محمد كرد علي

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 1372 هـ (1952م)الاسم الكامل: محمد بن عبد الرزاق بن محمد كرد عليالمعرف: 83358

محمد بن عبد الرزاق بن محمَّد، كُرْد علي: رئيس المجمع العلمي العربيّ بدمشق، ومؤسسه، وصاحب مجلة (المقتبس) والمؤلفات الكثيرة.

وأحد كبار الكتّاب.

أصله من أكراد السليمانية (من أعمال الموصل) ومولده ووفاته في دمشق.

تعلم في المدرسة (الرشدية) الاستعدادية.

وتوفي والده، وهو في الثانية عشرة من عمره، فابتدأ حياته الاستقلالية صغيرا.

وأقبل على المطالعة والدروس الخاصة، فأحسن التركية والفرنسية، وتذوق الفارسية.

وحفظ أكثر شعر المتنبي ومقامات الحريري، ثم كانت مفردات المقامات، تضايقه حين يكتب.

وتولى تحرير جريدة (الشام) الأسبوعية الحكومية، سنة 1315 - 1318 هـ وكان يلتزم بها السجع في مقالاته.

ووالى الكتابة في مجلة المقتطف خمس سنوات، ابتدأت بها شهرته.

وزار مصر (سنة 1319 هـ - 1901 م) فتولى تحرير جريدة الرائد المصري عشرة شهور، وعاد إلى دمشق.

ورفعت إلى واليها التركي وشاية به ففتش بيته، وظهرت براءته.

وهاجر إلى مصر، فأنشأ مجلة (المقتبس) (سنة 1324 هـ - 1906 م) وقام بتحرير جريدة (الظاهر) ثم التحرير في (المؤيد) اليوميتين.

وعاد بعد الدستور العثماني (سنة 1908 م) إلى دمشق، فتابع إصدار مجلة (المقتبس) وأضاف إليها باسمها جريدة يومية كانت قبل الحرب العامة الأولى مسرحا لأقلام كبار الكتاب، وناوأت دعاة الرجعية وحاربت جمعية (الاتحاد والترقي) التي كان يستتر وراءها حزب (تركيا الفتاة) العامل على تتريك العناصر العثمانية.

واتهمه أحد ولاة الترك بالتعرض للعائلة السلطانية، في إحدى مقالاته، ففر إلى مصر فأوربا، وعاد مبرأ.

وتكرر ذلك في تهمة أخرى، فترك الجريدة اليومية إلى أخيه (أحمد) أبي بسام، وانقطع للمجلة.

واشتد جزعه بعد إعلان الحرب العامة الأولى وابتداء حملة الانتقام التركية من أحرار العرب، فأقفل الجريدة والمجلة، وكان يساق مع إخوانه شكري العسلي وعَبْد الوَهَّاب الإنكِلِيزي ورشدي الشمعة - انظر تراجمهم - وسواهم، من نقدة نظام الحكم العثماني، ودعاة التحرر، إلا أنه أنقذته (خلاصة حديث) وجدت في القنصلية الفرنسية، بدمشق، كتبها أحد موظفي الخارجية الفرنسية، قبل الحرب، وكان قد زار صاحب الترجمة في بيته وأراد استغلال نقمته على (الاتحاديين) ليصرفه إلى موالاة السياسة الفرنسية في الشرق، فخيب كرد على ظنه، ونصحه بتبديل سياستهم في الجزائر وتونس، ومثلها (نشرة رسمية سرية) كان قد بعث بها سفير فرنسة في الآستانة إلى قناصل دولته في الديار الشامية، يحذرهم بها من كرد على ويقول: إنه لا يسير إلّا مع الأتراك، وأوراق أخرى من هذا النوع أظهرها تفتيش القنصليات في أوائل الحرب، فدعاه أحمد جمال باشا (القائد الطاغية التركي) إليه، مستبشرا، وأعلمه بها، وأنذره أن عاد إلى المعارضة ليقتلنه هو بيده، بمسدسه (أخبرني بذلك يوم حدوثه) وأمره بإعادة الجريدة، ومنحه مساعدة مالية، فأعادها، ثم ولاه تحرير جريدة (الشرق) التي أصدرها الجيش.

وأمضى مدة الحرب مصانعا بلسانه وقلمه، وظل يخشى شبح (جمال) حتى بعد الحرب.

وفي مذكراته ما يدل على بقاء أثر من هذا في نفسه إلى آخر أيامه.

وانقطع إلى المجمع العلمي العربيّ، بعد إنشائه بدمشق (سنة 1919) أيام الحكومة العربية الأولى، فكان عمله فيه بعد ذلك أبرز ما قام به في حياته.

وولي وزارة المعارف مرتين في عهد الاحتلال الفرنسي.

وكان ينحو في كثير مما يكتبه منحى ابن خلدون في مقدمته.

من مؤلفاته (مجلة المقتبس) ثمانية مجلدات وجزآن، و (خطط الشام - ط) ستة مجلدات، استخرجه من نحو 400 كتاب، و (تاريخ الحضارة - ط) جزآن، ترجمه عن الفرنسية، والأصل لشارل سنيوبوس، و (غرائب الغرب - ط) مجلدان، و (أقوالنا وأفعالنا - ط) و (دمشق مدينة السحر والشعر - ط) و (غابر الأندلس وحاضرها - ط) و (أمراء البيان - ط) جزان، و (الإسلام والحضارة العربية - ط) مجلدان، وهو أجلّ كتبه، و (القديم والحديث - ط) منتقيات من مقالاته، و (كنوز الأجداد - ط) في سير بعض الأعلام، و (الإدارة الإسلامية في عز العرب - ط) و (غوطة دمشق - ط) و (المذكرات - ط) أربعة أجزاء، كتب بعضها وقد تقدمت به السنّ، فلم تخل من اضطراب في أحكامه على الناس والحوادث.

أضف إلى هذا أن حياته السياسية وقفت عند إعلان الحرب العامة الأولى، فقد انصرف بعدها عن المغامرات، فلم يدخل جمعية، ولم يعمل في حزب معارض، فابتعد عن روح الجمهور، وتتبّع خفايا الأمور.

أما حياته العلمية فكانت سلسلة متصلة الحلقات من بدء نشوئه واتصاله بالشيخ (طاهر الجزائري) إلى يوم وفاته.

وكان من أصفى الناس سريرة، وأطيبهم لمن أحب عشرة، وأحفظهم ودا.

مما كتبه في وصف نفسه: (خلقت عصبي المزاج دمويّه، محبا للطرب والأنس والدعابة، أعشق النظام وأحب الحرية والصراحة، وأكره الفوضى، وأتألم للظلم، وأحارب التعصب، وأمقت الرياء .

-الاعلام للزركلي- الأستاذ العلامة المرحوم محمد كرد علي أصله ونشأته: هو الأستاذ محمد كرد علي، وأصل أسرته من السليمانية، تنسب إلى الأكراد الأيوبية، جاء والده إلى دمشق في التجارة وسكن فيها، ولد بدمشق في أواخر شهر صفر سنة 1293ﻫ 1876م من أم شركسية، وتلقى دراسته في مدرسة كافل سيباي الأميرية بدمشق، ونال شهادتها، وتلقى دروس اللغة الفرنسية على معلم خاص وبرع بالترجمة، وتعلم اللغة الفارسية والتركية، وأخذ عن الأساتذة المرحومين الشيخ طاهر الجزائري ومحمد مبارك والشيخ سليم البخاري شتى العلوم، وكان العامل الأكبر في توجيه إرادته نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والإقدام على التأليف والنشر والحرص على تراث حضارة الأجداد مع أستاذه الجزائري الذي بقي ملازمه إلى أن توفي سنة 1920م.

علمه وعمله ومؤلفاته: وتعاطى نظم الشعر، فنهاه أستاذه محمد المبارك، وطلب منه العناية بالإنشاء فقط، وكان ذا صوت رخيم، مولعاً بالفن الموسيقي، فقبل نصيحة والده وهو يافعاً بترك الإنشاد، وتخرج على الأستاذ المبارك باللغة والإنشاء، وعهد إليه سنة 1896م بتحرير جريدة الشام الأسبوعية، فحررها ثلاث سنوات كانت مدرسته الأولى في الصحافة، وساعده فيها معرفته التركية والفرنسية، ألف كثيراً وأفاد الأدب والثقافة والتاريخ، ومن مؤلفاته خطط الشام، رسائل البلقاء، غرائب الغرب، غابر الأندلس وحاضرها، تاريخ الحضارة القديم والحديث، رواية المجرم البريء، قصة الفضيلة والرذيلة، أمراء البيان، يتيمة الزمان، ثمانية مجلدات من صحيفة المقتبس.

أوصافه: كان رحمه الله عصبي المزاج، مغرماً بالموسيقى العربية، محبًّا للطرب والأنس والدعابـة، عاشـقاً للطبيعـة والسياحـة والعيش بنظـام دقيـق، يجتمـع بالمستشرقين فيسـمعهم صوت قومـه ويبثهـم أنـات وطنـه ويطلعهـم على آثام المستعمرين، ورث مزرعة في قرية جسرين.

رحلته إلى مصر: زار مصر سائحاً سنة 1901م، وهو يقصد الذهاب إلى باريس للدرس، وحرر في جريدة الرائد المصري، ثم عاد إلى دمشق بعد عشرة أشهر، واستفاد من أخذه من عالم الإسلام والإصلاح الشيخ محمد عبده وحضور مجالسه الخاصة.

علاقته مع الأتراك: وفي عام 1904م فتشت داره في دمشق بحجة أنه علق مناشير في شوارع المدينة مكتوبة بلغة سياسية، وتشرد عن داره أياماً حتى ثبت افتراء المفترين، وكان التضييق عليه في الشام يزيد كلما استفاضت شهرته، والشهرة كانت على صاحبها آفة في العصر الحميدي.

هجرته إلى مصر: ولما رأى المقام بدمشق عبثاً؛ هاجر الى مصر سنة 1905م، وأصدر مجلة المقتبس، وحرر في جريدتي الظاهر اليومية والمؤيد، وكانت تصدع بالوطنية المصرية وتنتقد سياسة المحتلين، وآزر في مجلة العالم الإسلامي الباريزية.

عودته إلى دمشق: ولما حدث الانقلاب العثماني سنة 1908م رجع إلى دمشق وأصدر جريدة المقتبس، ثم رحل عن دمشق إلى باريز بسبب ضغط الوالي التركي عليه، واتصل بعلماء المشرقيات وتعرف بالطبقة العليا، وطبع غرائب الغرب، وفيها وصف سياحته، وبعد إقامته ثلاثة أشهر بباريس عاد إلى الأستانة مبرءاً مما نسب إليه، ثم أقام ناظم باشا الوالي دعوة على جريدته وسجن شقيقه المرحوم أحمد، وسيق مع الشيخ إبراهيم المسكوني، وأرسلهما إلى الأستانة فسجنا مدة.

هربه إلى مصر: واضطر للهرب للمرة الثانية إلى مصر عن طريق البر مع قافلة من تجار الجمال، فدخل الإسماعيلية بعد سير أربعة عشر يوماً والصورة المنشورة تمثله في حالة هربه، بعث بها إلى صديقه الشهيد الدكتور عزت الجندي بتاريخ 30 تموز سنة 1912م، وقد كتب بذيلها (لحبيب الروح وطبيب الأجسام وأديب الأرواح الدكتور عزت بك الجندي، من صديقه الطريد الشريد).

ومن المؤسف أن صديقه الشهيد الأول العربي الدكتور عزت الجندي الذي تلقاه بالحفاوة والتكريم في مصر، وساعده في محنته ماديًّا ومعنويَّا لم يك وفيا لعهده وصداقته، فقد نسيه ولم يذكره بأية مناسبة في تاريخه ومؤلفاته! ثم برئ وعاد إلى دمشق بعد ستة أشهر، وفي 8 حزيران 1919م شرع بتأسيس المجمع العلمي العربي، فكان رئيسه حتى وفاته، وفي شباط سنة 1924م عهد إليه بتدريس الآداب العربية في معهد الحقوق بدمشق، وفي 15 شباط سنة 1928م أسندت إليه وزارة المعارف، وزار إيطاليا وسويسرا وفرنسا والمجر والأستانة.

وفاته: وفي يوم الجمعة في 2 نيسان سنة 1953م وافاه الأجل المحتوم، فدفن في مقبرة باب الصغير بدمشق، وشيعت جنازته باحتفال مهيب، وخسرت البلاد العربية ركناً كبيراً من أعلام الأدب والتاريخ بوفاته رحمه الله.

أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 236 - 237.

محمد كرد علي | تراجم العلماء