الخطيب أحمد البساطي المدني هو من رجال اللآلىء، الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، قال مؤلفها في ترجمته: جليل قدر نبتت في عراص مجده نبعات المحامد، وفسيح مفاخر لها الوصف الكريم حامد، ولطيف شمائل تزري بلطف الشمول، وظريف خصال تهب كنسيم القبول، ظهر في الأدب باعه، وحسن فيه انطباعه، وبدت له فيه مزايا، كمنت في زوايا خبايا، كم له من قصائد باللطائف معمورة، وأزاهر كلام بقطر البداعة ممطورة، تملأ المسامع سروراً وجذلاً، وتهدي إلى القلوب طرباً متصلاً، فمنه قوله مادحاً لي: أهدي السلام لعزيز القدر ...
من ساد بالفضل أهالي العصر أعني ابن عبد السلام من سما ...
بالعلم أسمى رتبة في الفخر سراجنا الفاضل ذا شمس الهنا ...
باهي الحيا مخجلاً للبدر مترجم الأعيان أهل طيبة ...
في تحفة الدهر ونفح الزهر شهماً أديباً راقياً أوج العلا ...
ونظمه فاق عقود الدهر ونثره اللؤلؤ ضاء نوره ...
إذا بدا كلامه في السطر يظهر سره ومعناه لمن ...
ينظر في ألفاظه بالفكر إذا تأملت ترى في نظمه ...
قولاً بديعاً وكذا في النثر له معان واستعارات كذا ...
علم بيان باهر كالسحر وقد أجابه صاحب اللآلىء الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، وهو الفاضل العلامة عمر بن عبد السلام المدرس الداغستاني بقوله: بدر الدجى بان لنا في الخمر ...
أم وجه من رضا به كالخمر وهذه لآلىء قد نظمت ...
أم أنها أسنان ذاك الثغر وما أرى هل هو ورد ناضر ...
أم حسن خد بالحيا محمر وهل فتور في الجفون قد بدا ...
أو الخمار أو دبيب السحر وهي قصيدة طويلة ومن لطائف المترجم أيضاً قوله: القلب من ألم الفراق مفرط ...
والروح مني اليوم كادت تظهر والجسم ملتهب بنيران اللظى ...
والدمع من عيني دماً يتقطر أبكي على ما حل بي من فقدكم ...
والقلب مني عنكم لا يصبر تعس الفراق وفعله يا سادتي ...
قد أحرم الأعيان فيكم تنظر لو تبصروا حالي وما قاسيته ...
أو تسمعوا من بالحقيقة يخبر لبكيتم حزناً على ما حل بي ...
هذا المقدر في الجبين مسطر يا هل ترى الرحمن يجمع شملنا ...
بعد الفراق وكسر قلبي يجبر ومن نظمه أيضاً قوله: ناديت خلي كي يشرف موضعي ...
فأجابني فوراً بغير تمنع وافى بقد أهيف ولي انثنى ...
شبه القنا من تحت ذاك المقنع لما أتاني زائراً قبلته ...
في ثغره الحالي فزاد تولعي وله شرعت أقول أهلاً يا رشا ...
آنست صبك يا غزال الأجرع قد كان يوماً أزهراً بوصاله ...
فهو الحبيب يسمو على الحور الحسان بطلعة ...
كالشمس تطلع في سماء البرقع فلقده يزري الغصون إذا مشى ...
بتمايل ورشاقة وتصنع أودعته للواحد الأحد الذي ...
أنشاه كالبدر المنير الأسطع طعن القلوب بسهم قوس لحاظه ...
طعناً قوياً نافذاً من أضلعي ما شاهدت عيني مليحاً مثله ...
رشقاً خفيف الروح ريماً أتلعي هام الفؤاد به ومزق مهجتي ...
هم الغرام صبابة بتوجعي لما توجه رائحاً من منزلي ...
ومضى لمنزله كظبي مسرع أصبحت محزوناً لفقد جماله ...
حيران في أمري أكفكف أدمعي سر يا رسولي للذي سكن الحشا ...
أخبره أني منكو بتلعلع رح قل له ارحم يا معنى مغرماً ...
مضنى سقيماً لا يضيق ولا يعي أعد الزيارة سيدي فلعله ...
يشفى بقربك من أليم المضجع فعساه يسمح لي بوصل عاجل ...
يحيي به قلب الحزين المولع انتهى باختصار توفي المترجم في القرن الثالث عشر.
حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي.