محمد الهلالي

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 1311 هـ (1893م)الاسم الكامل: محمد بن هلال بن مصطفى بن عباس بن إسماعيل ملا زادهالمعرف: 87569

محمد (أو محمد بن محمد) بن هلال بن محمود بن مصطفى بن إسماعيل ملّا زاده، المعروف بالهلالي: شاعر حموي، من الأدباء الندماء.

علت شهرته في عصره، وتداول الناس أماديحه وأهاجيه، وتواشيحه ولطائفه حتى عد شاعر البلاد الشامية.

ولد وتعلم في حماة (بسورية) وسكن دمشق وتوفي بها.

رآه محمد عبد الجواد القاياتي المصري، حين زار دمشق وساجله، وكتب يصفه: (خفيف النفس، ليس عنده كبر ولا إعجاب بشعر) وكانت بينه وبين الشيخ مصطفى زين الدين الحمصي مفاكهات مدونة.

له (ديوان شعر - ط) .

-الاعلام للزركلي- شاعر الفن والعبقرية الهلالي الحموي أقف حائراً حيال تحليل نفسية هذا الشاعر الفحل الذي كانت أحاديثه وطرائفه في عهده زاد النفوس والأدب، هذا الناظم الذي سحر الألباب بنظمه وانتشرت في فرائده عقود الدرر، هذا الذي سارت ألحانه مسير القمر في الأفلاك.

أصله: هو الشيخ محمد بن الشيخ هلال بن الشيخ مصطفى مفتي حماة سابقاً ابن الشيخ عباس بن الشيخ إسماعيل ملا زاده، ولد في حماة سنة 1235ﻫ ـ 1816م، ونشأ في حجر والده مهد العلم والعفة والصيانة، ودرس علم النحو والصرف والمنطق على فحول العلماء، فبرع وآية النجابة ترمقه، وقد ساعده حسن ذكائه وقوة نباهته وسعة تضلعه على التفنن في الأدب وأساليبه.

صفاته: كان رحمه الله نير الوجه، ذا شمائل حسنة، محمود السيرة، حافظاً للوداد، صلب الرأي، جسوراً مقداماً، عصبي المزاج، ذرب اللسان، يحب الجد ومنادمة الأدباء والشعراء في جو هادىء، ويكره الهذر والمزاح، والويل لمن يمس كرامته أو يستفزه، فلا نجاة له من لسانه وهو كالسيف البتار، ويحب الكرم والكرماء ويمتدحهم، ويجفو البخلاء ويتحاشى مجالسهم، يهوى الطرب والجمال خلوتي المذهب، فارس مقنع في الليل، وناسك في النهار، وهو القائل عن نفسه في موشحه البديع: شعره: شاعر مبدع، أخذ برقاب القوافي، وورد منها المورد الصافي، تسنم ذروة الفن الشامخ بأدبه وموشحاته الفريدة، فكان في النظم والفن كالهلال إضاءة وإشراقاً، له ديوان مطبوع انتشر في الأقطار العربية كالشمس في رابعة النهار.

لقد قضى الفقيد رحمه الله مدة طويلة من حياته في حماة، وقد امتدح أعيانها وثراتها جرياً على عادة الشعراء، ونال منهم الهدايا اللائقة، ثم نغص عيشه وكدر صفوه تسلط الشاعر الشيخ مصطفى زين الدين الحمصي لمبارزته ومعارضة شعره بدافع من وجوه حماة، فكان مزاجه العصبي لا يحتمل قسوة المزاح والتنكيت، ومما يؤثر عنه أنه كان كثيراً ما يثور لأقل بادرة، ويحب أن يخفي عن معارفه أشعاره خشية أن يقلب معناها وقوافيها إلى مدح الأكل، وقد سلمت له من هذه المعارضة بعض قصائده التي نظمها خلال مدة وجوده بدمشق.

وقد زاد في ألمه وغيظه ما كان يلقاه خصمه مصطفى زين الدين من ضروب الرعاية والتكريم والاحتفاء به واعتقاده تفضيله وإيثاره عليه، ويغار من الخيرات الوافرة التي كان ينالها بسبب هذه المعارضة وهو لا يستحقها، مما أوجب نقمته وهجره الذوات كما ذكرت ذلك في حديثي عن الشاعر الحمصي.

فاجعته بولده: وفي عام 1925م اكتنفته نوائب الدهر، فتلقى نعي ولده (راغب) الذي استشهد في المعارك الحربية الواقعة بين الروس والأتراك في تفليس، فهد هذا المصاب ركنه ورثاه بقصيدة رائعة منها قوله: وكانت المدة بين نعي ولده راغب وهجرته من حماة إلى دمشق ثلاث سنوات قضاها بالأسى والنحيب، يردد قول الشاعر الزاهد المرحوم الشيخ عمر اليافي: وبينما كان يأمل من الثراة والأعيان وكبار الموظفين العطف والتخفيف عن بلوائه وأحزانه ومشاطرته العزاء بفاجعته وتركه وشأنه، إذا به يراهم يعملون على خلق المقالب له حبًّا في التنكيت والترفيه عن نفوسهم البطرة، وهكذا اشتدت معارك البراز والمعارضة الأدبية بين الشاعرين المتبارزين، ومن الطريف أن بعض المنكتين الذين يتظاهرون أمام الهلالي بالحب والإخلاص له قد نصحوه أن يقيم الدعوى على خصمه الشاعر الشيخ مصطفى زين الدين؛ بغية إيقافه عند حده، فعمل برأيهم ولم يدر بأنهم غشوه وزادوا النار ضراماً، فأقام الدعوى وجرت المحاكمة في حماة، ودارت بينهما مشاحنات أدبية تعتبر من أروع النوادر الطريفة في تاريخ الأدب مما يطول ذكره الآن، وأخيراً تصالحا تنفيذاً لقرار المحكمة، وتعهد الشيخ مصطفى زين الدين بالتوقف عن معارضة أشعار زميله، ولما ودع الشاعر الحمصي الهلالي قاصداً العودة من حماة إلى حمص، قال له: (مع السلامة، لا أراني الله وجهك)، فرد عليه الشيخ مصطفى زين الدين: (لا أسمعني الله صوتك)، وانقضت فترة من الزمن استراح الهلالي خلالها وصفت قريحته، وعاد نشيطاً إلى النظم وهو لا يدري ما يضمر له المستقبل من مفاجآت كانت سبباً في تغيير مجرى حياته.

نقض معاهدة الصلح: إلا أن دوام هذا الصلح والهدنة لم يحل للمنكتين الذين لا تقر أعينهم إلا بإيقاع نار الفتنة والمبارزة بين الشاعرين، فأغروا الشيخ مصطفى زين الدين على نقض العهد، وبالغوا في إكرامه، فعاد لمعارضة شعر الهلالي، فكان هو الرابح على كل حال، وكان الناقم هو الهلالي الذي أهلكته الغيرة من زميله، مع أن الهدايا كانت ترد إليه أيضاً، إلا أنه يرى خصمه لا يستحقها.

ولما غمرته موجة التنكيت والمزاح اضطر في بعض الأحيان للانزواء في داره، حتى إنه كان يرفض استلام الرسائل التي كانت ترد باسمه من موزع البريد لعلمه بأنها تحوي على معارضات قصائده، وذلك تجنباً من تحرشات تزعجه، وكأنه يعاتب الناس بالكف عن مزاحهم، بعد أن غلبه الحزن والأسى على ولده الشهيد، فيردد المثل السائر: (ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة)، وفي خلال هذه الفترة رأى أن أفضل وسيلة للتخلص من هذا المحيط المزعج أن يهجرحماة، فأزمع على النوى.

رحيله إلى دمشق: وفي سنة 1289ﻫ حط رحاله في دمشق، فطابت له الإقامة في ربوعها الجميلة، فاستوطنها وعاشر أدباءها، وامتدح أعيانها، ومن جملة من استقبله فأكرم مثواه المرحوم أمين الجندي مفتي دمشق، فقد نال من عطفه وكرمه ما أنساه وحشة البعاد، ومدحه بقصيدته الرائية المشهورة، ومطلعها: ومنها: ثم تعرف على المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري الكبير واستمنح فضله حيث قال: فأكرمه وأسكنه في دار، وقدر أدبه حق قدره، وبعد سنتين من إقامته بدمشق توفي الأمير الجزائري، فبكى كرمه بقصيدة بليغة: كـان رحمـه الله يحـب الحيـاة الاجتماعية الراقيـة ويكره التعصب، ويعاشر الشخصيات البارزة، وقد تمكنت عرى المودة ونال من كرم الأمراء الشهابيين الخير الوافر، فتعلق بهم، ومدح الأمير سليم الشهابي بموشح يعتبر من أروع الموشحات نظماً ولحناً، وهو: وتاه الهلالي عجباً بموشحه هذا واعتبره أمنية الواو الساكنة من وزن يعسر معارضته، فتطوع أهل الخير ونقلوا إلى الشيخ مصطفى زين الدين ما قاله الهلالي عن موشحه، فعارضه فوراً: وانتقلت المبارزة والمعارضة إلى دمشق فكان لها نصراء، وتطوع بعض رسل الخير فكانوا همزة الوصل بين الشاعرين المتباريين، فحمي وطيس المعارضة، فعمد الهلالي إلى إخفاء بعض قصائده فسلمت من المعارضة كما ذكرنا، ولما مدح الهلالي أحمد جودت باشا والي سوريا بقصيدة منها قوله: عارضه بقوله: شكا إليه معارضة الشاعر الحمصي، وظن الهلالي أن الوالي سيغضب، ولما تجلت للوالي الحقيقة راقت له هذه المبارزة وشجعها بعدم اكتراثه لشكوى الهلالي.

وفاته: كان في أواخر عمره إذا تذكر عهده في حماة استغرب لغربته وفراق أهله، وانقبض صدره وتناسى كل شيء إلا حزنه على ولده الشهيد وحظه العاثر ودهره المعاند.

وفي يوم الإثنين الواقع في التاسع والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1311ﻫ ـ 1892م خطفت يد المنية عبقرية هذا الشاعر ودعته إلى منازلها الخالدة، ودفن في مقبرة الدحداح بدمشق، وقد رثاه وأرخ وفاته كثير من القراء المجيدين، منهم العالم المرحوم الشيخ عبد المجيد الخاني الدمشقي بقوله: أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 183 - 185.

محمد الهلالي | تراجم العلماء