عبد الباقي بن سليمان بن أحمد العمري الفاروقي الموصلي: شاعر، مؤرخ.
ولد بالموصل، وولي فيها ثم ببغداد أعمالا حكومية، وتوفي ببغداد.
له (الترياق الفاروقي - ط) وهو ديوان شعره، و (نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر) و (نزهة الدنيا - خ) ترجم فيه بعض رجال الموصل من معاصريه، و (الباقيات الصالحات) قصائد في مدح أهل البيت، و (أهلة الأفكار في مغاني الابتكار) من شعره .
-الاعلام للزركلي- عبد الباقي العمري الفاروقي أصله ونشأته: هو المرحوم عبد الباقي بن سليمان بن أحمد بن علي المفتي بن مراد، ولد في الموصل سنة ١٧٨٩ م من خير الكرائم وترعرع في حجر أبيه، ودرس شتى العلوم على أعلام عصره، وفي العشرين من عمره انتدبته حكومة الموصل يقوم بأعظم شؤونها وتقلد فيها منصب الكتخدانية.
اجتماعه بوالي بغداد: وكان تعيين والي الموصل بإنهاء والي بغداد، فاختار أعيان الموصل المترجم للتوجه إلى داوود باشا والي بغداد ليسعى في تولية يحيى باشا والياً على الموصل، وكان داود باشا الوزير القاهر على جانب عظيم من العلم والجبروت، حتى ان وجوه بغداد كانت لا تستطيع مقابلته إلا في يوم الجمعة، فحين استأذنه المترجم بالدخول عليه أجلسه إلى جانبه، وبعد أن شرب القهوة سأله أمنياته ورغائبه فأجابه بهذين البيتين وفيهما المضمون: يامليك البلاد منيتي حا شاك مثلي يعود منك كسيرا أنت هرون وقته ورجائي أن أرى في حماك يحيى وزيرا فاستحسن الوالي قوله وأمر بتحرير الانهاء.
عصيان داوود باشا: وبعد أعوام شق داوود باشا والي بغداد عصا الطاعة على السلطان محمود خان، وكان في ذلك الوقت قاسم باشا الفاروقي وهو ابن عم صاحب الترجمة والياً على الموصل، فأتاه الأمر بتجهيز الجند والمسير إلى بغداد وفتحها والقبض على الماليك والوالي داوود باشا، وسار قاسم باشا إلى بغداد وبصحبته المترجم، وطلب الى المماليك تسليم داوود باشا فاذعنوا فسار إليهم نفر قليل من الجند، فغدروا وهجموا على عسكر الموصل فاقتتل الفريقان، وأسفرت المعركة بفوز قاسم باشا واستسلام الثائرين، ثم عين اللاظ علي باشا والياً على بغداد، فلما وصل الموصل استصحب المترجم معه للاستفادة من فضله وعلمه، فولاه منصب الكتخدائية ، فكان تارة يشتغل بوظائف الحكومة ويقلد جيد الدهر في نظمه ونثره عقود الآلي، حتى فاق على بلغاء العراق وأدبائه وخطبائه.
وانتدبته الحكومة لإخماد القتال الذي دار بين قبيلتي (الزكرت والشمرت) فتوجه إليهما بقوة كبيرة من الجند وحقق اللّٰه أمنيته وكنت الفتنة.
تآليفه: من تأليفه ديوانه المسمى ب (الترياق الفاروقي) وديوان (آهلة الأفكار في مغاني الابتكار) و (نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر) ولما قبض على داود باشا لتسفيره للآستانة، وصادف عزم المترجم بالتوجه الى الموصل رافق الباشا المشاراليه والمحافظين عليه، وكان محمولاً على بغلة فعثرت به وقال المترجم بداهة (عدس) فاستبشر داود باشا وتفاءل خيرا بعد أن تذكر البيت المشهور عدس مالعباد عليك امارة يمنّ وهذا تحملين طليق فتعجب الوالي الثائر من سرعة خاطر المترجم وعلمها مقصودة منه، فشكر له هذا الفأل الحسن المزيل عن القلب الحزن وكان كما اشار حيث عفي عنه.
شعره: اشتهر رحمه اللّٰه بالغوص في بحار القوافي مفتشاً عن أصداف الفرائد في عبابها وبخوض غمار الاستغراق مستخرجاً لتنظم القلائد من لؤلؤها ومرجانها ويفتش عن المعاني الدقيقة ليرصع بها كلماته الرشيقة.
ومن شعره الرصين البديع تخميسه القصيدة الهمزية المشهورة حيث قال: لعلى الرسل عن علاك انطواء وأولو العزم تحت شأوك جاؤا ولمرقاك دانت الاصفياء كيف ترقى رقيك الانبياء ياسماء ماطاولتها سماء خبر المبتدا لهم عنك صحّا حيث للعرض جئت ختماً وصحا فالنبيون والذي لك اوحى لم يساووك في علاك وقدحا لسنا منك دونهم وسناء وقرض علامة عصره الشاعر المرحوم عبد الله العمري الموصلي هذه القصيدة فقال: فزت بالفخر أيها الزوراء ولك المجد والعلا والهناء فيك برج الكمال أطلع بدراً خفيت عند ضوئه الاضواء ومنها: ذاك عبد الباقي الذي قد تباهت بعلاه الأبناء والآباء وقال فيها الشاعر الأديب المرحوم محمد أمين العمري.
إن هذا التخميس صنع بليغ عجزت عن صنعه البلغاء كل بيت من ذا القصيدة ازدا ن كم ازدان بالنجوم السماء ومن غزله البديع قوله: بروحي غريراً بالرصافة قلبه لدى ظبية لمياء خلفة رهنا وقالبه بالكرخ علم أهله فنون جنون وهو في غيرهم جنا له في الهوى العذري عذر اذا لوى لبان الهوى عطفاً وحن إلى المغنى ومنها: يميت ويحيي هجره ووصاله فلي قربه أبقي ولي بعده أفنى نحوراً بلا عقد كؤوس بلا طلى جسوماً بلا روح حروفاً بلا معنى وخمس القصيدة الشهيرة المنسوبة للسموأل بن عاديا في الحماسة فقال: لمجدى حمى لا ينبت اللؤم روضه ولا وطنت في اخمص اللؤم ارضه فقلت وفضفاضي تسلسل حوضه إذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل ولي نفس حر تمنع العين نومها وتعتاد عما يوجب الذم صومها وليس الفتى الا من اعتاد لومها وان هو لم يحمل عن النفس ضيمها فليس الى حسن الثناء سبيل يعد بألف من شيوخ وليدنا أجل وبمن تحت السموات صيدنا ومذ جهلت ان الانام عبيدنا تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها ان الكرام قليل وفاته: رحل إلى عالم الخلود في بغداد سنة 1278 ه 1862 م وكأنه أوتي علم الغيب فأرخ بنفسه عام وفاته قبل وفاته بسنين، وهذا نص التاريخ المكتوب على قبره: بلسان يوحد اللّٰه أرخ ذاق كأس المنون عبد الباقي - ١٢٧٨ه ورثاه ناصيف اليازجي وولده ابراهيم، كل واحد بمرثية بليغة، فأجابهما ولده سليمان بهذين البيتين وكان شاعراً مجيداً.
أبنتما، لابنتما سيداً نحن الى تأبينه نحنو لو لم تكن قدسية روحه لما رثاه الاب والابن وتفرع عنه أعيان كرام، ووجوه اعلام، تسلموا أعلى مراتب الدولة فأنجب سليمان وحسين حسني ومحمد وجيهى وعلي.
أعلام الأدب والفن – أدهم الجندي ج 2 ص 167 عبد الباقي العمري (شاعر العراق) بقلم سليمان البستاني هو عبد الباقي العمري الفاروقي الموصلي، الشاعر الشهير المولود بالموصل سنة ١٢٠٤ﻫ/١٧٩٠م، والمتوفَّى ببغداد سنة ١٢٧٨ﻫ/١٨٦٢م، يتصل نسب أبيه سليمان العمري بالخليفة عمر بن الخطاب، ولهذا يعرف هو وسائر أبناء أسرته بالعمريين والفاروقيين.
ولهم وجاهة ومكانة سامية في بلدتهم الموصل وسائر بلاد العراق، وبيتهم بيت علم وفضل، أنتج كثيرين من الشعراء والأدباء .
وقد اتصف عبد الباقي منذ صغره بالحذق والذكاء، واشتغل بالأدب ونظم الشعر وهو بعدُ فتى، وتقلَّد المناصب السامية ولم يتجاوز العشرين من عمره، وكان أعيان الموصل ينتدبونه لعظام المهام، ويوجهونه في معضلات الأمور، فاشتهر أمره لدى الولاة والحكام.
وكان تعيين والي الموصل في تلك الأيام منوطًا بوالي بغداد قبل أن يقره الباب العالي على ولايته.
واتفق انفصال والي الموصل في أثناء ولاية داود باشا على بغداد، فانتدب أعيان الموصل عبد الباقي للتوجه إلى بغداد، والتوسط بتعيين يحيى باشا، فسار إلى بغداد.
وكان داود باشا من أهل العلم ومروِّجي بضاعة الأدب، فأكرمه وسأله عن سبب قدومه فأجابه بهذين البيتين : يا مليك البلاد أمنيتي حا شاك مثلي يعود منك كسيرا أنت هارون وقته ورجائي أن أرى في حماك يحيى وزيرا فاستحسن داود باشا ذلك، وبادر إلى طلب الوزارة ليحيى باشا.
وبعد أعوام انتقض داود باشا على الدولة، وكان والي الموصل إذ ذاك قاسم باشا ابن عم صاحب الترجمة، فأتته الأوامر من الآستانة بالمسير في جيش كثيف إلى بغداد والقبض على المماليك، وداود باشا من جملتهم، فسار قاسم باشا إلى بغداد يصحبه عبد الباقي، فأظهر المماليك الطاعة حتى أتاهم قاسم باشا بنفر قليل فغدروا به، ورجع عسكر الموصل ومعه عبد الباقي.
فسيرت الدولة علي باشا اللاز من الآستانة إلى بغداد لقمع ثورتها وقتل داود باشا، فلما بلغ الموصل ورأى صاحب الترجمة أعجب بذكائه واصطحبه معه إلى بغداد.
ولما استتب له الأمر وقبض على داود باشا أقرَّ عبد الباقي وقلده أسمى مناصبها، وجعله كتخدا الولاية؛ أي: معاونًا له، وبقي من ثم في بغداد إلى آخر أيامه.
وكان نافذ الكلمة مَرْعِيَّ الجانب، يعهد إليه الولاة بالمهام الخطيرة، وهو على اشتغاله بخدمة حكومته يصرف همه في أثناء العطلة والفراغ للاشتغال بالآداب، ومجلسه حافل بالأدباء وسراة الأعيان .
وكان (رحمه الله) شاعرًا مجيدًا، قوي البديهة، سريع الخاطر، متفننًا في شعره، ميالًا إلى التصوف، كثير المدح لآل البيت، محبًّا لعلماء عصره وأدبائهم، بارًّا بهم وبغيرهم من ذوي الحاجات، ومن مؤلفاته : (١) ديوان أهلة الأفكار في معاني الابتكار.
(٢) نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر.
(٣) ديوان طبعه بمصر الشيخ عثمان الموصلي وسماه «الترياق الفاروقي من منشآت الفاروقي»، وذيله بترجمة له مُسْهَبة، لخصنا منها معظم ما تقدم.
وحسبنا أن نورد مثالًا من شعره مقطوعة نظمها عندما شخص بباخرة من بغداد إلى الكوفة يؤم ضريح الإمام علي بن أبي طالب : بنا من بنات الماءِ للكوفة الغرَّا سبوح سرت ليلًا فسبحان من أسرى تمدُّ جناحًا من قوادمه الصبا تروم بأكناف الغري لها وكرا كساها الأسى ثوب الحداد ومن حلى تجملها بالصبر لاعجها أجرى جرت فجرى كلٌّ إلى خير موقفٍ يقول لعينيه قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى وكم غمرة خُضْنا إليه وإنما يخوض عباب البحر من يطلب الدرَّا نؤمُّ ضريحًا ما الضراح وإن علا بأرفع منه لا وساكنه قدرا حوى المرتضى سيف القضا أسد الشرى عليَّ الذرى بل زوج فاطمة الزهرا مقام عليٍّ شرف الله وجهه مقام عليٍّ ردَّ عين العلى حسرى أثير مع الأفلاك خالف دوره فمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضرا أحطنا به وهو المحيط حقيقة بنا فتعالى أن نحيط به خبرا تطوف من الأفلاك طائفة به فتسجد في محراب جامعه شكرا وحزب من العالين يهتف بالثنا عليه بوحي كدت أسمعه جهرا جدير بأن يأوي الحجيج لبابه ويلمس من أركان كعبته الجدرا حريٌّ بتقسيم الفيوض وما سوى أبي الحسنين الأحسنين بها أحرا ترى منه بالدنيا الثراء لمترب وللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرى بأهداب أجفان وأحداق أعين وجرِّ وجوه عفرتها يد الغبرا أمطنا القذى عن جفن وجه مذكر أجلَّ سيوف الله أشهرها ذكرا فوالله ما ندري وقد سطع السنا جلونا قرابًا أم جلينا له قبرا وخلف عبد الباقي ثلاثة أبناء: سليمان فهيم أفندي، وحسين حسني بك، ومحمد وجيهي بك، أقام الأول في الموصل، وأما الأخيران فإنهما قدما مصر سنة ١٢٨١ﻫ وتنقلا أعوامًا في أسمى مناصب الحكومة المصرية .
تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، تأليف جُرجي زيدان، ج/2 – ص: 315 – 317.