محمد بن محمد بن علي بن سودة المرّي يكنى أبا القاسم.
أوليته: من نبهاء بيوتات الأندلس وأعيانها، سكن سلفه البشارّة ، بشارّة بني حسّان، وولي جدّه الأشغال، حميد السيرة، معروف الإدانة.
حاله: هذا الفتى من أهل الخصوصيّة والسكون والحياء، المانع عن كثير من الأغراض.
مال إلى العلوم العقلية، فاستظهر على المماسّة في بعض أغراضها بالدؤوب والعكوف، المورّين تأثير حبل الرّكيّة في جحرها، فتصدّر للعلاج، وعانى الشّعر، وأرسم في الكتابة، وعدّ من الفضلاء، وظهرت على عباراته اصطلاحات الحكماء، وتشوّف إلى العهد للرّحلة الحجازية، والله ييسّر قصده.
مشيخته: قرأ الطبّ والتّعديل على الحبر طبيب الدّار السّلطانية، فارس ذينك الفنّين، إبراهيم بن زرزار اليهودي، ورحل إلى العدوة، فقرأ على الشّريف العالم الشهير، رحلة الوقت في المغرب، أبي عبد الله العلوي، وبلقائه نجح.
شعره: أنشد السلطان قوله: [الكامل] جاد الحمى صوب الغمام هتونه ...
تزجي البروق سحابه فتعينه وسقى ديار العامرية بعد ما ...
وافى بجرعاء الكثيب معينه يندى بأفنان الأراك كأنه ...
عقد تناثر بالعقيق ثمينه ومحى الكثيب سكوبه فكأنه ...
خطّ تطلّس ميمه أو نونه حتى إذا الأرواح هبّت بالضّحى ...
مسحت عليه بالجناح تبينه وكأنّه والرعد يحدو خلفه ...
صبّ يطول إلى اللقاء حنينه أو سحّ دمعي فوق أكناف اللّوى ...
جادت بلؤلؤة النفيس عيونه والبرق في حلل السّحاب كأنه ...
مكنون سرّ لم يذع مضمونه أو ثوب ضافية الملابس كاعب ...
عمدت بحاشية النّضار تزينه هنّ الديار برامة لا دهرها ...
سلس القياد ولا العتاب يلينه ولقد وقفت برسمها فكأنّني ...
من ناحل الأطلال فيه أكونه قلبي بذاك اللّوى خلّفته ...
ألوى بمزدلف الرّفاق ظعينه لا تسأل العذّال عني فالهوى ...
هذا يخامر بالضّلوع دفينه إن يخف عن شرحي حديث زميرتي ...
فعلى الفنون فريضة تبينه عجبا لدمعي لا يكفّ كأنما ...
جدوى أبي عبد الإله هتونه محيي المكارم بعد ما أودى بها ...
زمن تقلّب بالكرام خؤونه مولى الملوك عميد كلّ فضيلة ...
علق الزمان ثمينه ومكينه يضفي إلى داعي النّدى فيهزّه ...
وبملتقى الجمعين طال سكونه من ذا يسابق فضله لوجوده ...
ويلجّ فيض البحر فاض يمينه إن تلقه تلق الجمال وقاره ...
والحلم طبع والسّماحة دينه غمر الأنام نواله ومحا الضلا ...
ل رشاده وجلا الظّلام جبينه أحيا رسوم الدين وهي دوارس ...
ولطالما صدع الشكوك يقينه شمس الهدى حتف العدا محيي النّدا ...
بحر الجدا طول المدى تمكينه ليث الشّرى غوث الورى قمر السّرى ...
سنّ القرى عمّ القرى تأمينه فلبأسه يوم الوغى ولعزمه ...
جاش الهزبر إذا الهزبر يخونه لا تسأل الهيجاء عنه إنه ...
يصل المراد كما تحبّ ظنونه لو كان يشغله المنام عن العلا ...
هجر المنام وباعدته جفونه وإذا تطاولت الملوك بماجد ...
بمحمد دون الأنام يكونه يا ابن الألى نصروا الرسول ومن بهم ...
نطق الكتاب فصيحه ومبينه خصّوا ببيعته وحاموا دونه ...
نهج الرّضا حتى تقاوم دينه أمعاضد الإسلام أنت عميده ...
وخليفة الرحمن أنت أمينه لم يبق إلّا من بسيفك طائع ...
ألفنش في أقصى البلاد رهينه وبجيشك المنصور لو لاقيته ...
أدرى بمشتجر الرّماح طعينه ولو اصطنعت إلى العدوّ إدالة ...
طاعت إليك بلاده وحصونه خذها إليك قصيدة من شاعر ...
حلو الكلام مهذّب تبيينه جعل القوافي للمعالي سلّما ...
فجنى القريض كما اقتضته فنونه غطّى هواه عقله واقتاده ...
يحصي النجوم جهالة تزيينه ولو أخذته أيدي التحرير والنّقد، لرجي أن يكون شاعرا، وبالجملة فالرجل معدود من السّراة بيتا وتخصّصا.
الإحاطة في أخبار غرناطة - لسان الدين ابن الخطيب.