لطفي بن محمد بن يونس الدمشقي

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 1005 هـ (1596م)الاسم الكامل: لطفي بن محمد بن يونس الدمشقيالمعرف: 62068

لطفي بن مُحَمَّد بن يُونُس الْكَاتِب الدمشقى الاديب البليغ الْفَائِق الْمَعْرُوف بالبصير كَانَ فى الذكاء وَقُوَّة الحافظة مِمَّا يقْضى مِنْهُ بالعجب وَلم يكن فى زَمَنه من يماثله فى الحذق وَقُوَّة البراعة وَسُرْعَة الِانْتِقَال والبديهة وَشدَّة الْحِفْظ ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فى نعْمَة أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ كَاتبا فى الْعِمَارَة السليمانية بالميدان الاخضر وَكَانَ ذَا ثروة عَظِيمَة يضْرب بِهِ الْمثل فى كَثْرَة المَال وجده يُونُس رومى ورد فى خدمَة السُّلْطَان سليم لما جَاءَ الى دمشق واستخلصها من أيدى مُلُوك الجراكسة وَأما لطفى هَذَا فان وَالِده مَاتَ وَهُوَ فى سنّ خمس وَعشْرين تَقْرِيبًا وَخلف لَهُ مَا ينيف على عشْرين ألف دِينَارا وَمن الملبوس الفاخر والاملاك شَيْئا كثيرا فسلك أَولا طَرِيق الْعلم فَقَرَأَ ودأب وَأخذ الصّرْف والنحو والمعانى عَن الْعَلامَة الْكَبِير عَلَاء الدّين بن عماد الدّين الاحدب وَأخذ الْفِقْه والاصول عَن عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر والْحَدِيث وَالتَّفْسِير عَن الْبَدْر الغزى وأتقن فنونا كَثِيرَة وتأدب كثيرا ونقلت من خطّ الْحسن البورينى أَنه رافقه فى الْقِرَاءَة على فَاضل الشرق الْعِمَاد السمرقندى لما ورد دمشق صُحْبَة الْوَزير حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا قَالَ وقرأنا عَلَيْهِ المعقولات فتشاركا فى هِدَايَة الْحِكْمَة والمنطق والهيئة وَكُنَّا كل يَوْم نَقْرَأ عَلَيْهِ فى درس وَاحِد وَذَلِكَ فى فن وَاحِد لَا غير وفى يَوْم آخر نَقْرَأ دروسا فى غير ذَلِك وَكَانَ ذَلِك الدَّرْس الْوَاحِد يطول من كَثْرَة التحقيقات من مطلع الشَّمْس الى وسط النَّهَار وَكَانَ الْعِمَاد الْمَذْكُور فى المعقولات كالسعد التفتازانى فى عصره فاستمرت قراءتنا عَلَيْهِ فى تِلْكَ الْفُنُون الثَّلَاثَة مُدَّة ثَلَاث سِنِين انْتهى ثمَّ بعد ذَلِك تنقلت بلطفى الاحوال وابتلى فى بَصَره من كَثْرَة الرمد والوجع فَقل نظره جدا من تراكم الوجع على عَيْنَيْهِ فَكَانَ لَهُ شوق لحفظ كَلَام الله تَعَالَى قيل انه اشْترى جَارِيَة حسناء وَكَانَت تقْرَأ الْقُرْآن أحسن قِرَاءَة فحفظه مِنْهَا أتم حفظ وَكَانَ لَهُ طلبة يطالعون لَهُ الْكتب بِأُجْرَة وَهُوَ يحفظ مَا يسمع من الْعبارَات من قراءتهم حَتَّى حفظ كتبا كَثِيرَة فى سَائِر الْفُنُون فَصَارَ آيَة عَظِيمَة فى جَمِيع الْفُنُون خُصُوصا فى فنون الادب برمتها وَكَانَ اذا أَرَادَ ايراد شئ من هَذِه الْفُنُون يملى الْعبارَات كَمَا هى من حفظه ثمَّ ترك الْقِرَاءَة واشتغل بهوى نَفسه وعاشر الْقَيْنَات والغلمان وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه تعشق وَلدين للشرفى يحيى بن شاهين الصالحى أَحدهمَا يدعى ابراهيم وَالْآخر درويشا وَكَانَا بارعين فى الْجمال وَصرف عَلَيْهِمَا جَمِيع مَا اقتناه من تراث أَبِيه وَكَانَ يُوقد بحضرتهما فى مجْلِس المدام ثَلَاث شمعات من الشمع العسلى وَيَضَع فى كل وَاحِدَة مَا يزِيد على خمسين دِينَارا فَكلما ذاب مِنْهَا شئ يسْقط دِينَار فيتناوَله أحد الغلامين ودام على هَذَا زَمَانا حَتَّى فقد مِنْهُ المَال وأثرى ابراهيم وَصَارَ ذَا دَائِرَة وَاسِعَة وبقى هُوَ صفر الْيَدَيْنِ وَآل أمراه الى بيع جَمِيع مَا تَركه لَهُ وَالِده من الاملاك ثمَّ تنْقَلب بِهِ الاحوال الى أَن صَار فى آخر عمره يقف فى بعض أسواق دمشق ويستجدى وَبلغ من الْفقر والخصاصة الى حَالَة فظيعة وفقد الملبوس وَمِمَّا يرْوى لَهُ من الشّعْر قَوْله وَبعث بهَا الى معشوقه ابراهيم بعد خصاصته (بروحى الدى عَنى غَدا متمنعا ...

وَكنت بِهِ دون الورى مُتَمَتِّعا) (وَكَانَت ليالى السعد تسعدنى بِهِ ...

وَكُنَّا كَمَا شَاءَ الْهوى دَائِما مَعًا) (رعى الله هاتيك الليالى فانها ...

لَيَال بهَا غرس الْهوى لى أينعا) (لَيَال كَانَ الدَّهْر طوع يدى بهَا ...

وَكَانَ الذى أهواه لى مِنْهُ أطوعا) وَكتب الى صديق لَهُ يطْلب مِنْهُ حبرًا (أيا من تضوع افكاره ...

كمسك فيخجل عطاره) (تصدق على بمقلوب ضد تَصْحِيف قولى خبت ناره) وقرأت بِخَط عبد الْكَرِيم الطارانى وَمِمَّا أنشدنى لطفى الْبَصِير من محفوظه بيتان من شعر الْعَلامَة الْعِمَاد الحنفى كَانَ نظمهما مؤرخا بهما قناة بناها وَالِد لطفى مُحَمَّد بِالْقربِ من دَاره بَاطِن دمشق بمحلة بَين الطوالع بِالْقربِ من مدرسة الْعَادِل بن أَيُّوب وَأتم بناءها فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة ونقشهما فى بلاطة من الرخام ركبهَا فى أَعلَى الْقَنَاة وهى يَوْمئِذٍ مَوْجُودَة وهما (مُحَمَّد قد بنى سَبِيلا ...

للخير يَرْجُو بِهِ سَبِيلا) (فجَاء تَارِيخه شرابى ...

حلا طهُورا وسلسبيلا) وَكَانَت وَفَاة لطفى فى سنة خمس بعد الألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير.

ــ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.

لطفي بن محمد بن يونس الدمشقي | تراجم العلماء