أَبُو يزِيد بن مُحَمَّد بن مُرَاد أسن إخْوَته وَملك الرّوم الْمَاضِي أَبوهُ وجده اسْتَقر فِي المملكة بعد أَبِيه فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَقد زاحم الْأَرْبَعين وسلك طَرِيقَته فِي غَزْو الفرنج بِحَيْثُ استولى على بلدين لَهُم كَانَ سبق من أَبِيه محاصرته لَهما فَلم يتهيأ لَهُ وثار أَخُوهُ جَام فِي عَسْكَر انْتَمَى إِلَيْهِ حَتَّى دخل برصا وَملك قلعتها فبادر هَذَا لمحاصرته فَلم ينْهض ذَاك لمقابلته مَعَ التقاء العسكرين وفر إِلَى الديار المصرية فَأكْرمه السُّلْطَان وجهزه لِلْحَجِّ فِي أبهة وضخامة وَلما رَجَعَ كَاتبه بعض أمرائهم مغريا لَهُ على أَخِيه ووعده بِالْقيامِ فِي خدمته فاستمهله السُّلْطَان ليجهز مَعَه عسكرا فَمَا وَافق جلّ الْأُمَرَاء على ذَلِك بل أَشَارَ تغرى بردى ططر لإيداعه اسكندرية حَتَّى تسكن الْفِتْنَة فَمَا تمّ وَتوجه مَعَ تَركه أمه وبنيه بِالْقَاهِرَةِ فَلَمَّا قَارب الْبِلَاد خرج إِلَيْهِ أَخُوهُ فَلم يسْتَطع أَن يُقَابله وفر إِلَى جِهَة رودس فَأسر بهَا وَكَاتب صَاحبهَا كل من أَخِيه وَالسُّلْطَان ليجهزه لَهُ مَعَ الْوَعْد وَالتَّرْغِيب فَلم يجب وَآل الْأَمر إِلَى إرْسَاله من رودس إِلَى أقرنصا فِيمَا قيل وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ إِلَى الْآن فِي قَبْضَة الفرنج وَلَو قدر إِلْزَام السُّلْطَان لَهُ بِالْإِقَامَةِ كَفِعْلِهِ فِي أخى السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات وَفِي حفيد حسن باك أَو حَبسه لاندفع شَرّ كَبِير فقد جرت فِي غُضُون ذَلِك حوادث تلف فِيهَا رجال وأموال شرحت فِي محالها وَرَأَيْت من يذكرهُ باشتغال فِي الْعُلُوم وَأَنه قَرَأَ فِي شرح المواقف وَفِي المقامات ومقداماتها من كتب الْأَدَب وَأَنه رُبمَا نظم مَعَ سلوكه طَرِيق أَبِيه فِي تَعْظِيم الْعلمَاء والغرباء وَالْكَرم وتجديده لزوايا ومساجد وَغَيرهَا بل وأجرى المَاء من مَسَافَة نَحْو سِتَّة أَيَّام إِلَى اسطنبول وَكَثُرت لذَلِك فِيهَا السبل وعد ذَلِك فِي مآثره وصدقاته لأهل الْحَرَمَيْنِ واصلة وَصلَاته متواصلة وَهُوَ مَعَ هَذَا ممتهن لنَفسِهِ فِي لِبَاسه غير متأنق فِيهِ مَعَ عدم شكالته وَنقص شارته وإقباله فِيمَا قبل على مَا لَا يرتضي وَفَسَاد عقيدته وَآل أمره مَعَ سلطاننا إِلَى التظاهر بالمصادقة وَتَسْلِيم القلاع الَّتِي كَانَت سَببا للتنازع وَأهْدى كل مِنْهُمَا للْآخر مَا شرح فِي الْحَوَادِث فَالله يحسن الْعَاقِبَة.
ـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي.