليه وكنت يومها أصيف بالطائف ولم أشعر إلا والمرحوم السيد عبد الحميد الخطيب عضو مجلس الشورى والسفير السعودي في باكستان فيما بعد، يزورني ويذكر لي ثناء السيد صالح رحمه الله وإعجابه بما قرأ وحديثه عن ذلك في المجلس وحينما أعود الآن بذكرياتي عن هذا الأمر بعد ما مر بي من تجاريب الحياة يتمثل لي السيد صالح شطا وأمثاله من عظماء الرجال رجالا كبارا، فلقد كان الرجل في ذروة مجده رئيسا لمجلس الشورى وزعيما من زعماء مكة المكرمة بل من أكبر زعمائها وكنت أنا شابا في بداية الطريق أعمل سكرتيرا لمعالي الشيخ محمد سرور وكان الفارق بيني وبينه كبيرا في كل شيء ولكن هذه الفوارق على سعتها لم تمنع الرجل من التحدث بما استحسنه حتى وصل به الأمر إلى الأخذ بيدي إلى الظهور بينما أنني رأيت بعد ذلك من الناس الأعاجيب في غمط حقوق الغير وطمس آثارهم وإظهار الحسنات بمظهر السيئات وهذه هي الصفة الغالبة على الناس بكل أسف لم ينج منها إلا كبار النفوس والعقول.

وهذا الذي فعله السيد صالح رحمه الله معي من المؤكد أنه فعل أمثاله مع الكثيرين غيري ولعل من يقرأ هذه الحلقات يستطيع أن يضيف إلى ما اكتبه وما كتبته عن هؤلاء الأعلام الكثير من الأخبار والحوادث التي تجلو شخصياتهم وتبرز مآثرهم فما أحق هذا التاريخ أن يدون وأن يعرفه أبناؤنا وأحفادنا ليكون لهم قدوة تحتذى ومنارا به يهتدى.

محاضرات جمعية الإسعاف كانت جمعية الإسعاف بمكة المكرمة تنظم محاضرات أسبوعية لتثقيف الجمهور وكانت تستدعي كبار العلماء والأدباء لإلقاء محاضراتهم فيما بعد صلاة العشاء من إحدى ليالي الأسبوع وكان الإعلان عن هذه المحاضرات يتم بالنشر عن ذلك في جريدة صوت الحجاز وفي لوحة ترفع أمام مبنى الجمعية الذي كان أمام الحميدية في أجياد ـ وقد هدم هذا المبنى فيما بعد مع المباني الكثيرة وأدخل ضمن التوسعة الأولى للمسجد الحرام وكان الناس يقبلون على سماع هذه المحاضرات بأعداد كبيرة مما يجعل الصالة المخصصة لذلك تضيق بالحاضرين وكان من أبرز المحاضرين في جمعية الإسعاف السيد محمد شطا - مد الله في حياته ـ وكانت محاضراته عن قصص القرآن وكان مبدعا في إلقائه وتعبيره كما أن مبنى الجمعية شهد محاضرات دينيه كثيرة من فضيلة الشيخ بن حميد وسعادة الشيخ أحمد ابراهيم الغزاوي وكان موضوع محاضرته ما نحن أحوج اليه، وأذكر أن أطول محاضرة ألقيت في الجمعية هي محاضرة المرحوم الأستاذ حمزة شحاتة لأنها كانت عبارة عن مؤلف صغير استغرق عدة ساعات نقول وكان السيد صالح شطا من أبرز المحاضرين في جمعية الاسعاف وكان الناس يحرصون ألا تفوتهم محاضراته لما عرف عنه من صراحة وإخلاص وقد تم جمع القسم الاول من هذه المحاضرات وطبعت في كتاب صدر منه جزء واحد باسم محاضرات الإسعاف.

وفاة السيد صالح شطا وكان موضوع محاضرته الأخيرة (الإسلام والدعوة القومية) وفي الليلة التي تحدد فيها إلقاء المحاضرة قبيل المغرب رن جرس التلفون في مكتب الشيخ محمد سرور ورفع السماعة ثم وجم وجوما شديدا ثم قال الدوام لله فسألته ما الأمر قال: لقد ذهب السيد صالح إلى رحمة الله وساد المجلس وجوم وأسى فلم تكن الفجيعة في فرد من الناس وإنما كانت في رجل عظيم كبير.

ولم يكن خبر الوفاة قد أعلن فحضر الناس إلى جمعية الإسعاف للاستماع إلى السيد صالح شطا وهو يحاضر عن الدعوة القومية في نظر الإسلام فأعلنت الجمعية للحاضرين وفاة السيد صالح شطا ثم ألقيت المحاضرة نيابة عنه وكان رأي السيد صالح رحمه الله كما هو متوقع أن الاسلام لا يعترف بالقومية فالمسلمون إخوة كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى وهكذا كان مسك الختام للسيد صالح شطا رحمه الله دعوة بالقلم واللسان إلى الخير والإصلاح.

رحم الله السيد صالح شطا رحمة الأبرار فلقد كان من عظماء الرجال.

أعلام الحجاز، تأليف محمد علي مغربي الجزء الأول – ص 62 - 74.

صالح بن بكري شطا | تراجم العلماء