الشيخ محمد الحامد نشاته ولد في مدينة حماة ، نشأ في أسرة متديّنة، يتيماً فقيراً، فكان يشتغل في مهنة الخياطة نهاراً، ويدرس على العلماء في المساجد ليلاً.
تعلمه تلقى العلوم الشرعيّة على خاله الشيخ سعيد الجابي، وعلى الشيخ محمد سعيد النعساني وتوفيق الصباغ وغيرهم، ثم التحق بدار العلوم الشرعيّة بحماه سنة 1342 /1924 ثم توجّه إلى المدرسة الخسرويّة الشرعيّة بحلب سنة 1346/1928 وكانت تضمّ جماعةً من العلماء المحقّقين أمثال: الشيخ أحمد الزرقا، وأحمد الكردي مفتي الحنفيّة وعيسى البيانوني، وإبراهيم السلقيني، وراغب الطباخ، ومحمد الناشد، وأخذ الطريقة النقشبنديّة عن الشيخ أبي النصر سليم خلف الحمصي، وسلك طريقة التصوّف، ورحل إلى القاهرة، لإكمال دراسته في الأزهر ، ونال العالميّة في العلوم الشرعيّة سنة 1362/1942 وتخصّص في القضاء.
وحبّب الله إليه طلب العلم فكان لا يقتصر على الكتب المدرسية المقرّرة بل يُقبل بشغف عظيم على كتب العلم يحلّ عويصها، ويتمثّل معارفها، ولقد قال عن نفسه: '...
وإني أحمد الله على توفيق وتيسيره إياي للتّوسع العلمي، ووضعه الشغف به في قلبي، حتى إني لأوثر العلم على اللذائذ المادية التي يقتتل الناس عليها.
ولو أنّي خُيِّرت بين المُلْك والعلم لاخترت العلم على الملك والسلطان.
إتصاله بالإخوان اتصل خلال إقامته في مصر بالإمام حسن البنا، وصحبه وتتلمذ في العمل الحركي الدعوي عليه، واشتهر بين الإخوان المصريّين بالشيخ الحموي، وعندما غادر مصر إلى حماة سنة 1364/1944 كان شديد الحزن على فراق إخوانه بها، وبكى على هذا الفراق، في عدّة قصائد، ومنها قوله: ذبت يا مصر مذ عزمت رحيلاً ولو استطعت عشت فيك طويلاً وعبّر عن علاقته بالإمام فقال: والذي أثّر في نفسي تأثيراً من نوع خاص، وله يد في تكويني الشخصي، سيدي وأخي في الله وأستاذي، الإمام الشهيد حسن البنا وأغدق عليه غيوث الإحسان والكرم، صحبْتُهُ في مصر سنين، وحديثي عنه لو بسطته، لكان طويل الذيل، ولكانت كلماته، قِطَعَاً من قلبي، وأفلاذاً من كبدي، وحُرَقَاً من حرارة روحي، ودموعاً منهلة منسابة تشكّل سيلاً من فاجع الألم وعظيم اللوعة.
وكان الحامد يذكر الإمام البنا ويقول: كم أنا مشتاق إلى وقفة على قبره الشريف أناجيه عن قرب، وأبثه أشواقي، وأشجاني عن كثب، فإن للقرب معناه عند المحبين.
وكان رفيق رحلة الدرس بمصر الشيخ مصطفى السباعي ، الذي قاد الحركة الإسلامية في سوريا بجدارة وتجرّد وإخلاص.
عمله الدعوي في حماة تفرّغ لتعليم العلوم الشرعيّة، وتربية الناشئين، ورعاية أهل التقوى، فنشأ على يديه جيل من الشباب المؤمن.
كان يعلم أن إعداد الرّجال الذين يحملون الفكرة، ويثْبُتُون عليها، ويُنافحون عنها...
هو الأساس الذي لا محيد عنه في انتصار الفكرة..
لذلك ما فتئ يبذل الجهود في تربية أبناء شعبه على الإيمان والوعي والصلاح والجهاد.
عرف أسرار التشريع وحكمته، ودعا إلى الالتزام بالسنّة، ومحاربة البدعة.
حمل السلاح في وجه الاستعمار الفرنسي، وكان في مقدّمة المطالبين بالاستقلال والحريّة لبلاده.
كان داعية خير، ووئام بين مواطنيه، يكره الفتن، ويحارب الانحراف بلسانه وقلمه، ويحرص على تطبيق الشريعة في جميع شؤون الحياة، وشهد له أعداؤه قبل أصدقائه بالإنصاف، والجرأة، والأمانة، والورع، ويعود له الفضل في إعادة السلام إلى حماة والمدن السوريّة سنة 1384/1964 عندما اعتصم الشهيد مروان حديد في جامع السلطان، الذي هدم فوق أهله، وسقطت مئذنته، ثم ما تبع ذلك من أحداث، فقام بتهدئة الخواطر على رأس وفد من أهل المدينة وتصدى لموجات الإلحاد التي فشت في الجيل الصاعد، وعمل على رد الشاردين عن الحقيقة إليها، وعمل على تغذية الشاردين بالعلم الواقي، والمعرفة الدارئة، كي تقوى فيهم ملكة المناعة الإيمانيّة، وكان يرى أن الرجوع إلى الإسلام الصحيح هو طريق الخلاص من الانحراف، والاختلاف.
وتحدّث الشيخ سعيد حوى عن صفاته وسجاياه وعبادته وتقواه فقال: كان دائم التلاوة لكتاب الله، مداوماً على الذكر اليومي؛ وكان غزير العبرة كثير البكاء، لم أر بين علماء المسلمين ممّن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قول القرآن : (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبكيّاً) إلا شيخنا الحامد، وشيخنا عبد الفتاح أبو غدة ؛ ربّى إخوانه على التمسّك بالنصوص والفقه، كما ربّأهم على حبّ الإمام الشهيد حسن البنّا، وحبّ (الإخوان المسلمين) وحبّ جميع المسلمين؛ وكان يرى أنّ حسن البنّا مجدّد قرون، وليس مجدّد هذا القرن فحسب، ولقد واطأه على ذلك الأستاذ الندوي؛ وكان آية في التحقيق العلمي، وبحراً في العقائد، وفي الفقه، وفي التصوّف، وفي الأصول، وفي التفسير والحديث والتاريخ ؛ وكان بحراً في العلوم كلّها لا تطرق باباً من العلم إلاّ وقد أخذ بذؤابته، ويعرف دخنه، وينبّه على الأخطاء المحتملة فيه ؛ وكان شاعراً فصيحاً إذا خطب لا تعدّ عليه خطأً، عف اللسان، متأدّباً مع العلماء، وكان لا يسكت على مخطئ يقول أمامه كلمة بل كان ينصح ويصحّح، وكما كان مع المذهبيّة ومع التحقيق كان يخشى من دعوى الاجتهاد وما يترتّب على ذلك من فوضى في الفتوى ؛ فكان متشدّداً في الفتوى، لا يفتي إلاّ إذا درس ودارس واطمأنّ، وكان مستوعباً لمذاهب أهل السنّة والجماعة في العقائد والفقه، كما كان مستوعباً لعقائد الفرق الضالّة، عارفاً وقائعها، وكان داركاً لضلالات العصر، عارفاً ببدع الاستغراب، عارفاً بوجهات المستشرقين والمستغربين ؛ وكان ناصحاً مشفقاً يحسّ كل مسلم بشفقته ورحمته وخلوص نصيحته، لا يقابل السيئة بمثلها، وكان حريصاً على وحدة المسلمين، لا يرى أنّ هناك تناقضاً بين المسلمين يبيح لهم أن يدخلوا في خصومات بعضهم مع بعض، وينسوا الردّة والمرتدّين.
يقول الشيخ علي الطنطاوي : كنت أخالف الشيخ الحامد في مسائل الفقه، يذهب إلى التضييق على الناس، وفي أدلة الشرع سعة فيها كالغناء، أو يتمسك بفرعيّات هي من الكمالات، وليست من أسباب النجاة، ولا يعد تركها من المحرمات، وأشهد مع ذلك أن الشيخ كان صادقاً مع الله، صادقاً مع نفسه، وقد جعل الله له من الأثر في الناس ما لم يجعل لعشرات من أمثالي أنا.
ويقول عن رحلة صحبه فيها إلى مصر: وجدته صاحب نكتة، وفي روحه خفّة على القلب، وفي سلوكه أنس للنفس، وأنا أكره المتزمّتين الذين يتكلمون الجدّ دائماً، أو يحرصون على (المشيخة) والمشيخة غير العلم، وغير التدريس والتهذيب.
من تلاميذه أد غسان حمدون حفظه الله تعالى درس على يده تفسير القرآن والفقه والحديث والسيرة النبوية في تسع سنوات من عام 1960 إلى عام 1969 وللدكتور غسان حمدون مؤلفات كثيرة منها تفسير من نسمات القرآن، وإعجاز القرآن، وأسماء الله الحسنى، وكتاب الله في إعجازه يتجلى، ومقالات كثيرة بالعربية والإنجليزية تجده جميعا على موقعه على الإنترنت باسمه : www.hamdoun.net.
درس الدكتور غسان حمدون التفسير والفقه والسيرة النبوية في جامع النوري في حماة عام 1987 كما درس في مدارس حماة ورأس العين وكرناز كما درس في الإمارات في مدارس الإمارات وفي جامعة صنعاء وجامعة العلوم والتكنولوجيا حصل على الباكلوريوس من جامعة دمشق في الدراسات الاجتماعية ثم حصل على الماجستير في جامعة البنجاب في مدينة لاهور في باكستان وحصل على الدكتوراة من جامعة القرآن الكريم في السودان تنقل مهاجراً بين عدة بلدان داعياً إلى الإسلام من خلال تدريسه للعلوم الإسلامية وهو لا زال حياً يدرس في جامعات اليمن ويشرف على رسائل الدارسات العليا فيها تمتاز أبحاثه بالدراسة العلمية المقارنة البحثية، تأثر في عصره بالدكتور عبد الله ناصح علوان من معالم حلب وبالشيخ وهبي سليمان الغاويجي الألباني وشيخه محمد الحامد وشيخه سعيد حوى والشيخ محمد أحمد الجرافي (الصنعاني) والشيخ محمد حسين عامر (الصنعاني) والأستاذ يوسف ذنون (الموصلي) أخذ عن هؤلاء علوماً إضافية في إعراب القرآن وقراءاته وفقه الدعوة ونظام الإسلام ودراسة المخطوطات القرآنية القديمة كل ذلك جعل صاحب الترجمة كاتباً فذاً في إعجاز القرآن في أسماء الله الحسنى وفي إعجاز القرآن البياني والتاريخي والتأثيري ومعجزة حفظ القرآن ولد في سوريا بمدينة حماة عام 1943.
ومن تلاميذه أيضاً الشيخ المرحوم محمد نزار جلعوط خطيب إمام مسجد سعد بن معاذ سابقاً وإمام وخطيب مسجد الشهداء، وكان الشيخ من حفظة كتاب الله وكان الشيخ محمد الحامد يطلب من الشيخ نزار أن ينوب عنه في الإمامة عند خروج الشيخ لبعض حاجاته كخروجه في جنازة مثلاً، كان الشيخ زاهدا ورعا جدا وخصوصا عندما يستفتى فكان يوجه العديد من المستفتين لغيره من العلماء في حماة تورعا وخشية، وكان الشيخ نزار قواما لليل ويكاد يخلو ليل من ليالي حياته من ساعة يقرأ فيها كتاب الله والناس نيام ويعيد مراجعة كتاب الله خشية من تفلته منه فكان حريصا أشد الحرص على كتاب الله وإتقان حفظه وتجويده، وقد تعلم الشيخ نزار أيضا على جده الشيخ حسن الدندشي.
من مؤلفاته نقد كتاب (اشتراكية الإسلام للسباعي) في كتابه (نظرات في اشتراكيّة الإسلام) (ردود على أباطيل) في جزئين وهو مجموعة رسائل، ومقالات، ومجموعة أسئلة فقهيّة وأجوبتها، (التدارك المعتبر لبعض ما في كتاب القضاء والقدر) رسالة (حكم الإسلام في الغناء) (حكم اللحية في الإسلام) (القول في المسكرات) (حكم الإسلام في مصافحة المرأة الأجنبية).
كتاب (نكاح المتعة حرام في الإسلام) توفي بحماه، ودفن بها.
أخذت الترجمة من موقع ويكيبيديا فضيلة الشيخ محمد الحامد عاش الشيخ محمود الحامد والد سيدي رحمهما الله تعالى، غلبت عليه صفة التصوف واشتهر بها، وكان حار المزاج حاد الطبع، كثيراً ما تطغى عليه الأحوال الشديدة، على جانب كبير من الصلابة الدينية والورع، عفيف النفس، كريم القلب، يوم الاثنين 26 من شهر ربيع الأول 1334هـ، كانت وفاة المرحوم الشيخ محمود الحامد شيخ الطريقة النقشية بحماة.
ولادته: ولد سيدي رحمه الله تعالى سنة 1328هـ - 1910م، وعاش في كنف والديه وبين أخوية ستة أعوام تقريباً، وفجع في السادسة من عمره بوالده، وفي العام نفسه فجع أيضاً بأمه، وذاق مرارة اليتم والفقر عدداً من السنوات، وكان والده يتحدث مراراً أن ولده هذا سيكون عالماً، ورآه مرة بعض الصالحين، فأسرع إليه مقبلاً ومعانقاً وهو يردد: الشيخ محمد، الشيخ محمد.
ولما مرض الوالد مرض الوفاة، اشتد به القلق على أولاده، خاصة وأنه لم يتمكن من خلال حياته كلها، أن يوفر لهم شيئاً من المال يتركه لهم، والبلاد تلفها المجاعات والأوبئة طيلة الحرب العالمية الأولى، فأخذ يبحث عن وصي يوصيه عليهم، فلم يجد أحداً؛ لأن كل إنسان يشغل خلال الأزمات بنفسه، فما كان منه إلا أن أوصى الله عليهم، فكان يردد في مرض وفاته: (إني أوصي الله على أولادي) وأشار إلى ولده الكبير بدر –وكان حينئذ في سن الخامسة عشرة من عمره– ليقترب منه، فهمس في أذنه بكلمات، أوصاه بها أن يعتني بأخويه الصغيرين.
اليتيمان: كانت وفاة الوالد في تلك الظروف القاسية ضربة شديدة، تبعتها أخرى بوفاة الوالدة، فلم تحتمل العائلة الصغيرة شدة هذه المصائب، فتفرق شمل الإخوة، واضطر الأخ الكبير للانفصال عن أخويه الصغيرين.
فكيف اجتاز اليتيمان سنوات الحرب العجاف بضعفهما وفقرهما؟.
أذكر أن سيدي رحمة الله تعالى، حدثني عن هذه المرحلة في حياته، في إحدى رحلاته التي تشرفت بخدمته أثناءها، حدثني عن مشاعر الألم التي كانت تحز في نفسه، وتمور في فؤاده، دون أن يستطيع في ذلك الوقت التعبير عنها، وأذكر من حديثه أنه قال لي: "لو كان لليتيم لسان يبين به عن لوعاته وآلامه؛ لأبكى الحجارة الصماء، مرت بنا أيام، كنا كثيراً ما نبقى في المدرسة في فرصة الغداء دون طعام، معظم التلاميذ يذهبون إلى بيوتهم، ونحن نبقى في المدرسة؛ لأنه لم يكن لنا بيت ولا طعام، حتى إن أخي كان يبكي أحياناً من شدة الجوع، أما أنا فكنت أشغل نفسي باللعب عن آلام الجوع".
وحدثني مرة كيف عثر في الطريق على ليرة ذهبية، فحملها وهو لا يعرف حقيقتها لأنه ما رأى مثلها في حياته، ورآها أخوه بدر معه وهو يلعب بها، فأخذها منه ليشتري لنفسه وأخويه حاجات العيد المقبل الضرورية.
وحدثني عن فرحته الكبرى لأول مرة في هذا العيد، بالحذاء الجديد، والثوب الجديد، ولعبة القطار الآلي التي وعده أخوه بها، عندما أخذ منه الليرة الذهبية نشأته العلمية لم يغفل بدر الدين عن تعليم أخيه محمد حتى في أشد أيام البؤس، فقد أدخله المدرسة الابتدائية، وهو ما يزال في الفترة التي كان يعيش فيها عند الأسر الفقيرة في أطراف البلد، وأيقظ فيه روح الجد، لما كان يرى فيه من مخايل الذكاء، فلم يقبل منه وهو في الصف الأول إلا أن ينال الدرجة الأولى على رفاقه، فحقق محمد لأخيه ما أراد منه، وفاز بالدرجة الأولى لذلك العام.
وتابع بعد ذلك سيره في المدرسة من صف إلى صف، وفي السنة الثالثة من دراسته، انفرجت الحياة قليلاً لأخيه بدر الدين من بعد الشدة، وتخرج من الصف السادس سنة 1922م، فأدخله أخوه المدرسة الإعدادية، وفي نيته أن يتابع له تحصيله فيها للعلوم العصرية، لكن محمداً لم ينسجم مع بيئته الجديدة في المدرسة، وبدا عليه التقصير في دروسها، فإن ميله إلى العلم الشرعي والتزامه حلقات بعض الشيوخ في طلبه، وسلوكه الديني الصارم؛ كل ذلك لم يلائم بينه وبين بيئة هذه المدرسة.
فأخرجه من المدرسة الإعدادية سنة 1923م، ووضعه عند معلم خياطة للملابس العربية، ليتعلم عنده مهنة الخياطة، ويتابع معها العلم الشرعي كما يريد، فكان محمد يعمل في النهار في الدكان، ويحضر بعد المغرب دروس العلماء في المساجد، وينضم بعد العشاء إلى الحلقات الخاصة لطلب العلم.
المدرسة الشرعية في حماه كانت أيام المدرسة الشرعية أسعد أيام حياته رحمه الله؛ ففيها تحدد مستقبله العلمي الشرعي الذي كان يطمح إليه، وفيها ظهرت عملياً إمكاناته الفكرية الهائلة التي تفضل الله بها عليه، فرغم صغر سنه بين أقرانه من طلاب المدرسة كان الأول بينهم.
وهيأ الله له في المدرسة وخارجها شيوخاً صالحين، تحدث عنهم، فقال: "تأثرت بكثير من أساتذتي وشيوخي الذين لهم الفضل الكبير عليَّ، كفضيلة خالي الكريم الأستاذ الشيخ محمد سعيد الجابي المدرس العام في حماة رحمه الله تعالىفهو الذي دفعني في سبيل العلم الديني، وأمرني بحفظ القرآن الكريم، وأقرأني مبادئ العلوم الدينية.
ومنهم فضيلة أستاذي الفقيه الجليل، شيخ الشافعية في حماة، ورئيس جمعية العلماء فيها، الشيخ محمد توفيق الصباغ أدام الله توفيقه وجزاه الله عني وعن زملائي طلابه خيراً.
ومنهم سماحة الأستاذ الجليل الشيخ محمد سعيد النعساني مفتي حماة، ذو الباع الطويل في العلوم والمعارف، فقد كان له مع فضل التعليم فضل رفع الهمة إلى معالي الأمور.
ومنهم فضيلة عمي والد زوجتي، الأستاذ الفقيه الحنفي، الحجة العالم العامل، التقي الورع، الزاهد في الدنيا، شمس علماء حماة وبدر شيوخها، الشيخ أحمد المراد رحمه الله وبارك عليه، إنه من شيوخي الذين لهم عليَّ فضل التربية والتعليم، وقد أكرمني الله فجعلني صهراً له على ابنته".
المدرسة الخسرَويَّة الشرعية في حلب وفي سنة 1347ه - 1928م أنهى رحمه الله تعالى دراسته في مدرسة حماة، فرحل في السنة نفسها إلى حلب يبحث عن منهل علمي جديد فهيأ الله له سبيل الانتساب إلى المدرسة الخسروية الشرعية فيها، وكانت تعتبر في ذلك الوقت أرقى المدارس الشرعية في بلاد الشام، فالتدريس فيها منوط بنخبة من العلماء الكبار، فكان يداوم على دروس عالم حلب الكبير الشيخ نجيب سراج رحمه الله تعالى.
ولم يكن رحمه الله تعالى يقتصر في دراسته العلمية على كتب المناهج الرسمية، بل كان يطالع الكثير من المصنفات.
العودة إلى حماة وفي سنة 1353ه عاد رحمه الله إلى حماة بعد أن أنهى دراسته في حلب، ولم تطل فترة استقراره في حماة، فقد رحل عنها سنة 1356ه إلى مصر، ملتحقاً بالأزهر الشريف.
لكنها كانت رغم قصرها ذات أهمية كبرى في حياته رحمه الله تعالى.
وفي هذه الفترة أيضاً، خاض الشيخ صراعاً فكرياً عنيفاً ضد الذين كانوا يناوئون الصوفية في حماة، وهم أتباع خاله الشيخ سعيد الجابي رحمه الله تعالى، ومن المعلوم أن سيدي كان موافقاً لهم قبل رحلته إلى حلب، بل إن خاله الشيخ سعيد كان يعدّه ليكون خليفته في هذا، فأصيبوا بتحوله إلى الصوفية بخيبة أمل مريرة، زاد من مرارتها، الموقف الصارم الذي وقفه الشيخ منهم، حتى تمكن رحمه الله من تثبيت أقدام الصوفية في البلد، بعد أن زعزعتها الحملات العنيفة التي كان يشنها الشيخ سعيد عليهم في دروسه العامة.
وإن موقف سيدي رحمه الله هذا، هو الذي أدى إلى تركه الخطبة في جامع الأشقر، لكن الله سبحانه وتعالى عوضه عنه بجامع السلطان، كما جر عليه كثيراً من التعب والعناء، فنصحه شيخه أو النصر أن يبتعد عنهم، ولذلك كتب إلى شيخه رحمه الله قائلاً: "كنتم أرسلتم لي كتاباً تأمرونني فيه بالابتعاد عن المنكرين بقدر الإمكان، وعدم مكالمتهم ومجادلتهم فيما يتعلق بأمر الطريق، وقد وفقني الله تعالى لامتثال أمركم حسب الطاقة، ووجدت له أثراً حميداً في نفسي وأشعرت بالتقدم والزيادة من الخير ببركتكم وعطفكم، غير أني لا بد لي يا سيدي من الخلطة ببعضهم، والاجتماع بهم، وأنا من هذا تجاه أمر واقع، أتمنى الخلاص منه، فلا أقدر عليه، ولا يخفى على مولاي -أعزه الله تعالى- أن المنكر لا يصبر عن الجدال مصداقاً لقوله ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه؛ إلا أعطوا الجدل بدأ يلقي دروسه العامة في هذه الفترة، ففي سنة 1353ه عهد إليه الشيخ أحمد المراد -رحمه الله تعالى- بالتدريس مكانه بعد الظهر في الجامع الجديد.
وبعد تركه جامع الأشقر، طلب منه الشيخ أديب الحوراني -رحمه الله تعالى- أن يخطب عنه في جامع السلطان، وبعد مدة كلفه بالتدريس.
ومنذ ذلك الوقت أصبح مسجد السلطان المركز الرئيسي لجهوده التعليمية.
الرحلة إلى مصر وفي عام 1356ه الموافق 1938م سهل الله تعالى له سبيل الارتحال إلى مصر، والانتساب إلى الأزهر؛ ليتمم دراسته العالية فيه.
وقامت في وجه رحلة مصر عقبات، لم يستطع رحمه الله اجتيازها حتى عام 1356ه، ففي هذه السنة سافر إلى مصر، وهو يظن أن المجتمع المصري لا يفترق كثيراً عن المجتمعات في حلب وحماة، وإذا به يفاجأ باختلاف كبير، فقد سبقت مصر البلاد العربية في تأثرها بأفكار الغربيين وعاداتهم، فانتشر فيها السفور والاختلاط بين الرجال والنساء انتشاراً كبيراً، وخاصة في القاهرة والإسكندرية، ولم يكن الشيخ رحمه الله تعالى يحتمل رؤية المنكرات، وما كان يطيق صبراً في السكوت عنها، فما كان منه بعد بضعة أيام من وصوله، إلا أن عاد إلى حماة، ولكن الناس في حماة استهجنوا عودته، ولاموه أشد لوم، وأصبحت عودته حديث الأندية، فأينما ذهب تأخذه الأبصار، وحيثما سار تتبعه الغمزات والابتسامات.
وسبب ذلك أن الناس كانوا ينظرون إلى الأزهر نظرة إجلال وإكبار، ويعتبرون الدراسة فيه نعمة كبرى، وفرصة عظمى، لا يجوز في نظرهم تفويتها والإعراض عنها، فكر راجعاً إلى مصر وترك حماة ليلاً، ولم يتمكن من زيارة شيخه لوداعه، ولما وصل إلى مصر كتب إليه يشرح له حاله، وما لاقاه من الناس، ويعتذر عن عدم وداعه.
والحقيقة أن ما يراه الزائر لأول وهلة في مصر، لا يعبر عن حقيقة المجتمع المصري، فالمجتمع المصري ينطوي على خير كثير، ولا يزال في مصر الكثير من العلماء والصالحين، وهذا ما حصل لسيدي رحمه الله، فبعد بضعة أشهر تغيرت نظرته إلى المجتمع المصري.
وانقلب الكره والنفور عنده إلى محبة لمصر وأنس بالمصريين، فتعرف على كثير من الصالحين، وأقام صدقات قوية معهم، واشتهر بينهم بلقب الشيخ الحموي، ولما أنهى دراسته فيها، ألحوا عليه بالبقاء، وأخبروه أنهم يستطيعون تأمين عمل له، وأنهم مستعدون لتزويجه ومساعدته في هذا الأمر، لكنه رحمه الله تعالى آثر العودة إلى بلده، فودع مصر باكياً على فراقها في عدة قصائد، منها: ذبتُ يا مصرُ مذ عزمتُ رحيلاً ولو اسطعتُ عشتُ فيك طويلاً كنت ممن رَمَوك بالنكر لكن عادَ صوتُ النكير قولاً جميلاً وفي مصر أيضاً، التقى بالعالم الكبير الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله تعالى وقد نصح سيدي أن لا يختلط بالناس كثيراً، وذلك لما لاحظه عند سيدي من شدة نفوره من المنكرات، وتألمه من رؤيتها.
وفيها أيضاً تعرف على الرجل الصالح، والعالم العامل، فضيلة الشيخ مصطفى الحمامي رحمه الله تعالى، تأثر به كثيراً وأعجب بصلاحه وتقواه، وكان كثير الزيارة له، وبعد عودته من مصر، كان كثير الحديث عنه.
ومن الملاحظ أن أكثر الذين تأثر بهم سيدي في مصر، كانوا من خارج الأزهر، ولم يستفد من الأزهر زيادة في علمه.
فقد قالوا له بعد اختبار الانتساب إلى الأزهر: "إنك عالم لا تحتاج إلى الدراسة فيه" ولكنه كان يعلن أنه استفاد من دراسته في الأزهر طريقة تحقيق المسائل وتدقيقها، وهو أمر ظاهر في آثاره العلمية وفي أجوبته الفقهية، وكان زملاؤه في الدراسة يدهشون من كثرة معلوماته، وغزارة محفوظاته، وخاصة في الأحكام الفقهية؛ حتى إن الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى -وكان زميل الشيخ في الدراسة الأزهرية - كان كثيراً ما يقول له: "إنك مدهش؛ من أين لك معرفة كل هذه الأحكام؟!".
ولما أنهى دراسته العالية بتفوق، طلب منه المشرفون على الأزهر أن يدخل قسم التخصص العالي، ولكنه رحمه الله تعالى أبى وآثر العودة إلى بلده؛ لشدة حاجة البلد إليه.
موقع نسيم الشام - قسم التراجم