الشيخ عبد الوهاب بن الحسن البوسنوي الساري المعروف ببشناق ترجمه الجبرتي بقول: العمدة الفاضل الواعظ، قدم مصر سنة تسع وستين ومائة وألف ووعظ بمساجدها وأكرمه العلماء للجنسية، ثم توجه إلى الحرمين وقطن بمكة ورتب له شيء معلوم على الوعظ والتدريس، ومكث مدة، ثم حصلت فتنة بين الأشراف والأتراك فنهب بيته وخرج هارباً إلى مصر، فالتجأ إلى علمائها فكتبوا له عرضاً إلى الدولة، بمعرفة ما جرى عليه، فعين له شيء في نظير ما ذهب من متاعه، وتوجه إلى الحرمين فلم يقر له بمكة قرار، ولم يمكنه الامتزاج مع رئيس مكة لسلاقة لسانه واستطالته في كل ما دب ودرج، فتوجه إلى الروم ومكث بها أياماً حتى حصل لنفسه شيئاً من معلوم آخر، فأتى إلى مكة، وصار يطلع على الكرسي ويتكلم على عادته في الحط على أشراف مكة وذمهم والتشنيع عليهم وعلى أتباعهم، وذكر مساويهم وظلمهم، فأمره شريف مكة بالخروج منها إلى المدينة فخرج إليها، وقد حنق غيظاً على الشريف، فلما استقر بالمدينة ضم إليه بعض الأوباش ومن ليس له ميل إلى الشريف، فصار يطلع على الكرسي ويستطيل بلسانه عليه ويسبه جهراً، وغره مرافقة أولئك معه وأن الشريف لا يقدر أن يأتي لهم بحركة، فتعصبوا وزادوا نفوراً، وأخرجوا الوزير الذي هو من طرف الشريف، وكاتبوا إلى الدولة برفع يد الشريف عن المدينة مطلقاً، وأنه لا يحكم فيهم أبداً، وإنما يكون الحاكم شيخ الحرم فقط، وأرسلوا بالمعروض مفتي المدينة إلى الدولة العلية، فكتب لهم على مقتضى طلبهم خطاباً إلى أمير الحاج الشامي وإلى الشريف، ولما أحس الشريف بذلك تنبه لهذه الحادثة وعرف أن أصلها من أنفار بالمدينة أحدهم المترجم، واستعد للقاء أمير الحاج بعسكر جرار على خلاف عادته، ورام مناوءته إن برز منه شيء خلاف ما عهد منه، فلما رأى أمير الحاج ذلك الحال كتم ما عنده، وأنكر أن يكون عنده شيء من الأوامر في حقه، ومضى لنسكه، حتى إذا رجع إلى المدينة تنمر وتشمر وكاد أن يأكل يده من التندم والحسرة، وذهب إلى الشام.
ولما خلت مكة من الحجاج جرد الشريف عسكراً على العرب فقاتلوه، وصبر معهم حتى ظفر بهم، ودخل المدينة فجأة، ولم يكن ذلك يخطر ببالهم قط فما وسعهم إلا أنهم خرجوا للقائه، فآنسهم بأنه ما أتى إلا لزيارة جده عليه الصلاة والسلام، وليس له غرض سواه.
فاطمأنوا بقوله، وشق سوق المدينة بعسكره وعبيده، حتى دخل من باب السلام، وتملى من الزيارة، وأقبلت عليه الوظائف مسلمين، فأكرمهم وكساهم، فلما آنس منهم الغفلة أمر بإمساك جماعة من المفسدين فقبض على بعضهم، واختفى باقيهم وتسللوا وهرب منهم جماعة بالليل خفية، وكان المترجم أحد من اختفى في بيته ثلاثة أيام، ثم غير هيئته وخرج حتى أتى مصر، ومشى على طريقته في الوعظ، وعقد له مجلساً بالمشهد الحسيني، وخالط الأمراء، وحضر درسه الأمير يوسف بك، ومال إليه، وألبسه فروة ودعاه إلى بيته وأكرمه، وتردد إليه كثيراً، وكان يجله ويرفع منزلته، ويسمع كلامه وينصت إلى قوله، واستمر بمصر، وسكن في حارة الروم، ورتب له الضربخانة كل يوم مائة نصف فضة، وعلا جاهه وارتفع قدره عند أبناء جنسه، إلى أن وقع له ما وقع مع إسماعيل باشا، تغير خاطره بسببها عليه فحبسه ثلاثة أشهر ثم أخرجه بشفاعة الدفتردار وانزوى خاملاً في داره إلى أن مات في أوائل شعبان في الطاعون سنة خمس ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي.