الحسين بن عبد الرحمن الحلبي

الاسم الكامل: الحسين بن عبد الرحمن الحلبيالمعرف: 84910

الحسين بن عبد الرحمن الحلبي: روي عن أبيه، روي عنه محمد بن أحمد الكوفي.

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن- فيما اذن لنا في روايته عنه- قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن عمي قال: أخبرنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين العسكري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: حدثني محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي بمصر قال: أخبرنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي العصام العدوي قال: حدثنا أبو العباس عيسي بن عبد الرحيم قال: حدثني علي وابن محمد- هو ابن حيون- قال: حدثني محمد بن أحمد الكوفي قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة، فجمعوا، فأبصرهم طفيلي فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فانسل فدخل وسطهم، ومضي بهم الموكلون حتي انتهوا بهم إلي زورق أعدلهم فدخلوا الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة، فدخل معهم الزورق، فلم يك بأسرع بأن قيد القوم وقيد معهم الطفيلي، فقال الطفيلي: بلغ تطفيلي إلي القيود، ثم سير بهم إلي بغداد، فدخلوا علي المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا فيأمر بضرب رقابهم حتي وصل إلي الطفيلي وقد استوفوا عدة القوم، فقال للموكلين بهم: ما هذا؟ فقالوا والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال المأمون: ما قصتك ويلك؟ فقال يا أمير المؤمنين امرأته طالق ان كان يعرف من أقوالهم شيئا ولا يعرف إلا الله ومحمد النبي صلي الله عليه وسلم، وإنما أنا رجل رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يغدون إليه، فضحك المأمون وقال: يؤدب.

وكان إبراهيم بن المهدي قائما علي رأس المأمون فقال يا أمير المؤمنين قلت لي: أدبه، أحدثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا إبراهيم، قال يا أمير المؤمنين خرجت من عندك يوما في سكك بغداد متطربا حتي انتهيت إلي موضع سماه فشممت يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدورا قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها وإلي طيب ريحها، فوفقت علي خياط وقلت له: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار من البزازين، قلت ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان فرميت بطرفي الي الجناح فإذا في بعضه شباك فأنظر إلي كف قد خرج من الشباك قابضا علي بعضه ومعصم فشغلني يا أمير المؤمنين الكف والمعصم عن رائحة القدور فبقيت باهتا ساعة ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم وأحسب عنده اليوم دعوة، وليس ينادم إلا تجارا مثله مستورين فإني لكذلك إذا قبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، قال الخياط: هؤلاء منادموه، فقلت ما أسماؤهما وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان، وأخبرني بكناهما، فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت جعلت فداكما قد استبطأ كما أبو فلان أعزه الله، وسايرتهما حتى أتينا الى الباب، فأجلّاني وقدماني فدخلت، ودخلا فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو قادم قدمت عليهما من موضع، فرحب وأجلسني في أفضل موضع، فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة، وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسي هذه الالوان قد أكلتها، بقيت الكف أصل الى صاحبتها، ثم رفع الطعام وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل علي بالحديث وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة، وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان يتثنى، فأقبلت تمشي فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها فجسته فاستبنت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني: توهمهما طرفي فأصبح خدها ...

وفيه مكان الوهم من نظري أثر فصافحها قلبي فآلم كفها ...

فمن مئتن قلبي في أناملها عفر فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم اندفعت تغني: أشرت إليها هل عرفت مودتي ...

فردت بطرف العين إني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرها ...

وحادت عن الإظهار أيضا على عمد فصحت: السلاح يا أمير المؤمنين وجاءني من الطرب مالم أملك نفسي، ثم اندفعت تغني الصوت الثالث: أليس عجيبا أن بيتا يضمني ...

واياك لا نخلو ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ...

وتقطيع أنفاس على الناي تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب ...

وتكسير أجفان وكف تسلم فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها واصابتها معنى الشعر أنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت فيه فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الارض وقالت: متى كنتم تحضرون مجلسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم قد يغيروا لي، فقلت: ليس ثم عود؟ قالوا: بلى والله يا سيدنا، فأتيت بعود وأصلحت من شأني ما أردت ثم اندفعت أغني: ما للمنازل لا تجيب حزينا ...

أصممن أم قدم المدى فبلينا روحوا العشية روحة مذكورة ...

إن متن متن وإن حيين حيينا فما استتممت يا أمر المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبت على رجلي فقبلتهما وتقول: معذرة يا سيدي والله ما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك أحدا، وقام مولاها وجميع من كان حاضرا فصنعوا كصنيعها، وطرب القوم واستحثوا الشراب فشربوا بالكاسات والطاسات، ثم اندفعت أغني أفي الله أن تمسين لا تذكرينني ...

وقد سحمت عيناي من ذكرك الدما الى الله أشكو بخلها وسماحتى ...

إذا عسل مني وتبدل علقما فردي مصاب القلب أنت قتلته ...

ولا تتركيه ذاهب القلب مضرما الى الله أشكو أنها أجنبية ...

وأني بها ما عشت بالود مغرما فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شيء خشيت أن يخرجوا من عقولهم فأمسكت ساعة حتى هدأوا مما كانوا فيه من الطرب، ثم اندفعوا في الشرب بالصراحيات صرفا على ذلك الطرب فاندفعت أغني الصوت الثالث.

هذا محبك مطوى على كمده ...

حري مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحة ...

مما به ويد أخرى على كبده يا من رأى أسفا مستهترا أسفا ...

كانت منيته في عينه ويده فجعلت الجارية تصيح: هذا والله الغناء يا سيدي، وسكر القوم وخرجوا من عقولهم، وكان صاحب المنزل جيد الشرب، حسن المعرفة، فأمر غلمانه مع غلمانهم بحفظهم وصرفهم الى منازلهم، وخلوت معه فشربنا أقداحا ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما كان من أيامي ضائعا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلج علي حتى أخبرته، فقام يقبل رأسي وقال: يا سيدي وأنا أعجب يكون هذا الادب الا من مثلك واذا إني مع الخلافة وأنا لا أشعر، ثم سائلني عن قصتي وكيف حملت نفسي على ما فعلت، فأخبرته خبر الطعام، وخبر الكف والمعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي، فقال: والكف والمعصم، ثم قال: يا فلانة، لجارية له، قولي لفلانة تنزل فجعل ينزل لي واحدة واحدة فأنظر الى كفها ومعصمها، فأقول: ليس هي، قال: والله ما بقي غير أختي وأمي والله لانزلهما إليك، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك إبدأ باختك قبل الامام فعسى أن تكون هي، فقال: صدقت فنزلت فلما رأيت كفها ومعصمها قلت: هي ذه، فأمر غلمانه فصاروا الى عشرة مشايخ من جلة جيرانه في ذلك الوقت، فأحضروا، ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وقال للمشايخ: هذه أختي فلانه أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم، فرضيت وقبلت النكاح ودفع إليها البدرة، وفرق البدرة الاخرى على المشايخ، ثم قال لهم: اعذروا فهذا ما حضر على الحال، فقبضوها، ونهضوا، ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك فأحشمني والله ما رأيت من سعة صدره، وكرم خيمه ، فقلت: بل أحضر عمارية وأحملها الى منزلي، فقال ما شئت، فأحضرت عمارية فحملتها، وصرت بها الى منزلي فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ جهازها ما ضاقت به بعض بيوتنا، فاولدتها هذا القائم على رأس سيدي أمير المؤمنين، فعجب المأمون من كرم ذلك الرجل وسعة صدره وقال: لله أبوه ما سمعت مثله قط، ثم أطلق الرجل الطفيلي واجازه جائزة سنية وأمر إبراهيم بإحضار الرجل، فكان من خواص المأمون وأهل صحبته .

بغية الطلب في تاريخ حلب - كمال الدين ابن العديم (المتوفى: 660هـ)

الحسين بن عبد الرحمن الحلبي | تراجم العلماء