وَمِمَّنْ تعانى الْعلم وَالْعَمَل وَحصل وكمل فالتحق فِي شبابه بالمشايخ الكمل الشَّيْخ محيي الدّين الشهير بيركيلو كَانَ رَحمَه الله من قَصَبَة بالي كسْرَى وَكَانَ ابوه رجلا عَالما من أَصْحَاب الزوايا وَلَا غرو فِيهِ فان فِي الزوايا خبايا وَنَشَأ المرحوم فِي طلب المعارف والعلوم وَوصل الى مجْلِس الْعِظَام وَدخل محافل الْكِرَام وَعَكَفَ على التَّحْصِيل والافادة من الافاضل السَّادة مِنْهُم الْمولى محيي الدّين المشتهر بأخي زَاده وَصَارَ ملازما من الْمولى عبد الرَّحْمَن اُحْدُ قُضَاة الْعَسْكَر فِي عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ غلب عَلَيْهِ الزّهْد وَالصَّلَاح ولاح فِي جَبينه آيَات الْفَوْز والفلاح فتحول عَن مضايق الشكوك الى مسارح السلوك واتصل بِخِدْمَة المرشد السَّامِي الشَّيْخ عبد الله القرماني البيرامي فخدمه مُدَّة بِحسن الارادة واستفرغ مجهوده فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة ثمَّ امْرَهْ شَيْخه بالعهود والاشتغال بمدارسة الْعُلُوم ومذاكرة الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم والتصدي لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرَات والوعظ بالزواجر الزاجرات وَحصل بَينه وَبَين الْمولى عَطاء الله محبَّة اكيدة ومودة شَدِيدَة فَأقبل بِحسن الِالْتِفَات عَلَيْهِ وَبنى مدرسة فِي قَصَبَة بركى وفوض تدريسها اليه وَعين لَهُ كل يَوْم سِتِّينَ درهما فَكَانَ رَحمَه الله يدرس تَارَة ويعظ اخرى بِمَا هُوَ اليق واحرى قَصده النَّاس من كل فج عميق وَأَوَى اليه الطّلبَة من مَكَان سحيق وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الطلاب وَاشْتَغلُوا عَلَيْهِ من كل فصل وَبَاب واكب هُوَ على الِاشْتِغَال بيومه وأمسه وانتفع النَّاس بوعظه ودرسه فكم من أَسِير فِي غيابة الْجَهَالَة مُقَيّد بسلاسل الشؤون والبطالة نَالَ بِسَبَبِهِ من شرف الْعلم وعزه مَا ناله وَكم من تائه بمهامه هَوَاهُ عَاد الى السَّبِيل بهداه كَانَ رَحمَه الله فِي طرف عَال من الْفضل والكمال وتتبع الْكتب والرسائل وَجمع الْقَوَاعِد والمسائل وَجمع الْعلم وتبحر فِيهِ وحوى من الْفضل والمعرفة مَا يَكْفِيهِ شرح مُخْتَصر الْبَيْضَاوِيّ فِي النَّحْو وَكتب متْنا لطيفا فِي علم الْفَرَائِض وَله فِي الحَدِيث وَتَفْسِير الْقُرْآن وَالْفِقْه تعاليق ورسائل اخترمته دونهَا الْمنية ففاته حُصُول الامنية وَكَانَ رَحمَه الله آيَة فِي الزّهْد والصيانة وَنِهَايَة فِي الْوَرع والديانة رَأْسا فِي التجنب والقوى متمسكا بِمَا هُوَ أتم وَأقوى قَائِما على الْحق فِي كل مَكَان يرد على من خَالف الشَّرِيعَة كَائِنا من كَانَ لَا يهاب احدا لعلو رتبته وسمو مَنْزِلَته جَاءَ فِي آخر عمره الى قسطنطينية وَدخل مجْلِس الْوَزير مُحَمَّد باشا وَكَلمه فِي قمع الظلمَة وَدفع الْمَظَالِم بِكَلِمَات اُحْدُ من السيوف الصوارم وملأ بفرائد المواعظ ذَلِك النادي وَلَكِن لَا حَيَاة لمن يُنَادي وَكَانَ المرحوم لَا يرى الِاسْتِئْجَار على التِّلَاوَة وَتَعْلِيم الْعُلُوم ويباحث فِيهِ مَعَ الفحول بالمنقول والمعقول وَتُوفِّي رَحمَه الله فِي شهر جُمَادَى الاولى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ مكب على الزّهْد وَالْعِبَادَة كتب الله لَهُ الْحسنى وَزِيَادَة العقد المنظوم فِي ذكر افاضل الرّوم على هامش الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية - المؤلف: عصام الدين طاشْكُبْري زَادَهْ.