عبد السلام بن زغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي، المعروف بديك الجن: شاعر مجيد، فيه مجون، من شعراء العصر العباسي.
سمي بديك الجن لأن عينيه كانتا خضراوين.
أصله من سلمية (قرب حماة) ومولده ووفاته بحمص (في سورية) لم يفارق بلاد الشام، ولم ينتجع بشعره.
له " ديوان شعر - ط " .
-الاعلام للزركلي- الشاعر ديك الجن الحمصي أصله ونشأته: هو عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله ابن رغبان بن زيد بن تميم، ولد سنة إحدى وستين ومئة، ولم يذكر التاريخ محل ولادته، ويقال: إن أصله من سلمية ومولده في مدينة حمص، ولقب بديك الجن لأطواره الغريبة.
كان من شعراء الدولة العباسية وكان يسكن حمص في دار واقعة في حي باب الدريب (بدخلة حارة الشرفا) بالساحة المعروفة (بصليبة العصياني) ما زالت معروفة بدار ديك الجن حتى الآن، ولم يبرح نواحي الشام ولا وفد إلى العراق ولا إلى غيرها من البلاد العربية منتجعاً بشعره ومتصدياً لأحد.
وقد أكد التاريخ زيارة أبي نواس الشاعر المشهور لصنوه الشاعر ديك الجن في حمص لما مر بها بطريقه إلى مصر لزيارة الأمير الخطيب ومدحه، فلما سمع ديك الجن بوصوله جلس في بيته ولم يظهر خشية التفوق عليه في قوافي الشعر فقصده أبو النواس إلى داره وهو متخفيا بها، فلما طرق الباب واستأذن بالدخول استقبلته جاريته وقالت ليس هو ههنا، غير أن أبا نواس الذكي عرف قصده فقال للجارية: قولي له: اخرج فأنت أشعر الإنس والجن، وفاتن أهل العراق بقولك: فلما سمع ديك الجن مدح صنوه الشاعر خرج إليه وتناجيا في الشعر، وكانا من مذهب واحد في الندامة والمرح والمجون والهيام بالجمال.
بكر بن رستم: وتعرف ديك الجن على غلام اسمه بكر بن رستم من حمص وافتتن به، وكان لا يفارقه، وجلسا ذات ليلة يتسامران إلى أن غاب القمر، فأنشد ديك الجن فيه: الحب الأول: كان ديك الجن شاعراً مجيداً سار على نسق أبي تمام والشعراء الشاميين في شعره، يحب آل البيت، متشيعاً لهم بجهر ووفاء، وله مراث كثيرة في الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وفد إلى حمص فطابت له الإقامة فيها، وشاءت الأقدار أن يكون في طريق حياته فتاة نصرانية حمصية تعرف عليها، وكان اسمها ورد بنت الناعمة، فامتلك جمالها الذي تغنى به ووصفه في شعره قلبه الكليم، وتمادى به الحب وطغى على شعوره، (وما القلب إلا للحبيب الأول)، فلما اشتهر أمرهما دعاها إلى الإسلام ليتزوج بها، فآثرته وأجابت رغائبه، فأسلمت وتزوجها، وفاض قلبه الزاخر بالحب، فقال يصف جمالها: ارتباك الحياة: بسم له الدهر في نوال من يحب، ثم عبس بوجهه فقضى شطراً من حياته في ضنك وعسر، ورأى في أحمد بن علي الهاشمي أمير سلمية ضالته المنشودة، فقصده وأقام عنده مدة طويلة، ولم يحدد التاريخ في سيرة هذا الشاعر مدة إقامته في حمص أو سلمية أو دمشق عندما فر إليها بعدما قتل زوجته وردة، ولابد من تعليل استطرادي لجلاء بعض الغوامض بالأدلة العقلية المقبولة.
لقد قضى ديك الجن عهداً طويلاً في حمص قبل حبه، وخلال فترة التعارف والحب، وبعد الزواج ممن أحب، وهذه الفترة لا تقل عن بضع سنين، وليست فترة استطراق كما يظن البعض أن المزار قريب بين سلمية وحمص، وليس من المعقول أن ينقطع هذا الشاعر العاشق الولهان عن محبوبته فتمتد إقامته في سلمية مدة سنين دون أن يتردد على حمص بين فترة وأخرى لزيارة زوجته ولا معيل لها سواه، ولا يأتمن بأحد، وله في الحياة نظرة خاصة.
الدس والتآمر: وبينما كان هذا الشاعر المحب يقيم في سلمية وهو على جمر الغضا، وقد ترك فؤاده لدى من أشغله في حمص، إذ بلغ مسامعه ما يشين شرفه، فصعق للخبر واستأذن أحمد بن علي بالرجوع إلى حمص فأذن له، فقد أرجف ابن عمه أبو الطيب لأسباب لا تخرج عن نطاق الكيد والدس المفروض وقوعه في الجو العائلي لزواجه من امرأة لم يرض عنها ابن عمه، وأذاع هذا المرجف على وردة أنها تهوى غلامه بكر بن رستم، وأشاع ذلك بين أهل بيته وجيرانه وإخوانه، وانتظر ابن عمه وقت قدوم ديك الجن، فأرصد له في الطريق من يعلمه بموافاته باب حمص، فلما وصل ديك الجن بابها خرج إليه مستقبلاً له ومعنفاً إياه على تمسكه بامرأته بعد ما شاع ذكرها بين النساء، وأشار عليه بطلاقها، وأعلمه أنها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به المقام عليها، ودس الرجل الذي رماها به وقال له: إذا قدم ديك الجن ودخل منزله فقف على بابه كأنك لم تعلم بقدومه فناد باسم وردة، فإذا قال: من أنت؟ فقل: أنا فلان، وكانت المؤامرة محكمة الإتقان، فلما نزل الشاعر منزله وخلع ثيابه سألها عن ما شاع عنها وأغلظ عليها، فأجابته جواب من لم يعرف من القصة شيئاً، فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل المدسوس لتمثيل هذا الدور باب داره، فقالت وردة: من هذا؟ فقال الطارق: أنا فلان، فقال لها زوجها: زعمت أنك لم تعرفي من الأمر شيئاً، ثم تسرع فاخترط سيفه فضربها حتى قتلها، وروي أن صديقه بكراً كان في البيت فقتله معها، وفي ذلك يقول: وقال أيضاً: نزوحه إلى دمشق: ولما شاع خبر هذه الجناية بين أولي الأمر هاله الموقف وندم على تسرعه بعد أن تجلت براءة امرأته وطهارة شرفه، ونزح إلى دمشق فأقام فيها، وكتب صديقه أحمد بن علي أمير سلمية إلى أمير دمشق أن يؤمنه، وقد تجمل به إخوانه فاستوهبوا جنايته، فعاد إلى حمص ووقف على تفاصيل المؤامرة المحكمة التي مثل أدوارها ابن عمه المرجف، واعترف بتفاصيل المؤامرة التي نسج خيوطها، فأضناه الندم ومكث شهراً لا يستفيق من بكائه ونحيبه، ولا يأكل من الطعام إلا ما يقيم رمقه، وقال في ندمه على قتلها: ومكث في بيته منقطعاً عن الناس يستعيد ذكريات من أحبها وهي لا تبرح من مخيلة أفكارة في اليقظة والمنام، وقال فيها: واشتد به الأسى والألم، ولم ير من كان حوله سبيلاً إلى سلوانه، فإذا أنشد يرثيها بكى الناس، ومن قوله فيها: وفاته: لقد عاش ديك الجن بضعاً وسبعين سنة، وتوفي في أيام المتوكل سنة خمس أو ست وثلاثين ومئتين هجرية، ودفن في حمص، رحمه الله وعفا عنه.
أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 19 - 21.