مصطفى الزرقا 1322 ـ 1420هـ 1904 ـ 2000م الشيخ مصطفى بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن السيد عثمان بن الحاج محمد بن عبد القادر الزرقا الحنفي الحلبي.
فقيه حنفي، أصولي، نحوي شاعر، له مشاركة في أحداث وطنه الاجتماعية والسياسية، واسطة العقد في (سلسلة الذهب) .
ولد في مدينة حلب، سنة: اثنتين وعشرين وثلاثمئة وألف للهجرة، في أسرة تمرست بالعلم، واشتهرت بالفقه، فوالده الشيخ أحمد، فقيه بلاد الشام وجده الشيخ محمد العلامة الفقيه الذائع الصيت .
في أحضان هذه الأسرة نشأ الشيخ وترعرع، ومنذ نعومه أظفاره دفعه والده إلى شيخه الحافظ المقرئ الشيخ أحمد الحجار، ليتعلم عليه تلاوة القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والحساب، ثم وجهه إلى الشيخ محمود سعيد السنكري، ليأخذ عنه علوم اللغة العربية نحوها وصرفها، فقرأ عليه (حاشية الكفراوي على الآجرومية)، ثم تلقى تعليمه الابتدائي في إحدى المدارس الفرنسية، رغبة من والده في تزويده باللغات الأجنبية والعلوم الكونية والثقافات الحديثة، إلى جانب الثقافة العربية الإسلامية، لتكون له حصناً فكرياً ضد الهجمات الاستعمارية والتبشيرية.
وعندما شبّ، أراد أن يتجه إلى العمل في التجارة، لكن جده الشيخ محمد أصرّ على والده أن يلحقه بالمدرسة (الخسروية)، وفيها التقى مجموعة من علماء حلب وفقهائها الكبار، فأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية والكونية، ومن هؤلاء والده العلامة الفقيه الشيخ أحمد الزرقا، فقد درس عليه الفقه الحنفي وقواعد المجلة، والعلامة المؤرخ الأديب الشيخ محمد راغب الطباخ، وقد أخذ عنه علم الحديث والسيرة النبوية الشريفة، والشيخ العلامة محمد الحنيفي، ودرس عليه علم التوحيد والتفسير والبلاغة، والعلامة الفقيه الأصولي النحوي الشيخ أحمد المكتبي قرأ عليه شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، والعلامة الفقيه النحوي الشيخ أحمد الكردي، درس عليه النحو والفقه الحنفي، والعلامة الشيخ إبراهيم السلقيني، وقد قرأ عليه الفقه والحديث النبوي الشريف، كما درس علوم النحو والتربية والأخلاق على أستاذه العلامة الشيخ عيسى البيانوني، وقرأ التفسير على شيخه الشيخ أحمد الشمّاع، ودرس علوم اللغة العربية، نحوها وصرفها وبلاغتها على علامة عصره الشيخ محمد الناشد الملقب (بالزمخشري الصغير)، كما حصل الشيخ في هذه المدرسة طرفاً من العلوم العصرية التي أدخلت إليها كالحساب والعلوم والجغرافية والتاريخ وغيرها.
ولعل من أبرز هؤلاء الشيوخ تأثيراً من نفسه وتكوينه العلمي والأدبي وفي حياته الفكرية والاجتماعية أربعة: جده ووالده وشيخه الشيخ محمد راغب الطباخ والشيخ محمد الحنيفي.
أما جده، فقد رسم له منهج حياته العلمية، إذا أصرّ على والده أن يلحقه في المدرسة (الخسروية)، وكان المترجم له يحضر درسه الوحيد الذي بقي عليه إلى نهاية حياته، وكان يخصّ كبار العلماء به في ذلك الوقت، وكان الشيخ مصطفى أصغر الحاضرين فيه.
وأما والده الشيخ أحمد، فكان يخصه برعاية علمية خاصة، يمضي معه معظم الليل يدارسه كتب الفقه والأدب، وقد قرأ عليه في تلك الليالي أهم كتب الأدب، كالأغاني لأبي فرج الأصفهاني، والعقد الفريد لأبن عبد ربه، ولزوميات المعري وغيرها.
وأما شيخه الشيخ محمد راغب الطباخ، الذي كان له ولع خاص بكتب الحديث والتاريخ، فقد كان له الأثر البالغ في توجيهه إلى حرية التفكير والبحث وإلى ربط العلم بالحياة، يشاركه في هذا شيخه الشيخ محمد الحنيفي، يقول صاحب الترجمة عنهما: " فلهذين الأستاذين بعد والدي أكبر الأثر في تثبت خطاي في الطريق العلمي الصحيح ".
لم ترو هذه العلوم الغزيرة التي حصّلها الشيخ مصطفى في المدرسة (الخسروية)، وكذا التي قرأها على والده وشيوخه ظمأه للعلم، وتطلعه إلى العلوم العصرية التي يجب على كل طالب علم أن يتحصن بها، ليواجه هذه الحياة المليئة بالتيارات الإلحادية والاستعمارية والتبشيرية والعلمانية المنحرفة، وأدرك أن عليه أن يتسلح بالعلوم الكونية الحديثة، ليقف في مواجهة هذه التيارات، لذلك عمل على الحصول على شهادة الثانوية (البكلوريا) في شعبتيها الأولى (شعبة العلوم والآداب) والثانية (شعبة الفلسفة) وقد حصل عليهما بتفوق منقطع النظير.
وفي هذه المرحلة من حياته، كانت له مشاركات واسعة في العمل الوطني في سورية، فقد كان وزميله الشيخ معروف الدواليبي عاملا الربط بين الحركة الوطنية في سورية ـ الكتلة الوطنية ـ والعلماء يشارك في إعداد المظاهرات، ويخرج مع العلماء على رأسها، مندداً بالمستعمرين وأعمالهم.
التحق بعدها بالجامعة السورية، متابعاً دراسته في كليتي الحقوق والآداب معاً، ودأب على الدراسة فيهما، حتى تخرج فيهما في عام واحد وهو عام: 1933م، (فكان بذلك أول من جمع في سورية بين الثقافات الثلاث الشرعية والقانونية والأدبية) .
توجه بعدها إلى القاهرة، والتقى هناك علماءها الكبار، وحصل في القاهرة على (دبلوم الشريعة الإسلامية) من كلية الحقوق بجامعة الملك فؤاد الأول جامعة القاهرة حالياً.
لم يتأخر الشيخ - رحمه الله - في الاستفادة من علومه الغزيرة التي حصّلها، بل بادر إلى بذلها لطلاب العلم خاصة، ونشرها للناس عامة، فبعد تخرجه من المدرسة (الخسروية)، عمل مدرساً فيها لمادتي الفقه الحنفي والأدب العربي، ثم تولى دروس والده الشيخ أحمد في الجامع الأموي وجامع الخير، وفي المدرسة (الشعبانية)، وقد عمل في هذه المرحلة من حياته في مهنة (المحاماة) حيث مارس هذه المهنة مدة عشر سنوات تقريباً.
وفي عام 1944م، انتقل إلى دمشق، وعمل مدرساً في كلية الحقوق في جامعتها لمادتي الحقوق المدنية والشرعية، كما درّس في الجامعة المذكورة القانون المدني، وأصبح رئيساً لقسم الحقوق المدنية والشرعية، وظل مدرساً في هذه الكلية إلى أن أحيل إلى التقاعد، عام: 1966م، وكانت له محاضرات في كلية الشريعة وكلية الآداب في جامعة دمشق.
وقد دعي في عام: 1954م، لإلقاء محاضرات في القانون المدني السوري في معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة.
في عام: 1966م، دعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت ليكون خبيراً للموسوعة الفقهية فيها.
وفي عام: 1971م، دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة لمادة المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.
في عام: 1981م، اختارته الدائرة القانونية في الأمانة العامة بجامعة الدول العربية عضواً في لجنة الخبراء، لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي.
كما شارك في عدد من المجامع الفقهية، واللجان القانونية الرسمية منها: 1- مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
2- المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.
3- مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) في عمان.
4- وكان عضواً في اللجنة الثلاثية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري عام: 1952م.
5- رئيس اللجنة الثلاثية التي وضعت مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية لمصر وسورية خلال عهد الوحدة عام: 1959م.
وقد كانت له مشاركة فعالة في تأسيس وتطوير عدد من الجامعات العربية في دمشق والقاهرة والمدينة المنورة ومكة المكرمة، هذا بالإضافة إلى محاضراته وأبحاثه الفقهية والإسلامية في كثير من المؤتمرات والندوات في البلدان العربية والإسلامية وغيرها.
كما عمل -رحمه الله تعالى- في المجال السياسي في سورية فقد تولى وزارة العدل عام: 1956م، ووزارة الأوقاف عام: 1962م، وانتخب نائباً عن مدينة حلب في المجلس النيابي السوري، لدورتين تشريعيتين عام: 1954م و1961م، وبقي مستقلاً، ولم ينتم إلى أي جماعة أو حزب .
وقد منح الشيخ مصطفى جائزة الملك فيصل العالمية عام: 1404هـ تقديراً لإسهامه المتميز في مجال الدراسات الفقهية، ولكتابة القيم (المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي).
وكرمه الوجيه والأديب السعودي المعروف الأستاذ عبد المقصود خوجه، في إحدى (اثنينيانه) التي أقامها احتفالاً به في جدة عام : 1996م وقد اكتشف الحاضرون في أمسية التكريم هذه أن الشيخ مصطفى الزرقا شاعرٌ، له في الشعر اليد الطولى، وأن الفقه قد غطى على هذه الموهبة التي يتمتع بها، لهذا عمد السيد عبد المقصود الخوجه إلى نشر ديوان الشيخ (قوس قزح)، لما فيه من ألوان الشعر المتنوعة وأغراضه المختلفة وسأكتفي هنا بإيراد قصيدة له يرثي فيها ابنه نوفل الذي اختطفته يد المنون شاباً، وسأثبتها بخط يده، لنقف معاً على هذه الموهبة الشعرية الفذة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ديوان الشاعر.
ـ قصيدة مكتوبة بيد الشيخ مصطفى الزرقا يرثي ولده نوفل ـ تميز الشيخ مصطفى رحمه الله: بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقاليد أو التعصب، وإذا كان الشيخ حنفي المذهب بحكم دراسته للمذهب على والده وجده من قبله، لكنه (كثيراً ما كان يخرج عليه إذا رأى غيره أرجح من ناحية الدليل، لمراعاة النص، أو لتحقيق مقاصد الشرع ومصالح العباد) وهو (لا يدّعي أن رأيه الذي كوّنه في المسألة هو حكم الله، ولا أنه الصواب الذي لا يتحمل الخطأ، بل كما قال الأولون: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، لكنه كان(يقف كالصخرة الصماء، لا يتزحزح ولا يلين حتى يكاد يحسبه بعض الناس من الجامدين، وما هو من الجامدين، ولكنها محكمات النصوص هي التي تحدد موقفه، وذلك مثل فتواه في زواج المسلمة من غير المسلم، فقد سدّ الباب إلى ذلك بقوة)، كذلك جوابه عن محاولة بعض البلديات ضم المقابر الإسلامية إلى ملكيتها.
وفي فتاويه وآرائه الفقهية، يميل إلى الأخذ بالأيسر على المسلمين ممتثلاً أمر النبي ﷺ: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) .
وغني عن القول: إن هذا التيسير والأخذ بالأسهل على الأمة ما كان ليخرجه عن قواعد الشريعة وأسسها ومصادرها.
أما فتاويه (فليست مجرد قول المفتي: يجوز أو لا يجوز، أو يجوز على مذهب فلان، ولا يجوز على مذهب آخر، بل هو يغوص في المسألة ويحلل عناصرها، ويعرضها على النصوص الشرعية الثابتة، وقواعدها الضابطة، ومقاصدها الكلية، ويقلب النظر فيها بأناة وروية، كالعهد به دائماً حتى ينتهي إلى ما يراه من حكم شرعي لها) .
صرف الشيخ - رحمه الله - حياته المباركة المديدة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه، والآخذون عنه، وفضل منهم خلق كثير تميزوا في مختلف نواحي الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية، نذكر منهم على سبيل المثال، شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وشيخنا الفقيه الشيخ محمد الملاح، الدكتور فوزي فيض الله، وأستاذنا الشيخ أحمد مهدي الخضر، وأستاذنا الشيخ طاهر خير الله، والأستاذ الأديب عبد الرحمن رأفت باشا، والشيخ محمد الحامد الحموي، والشيخ أحمد الحصري (المعراوي) وغيرهم كثير، والحق إنه لو لم يكن للشيخ من التلاميذ سوى شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لكفاه.
ترك الشيخ مصطفى الزرقا مجموعة من الكتب العلمية أكثرها في الفقه والقانون، وقد تميزت آثاره بأسلوبه الأدبي الرشيق.
فمن آثاره: 1.
سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد في أربعة أجزاء هي: 1- المدخل الفقهي العام ـ الجزء الأول.
2- المدخل الفقهي العام ـ الجزء الثاني.
3- المدخل إلى النظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي ـ الجزء الثالث ـ وقد فاز هذا الكتاب بجائزة الملك فيصل العالمية.
4- العقود المسماة في الفقه الإسلامي عقد البيع ـ الجزء الرابع ـ 2.
شرح القانون المدني السوري في ثلاثة مجلدات.
3.
الفقه الإسلامي ومدارسه ـ بتكليف من اليونسكو ـ 4.
الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي.
5.
أحكام الوقف.
6.
الفعل الضار والضمان فيه.
7.
عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
8.
صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.
9.
نظام التأمين، والرأي الشرعي فيه.
10.
في الحديث النبوي.
11.
رسالة بعنوان: عظمة محمد ﷺ مجمع العظمات البشرية.
12.
فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا، جمعها واعتنى بها الأستاذ مجد أحمد مكي.
13.
ديوان قوس قزح ـ شعر ـ.
وظل الشيخ على نشاطه وعطائه العلمي إلى أن أدركته المنية في مدينة (الرياض) في المملكة العربية السعودية، سنة: عشرين وأربعمئة وألف للهجرة، وترك بوفاته ثغرة في عالم العلم والفقه والقانون عزّ سدها وحزن عليه العالم الإسلامي كله، ودفن في مدينة (الرياض).
ـ رحمه الله ـ المراجع والمصادر 1- إثنينية عبد المقصود خوجة (جدة) 1996م.
2- دليل الشهباء.
3- ديوان المترجم (قوس قزح).
4- سجلات المدرسة الخسروية.
5- علماء ومفكرون، لمحمد المجذوب.
6- فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا.
7- مقابلات شفهية مع عدد من إخوان الشيخ وتلاميذه، منهم الشيخ محمد زين العابدين الجذبة، والشيخ أحمد سردار.
8- المجلة العربية، رمضان 1420هـ.
9- مجلة منار الإسلام، العدد الأول، محرم 1431هـ.
10- مجلة النور العدد: 210 شعبان: 1423هـ من صفحة الاستاذ: محمد عدنان كاتبي.
مصطفى أحمد الزرقا فقيه العصـر وشيـخ الحقوقين لمحات من حياته 1- مولده: إذا ذُكِر الزرقا؛ فالمتبادر إلى الذهن هو الشيخ العلّامة مصطفى صاحب الترجمة، العَلَمُ المشهور، الذي طبقت شهرتُه الآفاق، غيرَ أنّ هناك علماء آخرون يُعرَفون بالزرقا؛ وهم: والدُه وجدُّه.
وشيخنا هو العلّامة الفقيه المتقن (مصطفى بن أحمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا، ولد في حي (بانقوسة) من أحياء مدينة حلب الشهباء سنة (1325 ه = 1907م).
نشأ في بيت علمٍ وفضلٍ، وفي أسرة يُشار إليها بالبَنان، ويؤمُّها طلبة العلم، وأصحاب الحاجات، والقضاة، والمحامون.
2- الزرقا الأب: والد الشيخ مصطفى الزرقا هو العلامة أحمد بن محمد بن عثمان الزرقا، صاحب كتاب (شرح القواعد الفقهية)، ولد سنة (1285ه=1868م) تقريباً، وتوفي سنة (1357ه=1938م).
تلقَّى العلم عن والده الشيخ محمد (الجد) وسائر علماء عصره في حلب، أمثال الشيخ محمد الحجَّار وغيره، غير أنَّ والده محمد الزرقا-الجد- كان له النصيب الأوفى في تكوين الشيخ أحمد علمياً، فقد قرأ الشيخ أحمد على والده (حاشية ابن عابدين) كلمةً كلمةً، ودراسةً نصيةً قريباً من الثلاث مرات، تستغرقُ المرةُ الواحدةُ لقراءة الكتاب كاملاً اثنتي عشرة سنة، وهذا يعني أنَّ الشيخ أحمد قد لازم والده ما يقارب الثلاثين سنة، وهو يدرس عليه (رد المحتار) لابن عابدين، وإذا أضفنا إلى هذا الكتاب كتباً أخرى من أمهات مراجع المذهب درسها كـ(البدائع) للكاساني، و(تبيين الحقائق) للزيلعي، و(الأشياء والنظائر) لابن نجيم وغيرها، ظهر لنا بجلاء أنَّ الشيخ أحمد قد تشرَّب المذهب الحنفي، وأصبح يسري في عروقه، مما أكسبه مَلَكةً فقهيةَ جَعَلَته في مصافِّ كبار العلماء.
قال عنه العلامة الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى: "لم أجلس إلى أفقهَ منه، حتى المشايخ الذين تلقّيتُ عنهم في مصر من بعدُ، بلَّل الله ثراه، وأغدق عليه شآبيب رحمته، كان يتفجَّر علماً، ويتفتَّح تحقيقاً، ويجري معرفةً كالوادي إذا سال، ولكأنّ الفقه كان أمامه، يأخذُ منه ما يشاء، ويترك منه ما يشاء، وأشهد أنه كان وقَّافاً عند حدود الله في بياناته عمامته، ويأتينا في الغد بالقول الفصل...، وهذا الأستاذ الكبير أحد الذين تأثرتُ بهم من الناحية العلمية".
لم يترك الشيخ أحمد من المؤلّفات سوى كتابه الفذ (شرح القواعد الفقهية) الذي شرح فيه (99) قاعدة فقهية، هي قواعد (مجلة الأحكام العدلية) على وَفْق منهج دقيق نافع مرتَّب، وكتابه هذا يدلّ على تمكّنه من علم القواعد شرحاً وتأصيلاً.
درَّس الشيخ أحمد في المدرسة الخسروية، وكانت له حلقات علمية متعدِّدة في مساجد حلب، ويؤمُّ بيته طلبة العلم وأصحاب الحاجات.
وقد كان للشيخ أحمد ندوة للخاصّة، أو لنقل لخاصة الخاصة، يلتقي فيها والده -الشيخ محمد- لمناقشة عويص المسائل، وخفايا النكات الفقهية والأصولية، ويحضر هذه الندوة أو هذه المساجلات الشيخ مصطفى وهو غلام يافع.
وحينما اعتزل الشيخ محمد الزرقا (الجد) التدريس بسبب كبر سنه، وعدم تمكُّنه من المتابعة في إلقاء الدروس، حلَّ الشيخ أحمد محلّ والده في التدريس، وفي سائر الحلقات العلمية، وهو أهل لهذه المَهمة.
وفي هذه المرحلة أصبح الشيخ مصطفى تلميذاً لوالده في التفقّه على المذهب الحنفي، وكان عليه أن يحضِّر الدرسَ من أكثر من عشرين كتاباً إضافة إلى قراءة (رد المحتار) قبل المذاكرة مع والده، وكان الشيخ مصطفى ملازماً لوالده في الدروس المعتادة في الخسروية، وفي الحلقات التي يعقدها في مختلف المساجد.
وقد اشتهر عن الشيخ أحمد صَنيعُهُ مع ولده مصطفى، وكيف أنَّه نولَّى بنفسه تعليمه وتهيئته لمهمات الفقه، وجعله ملازماً له، حتى في النوم في غرفة واحدة؛ ليتمكَّنا من مناقشة المسائل، وبيان مدارك الأحكام.
إنني لا أعجبُ حينما أرى أنَّ هذا الشيخ قد تخرَّج على يديه علماء كبار، وفقهاء، ومفكرون، وساسة؛ أشهرهم: شيخنا وأستاذنا العلَّامة مصطفى الزرقا، والأستاذ الدكتور محمد معروف الدواليبي، والشيخ العلّامة محمد الحامد، والشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري وغيرهم كثير.
3- الزرقا الجد: وأما جدّه فهو: الشيخ العلامة محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا، الحلبي الأصل والمنشأ، فقيه الديار الحلبية، وعالم البلاد السورية.
ولد الشيخ محمد رحمه الله سنة (1258ه=1842م)، وبدأ يطلب العلم وهو في الخامسة عشرة من عمره حيث التحق بالمدرسة القرناصِيَّة في حلب، فحفظ القرآن الكريم، وتلقّى مبادئ النحو، والفقه، وحفظ المتون؛ كـ(الألفية) لابن مالك، و(الشاطبية) في القراءات، و(تنوير الأبصار) في الفقه الحنفي، و(الجوهرة) في العقيدة، و(السُّلّم) في المنطق، وغيرها.
ومن أبرز أساتذته وشيوخه: الشيخ مصطفى أفندي الريحاوي، والشيخ مصطفى الكردي، والشيخ أحمد الترمانيني، والشيخ عبد السلام الترمانيني، والشيخ إبراهيم اللبابيدي، والشيخ مصطفى الشربجي، والشيخ علي القلعجي وغيرهم.
كان الشيخ محمد ذكياً، نابهاً، حافظاً، فصيحَ اللسان، حسنَ الأداء، متقناً في التلاوة، حسنَ التقدير، سليمَ الذوق في الفهم، محققاً مدقّقاً، بّرّزّ على أقرانه، وفاق أساتذته، وأظهر نبوغاً في وقت مبكّر، حتى طبّقت شهرت الآفاق، وقصده الناس للفتوى وطلب العلم.
كان الشيخ مرجعاً، بل بحراً زخَّاراً من بحار العلوم الشرعية، وعلى الخصوص فقه الحنفية، الذي درَسه نحواً من ستين سنة.
عمل في القضاء والإفتاء، ودعنه مشيخة الإسلام في الآستانة ليكون معاوناً لأمانة الإفتاء فيها، وعاد بعدها إلى حلب للتدريس، ونشر العلم الشرعي، حتى توفاه الله سنة (1343ه=1925م).
تخرّج على يدي الشيخ محمد جمٌّ غفيرٌ من العلماء؛ منهم: ولده الشيخ أحمد، والشيخ محمد راغب الطباخ، والشيخ محمد الحنيفي، والشيخ أحمد الحجار، والشيخ بشير الغزي وغيرهم.
كانت للشيخ محمد مكانة عظيمة في نفس حفيده الشيخ مصطفى، وكان يذكره باستمرار، ويدعو له بالرحمة، وحينما توفي الشيخ محمد رثاه حفيده شيخنا مصطفى بقصيدة مطلعها: أَفِضْ علَى مُهْجَتِي ما شِئتَ يا دَهَرُ واصْبُب صُرُوفَكَ ما شَاءَاتْ لَكَ الغِيَرُ لا تخشَ مِنَّا حذاراً بَعْدَ نكْبَتِنَا فَبَعْدَ جَمْرِ الغَضَا لا يُحذَرُ الشَّرَرُ لمَّا مَضَى مِنْ بَنِي الزَّرْقَا مُحُمَّدُهَا هَوْلٌ لَـــــهُ بــَاتَـتْ الأهــوَالُ تُــحْتَقَرُ وفيها يقول: هَلَا رَحِمْتَ عُلُوْماً غَارَ مَنْبَعُهَا فَمَا لَهَا في سِوَى صَدْغَيْكَ مُدَّخَرُ 4- طلبه العلم الشرعي يعودُ الفضلُ في سلوك الأستاذ مصطفى الزرقا طريقَ التفقُّه في علوم الشريعة الإسلامية خصوصاً، والآداب العربية، واللغة، والمعارف الحديثة عموماً بعد الله سبحانه وتعالى، إلى جدّه الشيخ محمد رحمه الله، حيث إنَّ الشيخ مصطفى كان قد انصرف إلى التجارة في أول عمره يعمل فيها مع أخيه الأكبر محمد، معرضاً عن العلم الشرعي وغيره من العلوم، ففي التجارة غُنية وشغل شاغل.
ويأتي دور الجد في التأثير غير المباشر من خلال الحلقات العلمية التي كانت يعقدها، وأهمها ما كان يفعله من مناقشة وحوار يبهر العقول، وكان شيخنا مصطفى يحضر مع والده أحمد، ولمّا كان الشيخ أحمد فقيهاً متمِّرساً، كان يحاور أباه (الجد)، ويناقشه في بعض المسائل الفقهية، والأمور العصرية الأخرى، وإذا حضر أحد العلماء الآخرين، تزاد الحلقة اتساعاً وثراءً فقهياً، وجدلاً علمياً مفيداً، والشيخ مصطفى يستمع إلى كل ذلك ويؤثر فيه، بل يُطلَب منه -من خلال المناقشات- أن يُحضِرَ ذلك الكتاب، وهذا الجزء هذه الندوة العلمية إذا صحَّ التعبير.
ومن خلال هذا كله لمح الجد في حفيدِه مصطفى نبوغاً واستعداداً فطرياً يجعله مؤهَّلاً لسلوك طريق العلم، ومن هنا وقع اختياره عليه لدخول المدرسة الخسروية ودراسة الفقه.
وقد كان الشيخ أحمد ابتداءً يخبر ولده مصطفى برغبة جده، ولكنه -أي الشيخ مصطفى- لم يكن يستجيب له، ولم يسارع لتنفيذ هذه الرغبة، بل كان يعارضها ويرفضها، وذلك لأمرين: أولهما: أن أحوال المشايخ وطلبة العلم لم تكن تُعجبه.
وثانيهما: رغبته في العمل التجاري مع أخيه.
ثم ازداد إلحاح الجد يطلب مصطفى للدراسة، وقرب موعد بداية التدريس في المدرسة، ولكن دون جدوى، فالشيخ مصطفى مُصِرٌّ على عدم الالتحاق، وعلى رفض هذه الفكرة، ولهذا السبب قرَّرَ الجد حرمان حفيده مصطفى من الحضور مع والده اللقاء اليومي بعد المغرب، فلم يتأثَّر الشيخ مصطفى لأول وهلة، ومضت بضعة أيام، وأخرى، حتى بدأ الشيخ مصطفى يشعر بالضيق، ويشعر بألم العقوبة (الحرمان) جراء منعه من زيارة جده، خاصةً إذا علمنا أنه كان يحب جدَّه محبةً عظيمة، وكان تعلقه به تعلّقاً يهون في مقابله كل شيء، ومضت أيام أخرى جعلت الشيخ مصطفى يستسلم، ويلقى عصا الطاعة، ويدخل المدرسة الخسروية، ويتفوَّق على أقرانه، ويظهر نباهة ونبوغاً عزَّ نظيره، يدلُّ على أنَّ اختيارَ الجدّ كان موفَّقاً، وكان في محلّه، رحمه الله رحمةً واسعة.
وحينما نجلس بين يدي أستاذنا الشيخ مصطفى -رحمه الله- على مقاعد الدراسة (في الجامعة الأردنية)، وحينما كنا نلتقيه، ونستمع إليه ونقرأ كتبه، كنا نتساءل: كيف تكوَّن هذا الجبل بل البحر من العلم؟ وما هي العوامل التي أثَّرت في تكوينه؟ هل هي الدراسة على الطريقة القديمة بالتلقّي المباشر عن العلماء؟ أم هي الدراسة في الجامعة السورية؟ أم هي كل ذلك؟ أم هي هبة من الله وكفى؟.
والإجابة على هذه التساؤلات تتضح من خلال تتبُّع مراحل طلبه العلمَ، التي بدأت بالكتاتيب، وانتهت بالدبلوم العالي من جامعة القاهرة.
مراحل التعليم بإيجاز: المرحلة الأولى: مرحلة الكتاتيب.
المرحلة الثانية: المدرسة الفرنسية في حلب.
المرحلة الثالثة: المدرسة الخسروية "الشرعية".
المرحلة الرابعة: البكالورية في شعبتي العلوم والآداب في حلب.
المرحلة الخامسة: البكالورية في شقّها الثاني.
المرحلة السادسة: الجامعة السورية "جامعة دمشق حالياً".
المرحلة السابعة: جامعة فؤاد الأول "القاهرة".
أهم شيوخ الشيخ مصطفى وأساتذته في المدرسة الخسروية: والده الشيخ العلّامة أحمد بن محمد الزرقا.
الشيخ محمد بن محمد خير الدين بن عبد الرحمن آغا ابن حنيف أغا بن إسماعيل المشهور بالحنفي .
الشيخ العلَّامة محمد راغب الطباخ.
الشيخ أحمد مصطفى الكتبي.
الشيخ أحمد بن محمد عسَّام الكردي.
الشيخ عيسى بن حسن البيانوني.
الشيخ إبراهيم السلقيني.
الشيخ محمد الناشد.
الشيخ أحمد الشماع.
الشيخ عبد الله حماد.
الشيخ فيض الله الأيوبي الكردي.
أساتذة الأستاذ الزرقا وأساتذته في الجامعة السورية:ومنهم: الأستاذ الشيخ محمد أبو اليسر عابدين.
شاكر الحنبلي.
فارس الخوري.
عبد القادر العظم.
الشيخ عبد القادر المغربي.
ومن تلاميذ الشيخ مصطفى الزرقا: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله.
د.
محمد فوزي.
د.
محمد أنس الزرقا.
سماحة الشيخ نوح علي السلمان مفتي القوات المسلحة الأردنية سابقاً.
والسيد محمد رسول الكيلاني وزير الداخلية الأسبق في الأردن.
وسماحة الشيخ الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني وزير الأوقاف الأسبق في الأردن.
موقع نسيم الشام - قسم التراجم