محمد إمام العبد

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: غير معروفالاسم الكامل: محمد إمام العبدالمعرف: 80641

محمد إمام العَبْد: شاعر مصري،آية في الظرف.

أجاد الشعر والزجل.

سوداني الأصل، فاحم اللون، ممتلئ الجسم طويل القامة.

بيع أبواه في القاهرة، وولد ونشأ ومات فيها.

وكان هجاء مقذعا في زجله، وديعا دمثا خفيف الروح في خلقه.

تعلم في إحدى المدارس الابتدائية، ولم يتزوج، وهو القائل: (أنا ليل، وكل حسناء شمس ...

فاقتراني بها من المستحيل!) واتصل بالشيخ محمد عبده ورثاه بقصيدة مطلعها: (فداك أبي لو يفتدى الحر بالعبد!) وكان خطيبا مفوها، تجري النكتة في بيانه فلا يمل سماعه.

عاش نحو 50 عاما أو دونها، وانهمك في كل موبقة، ومرض قبل موته بضعة أشهر.

له أزجال كثيرة في وصف ألعاب الكرة، وغيرها.

وكان (كابتن مصر) إلى سنة 1900 م، ثم انصرف عن اللعب وعكف على الأدب والكتابة في الصحف.

وأخباره مع حافظ وشوقي ومطران ومعاصريهم كثيرة.

ولمحمد محمد عبد المجيد، كتاب (إمام البؤساء - ط) في حياته، وشعره وأزجاله .

-الاعلام للزركلي- محمد إمام العبد (1862 ـ 1911م) لقد ثبت أن الشاعر محمد إمام العبد توفي في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي غير متجاوز الخمسين من عمره، وعلى هذا الاعتبار تكون ولادته وقعت في عام 1862م ووفاته سنة 1911م على وجه التقدير.

ولد إمام من عبدين رقيقين كانا جلبا من السودان، وبيعا لبعض الأثرياء وقد جمعتهما الأقدار برباط الزوجية فأنجبا محمد وحده، فورث عنهما السواد والدمامة والبؤس، نشأ في كنفهما يقتات بما يتساقط من فتاة الموائد وبقايا الصحاف، وكأن القدر القاسي لم يشأ أن يحرمه كل شيء فمنحه القوة الجسمية والبلاغة في المنطق والخفة في الروح، فكان رياضيًّا ممتازاً يصرع أقرانه لدى الصيال، وشاعراً مطبوعاً دانت له القوافي والأوزان، وخطيباً مفوهاً، وسميراً يؤنس سامعيه بنوادره العذبة، وقل أن يجتمع هذا كله في إنسان.

تلقى دراسته الابتدائية في مدرسة مدة قصيرة، ثم انقطع فجأة عن العلم دون أن يتم المرحلة الأولى، ولعله فعل ذلك ليتلقى دراسته الواسعة في ميدان الحياة بين صفحات الكتب وفي الحلقات الأدبية التي كان يقصدها المتأدبون لعهده بالأندية والمقاهي الشعبية، وفيها تخرج أكثر أدباء العهد الماضي من كتاب وشعراء.

التندر بسواده: كان لونه الأسود موقع التندر بين زملائه وعارفيه، فقاسى من جرائه كثيراً من ألوان التهكم والاستخفاف، وهذا ليس بعجيب، فقد ابتلي كثير من الأدباء قبله ببلواه فدافعوا عن أنفسهم أبلغ دفاع، وكان شاعر النيل حافظ إبراهيم أقسى المتهكمين لهجة وألذعهم سخرية، وكانت فكاهته معه تأخذ طريقها إلى الألسنة، وطالما وقعت بين الشاعرين جفوات متقطعة لما يلوكه حافظ من حديث إمام، ثم لا تلبث السحب أن تنقشع لما بينهما من صلات جمع بينهما الشعر والبؤس والفكاهة، وأكدها صفاء النفس ونقاوة الضمير.

مواهبه الأدبية: لقد اشتهر إمام بالشاعرية قبل صديقه حافظ إبراهيم، فكان حافظ في صباه يعرض عليه ما يفيض به خاطره من بيان، فيقوم إمام بصقله وتجويده وتزكيته، ثم مضت الأيام فإذا شاعر النيل يطير بشعره في آفاق الشرق العربي، وإمام البؤساء لا يجد من يروي قصائده، وينظر العبد إلى مكانه من صاحبه فيوسع عشاق حافظ لوماً وتسفيهاً كما يعلن أستاذيته له في كل ندوة يدور بها الحديث عن الشعر والشعراء.

لقد نظم إمام في الخمر أبياتاً رائعة صادفت هوى في الأسماع والقلوب، والواقع أن حافظاً كان مريضاً يعاينه إمام، فهو لا يرحمه بالسكوت عنه مهما بالغ في الترديد إليه، وكان لا يقصر تندره على قصائده وهي أثمن ثروة يعتز بها الشاعر، بل ينتقل إلى ملبسه ومأكله وهيئته، فيوسعه سخرية وعبثاً، وكان في طوق إمام أن يؤدب صاحبه ببأسه وصراماته، ولكنه كان في أكثر أحواله ينفق عليه ويقاسمه بما يمتلكه مما يدعو إلى التسامح والإغضاء.

ولم يكن حافظ وحده يستغل سواد إمام في تندره وسخريته، بل إن إماماً نفسه قد اتخذ منه مادة دسمة للحديث عن نفسه، فهو لا يفتأ يردده في قصائده وأزجاله، ويستلهمه كثيراً من المعاني الجياد، فإذا تحدث الشاعر عن بؤسه وفاقته دار حول سواده ودمامته، وإذا لفحه الحب تذكر سواده الفاحم فانتزع منه الخواطر المشجية، وهكذا يصبح السواد مركب النقص لديه يشعر به في ألم ومرارة فيسلمه أزمة القوافي والأوزان.

أما غزله المطبوع فيدور أكثره في قصائده على ما مني به من حلوكة دامية، وهو في كل مقطوعة يبتكر ويجدد.

لقد كان بؤسه الذي صحبه في حياته قد امتد إلى تاريخه، يكاد أن يأتي عليه والبؤس طاغية جبار، يصاول الأحياء في عنف وطغيان.

واستمع إلى غزله الفاتن إذ يقول: وهو تارة يعلن أن لونه لم يكن مسوداً قبل غرامه، ولكن لهيب الشوق أحرقه في قسوة فأحاله من البياض إلى السواد، وهو تعليل طريف مستملح، وفي ذلك قوله: ويلاحظ من غزله المرح أنه كان مشبوب العاطفة، صادق الصبوة، وقد تحاشا في شعره الجناس المستكرة والطباق الثقيل، واندفع إلى التعبير عن خواطره في سلاسة ونصوع، وحسبك أنه يطرب بعذوبة قوله: أو يقول: ورغم هذه المقطوعات الجياشة بالحنين إلى المرأة وللتشوق إلى ظلالها الوارفة وروضها البهيج، فقد قضى الشاعر حياته عزباً لم يتزوج، ولسنا نحار في تعليل ذلك، فتكاليف الزواج مرهقة لا يتحملها شاعر معدم، تتلوى أمعاؤه في أكثر أوقاته جوعاً وسغباً، ويتحرق إلى مسكن ضئيل يقيه برد الشتاء وحر الهجير، وقد كان الأدب في عهده لا يغني من جوع أو يدفع من فاقه.

إدمانه للخمرة: كان إمام العبد يتهالك على الشراب، وتلك حالة جديرة بالرثاء والإشفاق، وقد نظر إمام إلى الزواج ككارثة مروعة تؤجج اللوعة والحيرة في قلبه، وصوّر للقراء ما يعقبه من تبعات ومصاعب، وفيها ما يدل على قلقه واضطرابه: هكذا يئس الشاعر من الزواج، فلم يطرق بابه، وقد ادعى أن لديه مانعاً يحول دون زفافه، فهو كالليل الحالك وكل حسناء شمس منيرة، واجتماع الليل والشمس من ضروب المحال كما قال: وقد صور الشاعر فاقته وعدمه وأسهب في تبرمه وتوجعه لحالته، وكان يحز في كبده أن يجوع وتأكل الماشية، ويعرى وتكتسى الأضرحة، ولولا أنه كان يسري عن نفسه بمجالس السمر ومطارح الفكاهة لاحترق بما يشتعل في صدره من جحيم، وقد كان من القسوة الغليظة أن يلقبه الناس بالعبد وهو الأديب الحر العيوف، وماذا يصنع في لقب ورثه عن أبيه ولازمه كالظل، وقد تمنى الشاعر أن يكون قلمه سهماً مسدداً إلى فؤاده فيريحه مما يكابده من عناء، وتلك أمنية ترمض الجوانح وتدمي الجفون، إذ يقول: وأوجع من هذا أن يقول شاكياً فاقته نادباً مجتمعه الجائر: ومازال يتقلب على أشواك الحرمان حتى دهمته العلة بعد خمسين عاماً من عمره الجديب، وأحس أنه قريب من الموت فلم يأسف من الحياة على شيء غير يراعة العجيب، فطالما نفث بمداده السحر، وشنف بصريره الأسماع، فطفق يودعه في حرقة وتلهف وينشده الرثاء الباكي الذي ناح به على نفسه، وهو يصاول النداء الفتاك فيقول: أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الثاني – ص 451 - 453.

محمد إمام العبد | تراجم العلماء