وَمن الْعلمَاء والفضلاء والمشايخ ابو سعيد ابْن الشَّيْخ صنع الله كَانَ الشَّيْخ صنع الله الْمَذْكُور من قَرْيَة لوزه كنان من اعمال تبريز وَقد اشْتغل هُوَ وَالْمولى عبد الرَّحْمَن الجامي على الشَّيْخ عبيد الله النقشبندي قدس سره الْعَزِيز فَحصل عِنْده مَا حصل من الشرافة ودام فِي خدمته حَتَّى شرفه بالاذن والخلافة وَلما رَجَعَ من خُرَاسَان الى بِلَاده واشتغل بالارشاد والافادة اجْتمع عَلَيْهِ الْكثير من ارباب الطّلب والارادة الى ان نبت فِي تِلْكَ النواحي بذور الالحاد وفاش وَظَهَرت الطَّائِفَة الْمَعْرُوفَة بقزلباش فطغوا فِي الْبِلَاد فاكثروا فِيهَا الْفساد فَخرج المرحوم الى ديار الاكراد وَأقَام مُدَّة فِي يدليز ثمَّ اعاده حب الوطن الى تبريز وَلما وقف على رُجُوعه ذَلِك الرجل الرذيل رَئِيس تِلْكَ الطَّائِفَة الطاغية اسمعيل عزم على قَتله وزجره فَطَلَبه من فوره وَلما دخل عَلَيْهِ لم يسْجد لَهُ على مَا هُوَ الْعَادة لمن دخل عَلَيْهِ وَمثل بَين يَدَيْهِ وخاطبه بِغَيْر الْخَوْف والخشية والوحشة فَوَقع على اسمعيل مِنْهُ هَيْبَة عَظِيمَة ودهشة وَبعد ذَلِك تكلم فِي خلاصه صَدره مير جمال الدّين الاصفهاني فَلم يقدم على قَتله ورده سالما الى منزله وَولد فِي تبريز الشَّيْخ ابو سعيد الْمَزْبُور وَقَالَ فِي تَارِيخ وِلَادَته جمال الدّين المسفور (شعر فَارسي) هشتم دي قعده نهصد وبيست ...
متولد بساعة خير سِتّ بوسعيدي ماكه داد خدا ...
ثَانِي بو سعيد بو الْخَيْر سِتّ ...
فَلَمَّا شب ودب وَبلغ ابان الطّلب قرا على الْعلمَاء الاعلام وفضلاء الاعجام مِنْهُم الْفَاضِل الْمَشْهُور مير غياث الدّين الْمَنْصُور الى ان بلغ مبلغ الرِّجَال وَشهد لَهُ اساتذته بِالْفَضْلِ والكمال وبالغوا فِي مدحه وثنائه وفرط ذكائه وَلما خرج منلا احْمَد الْقزْوِينِي الى بِلَاد الرّوم فِي صُورَة الْحَاج اراد الشَّيْخ ابو سعيدالخروج مَعَه فِي هَذِه الصُّورَة فحبسه طهماسب شاه وجبهه مَعَ عَم لَهُ وصادرهما بِعشْرَة آلَاف دِينَار ووكل بهما من يقبض مِنْهُمَا الْمبلغ المرقوم فوضعوا ايديهم على املاكه ورباعه وباعوها بارخص الاثمان وَسعوا فِي اتلافها بِقدر الامكان فَلم يبلغُوا الْمبلغ الْمَزْبُور فعرضوا الْقِصَّة على طهماسب فَأمر بتعذيبما بانواع الْعَذَاب وَلم يقصروا حَتَّى قطعُوا لحومهما بالكلاب وأطعموها قدر سنة للكلاب فرحمهما بعض من وكل بهما فسامح فِي الْحِفْظ والمراقبة فهرب الشَّيْخ ابو سعيد وَوصل الى اردبيل وخلص نَفسه من الْعَذَاب الوبيل فانه من دخل بهَا ينجو من اذاهم وان كَانَ من اكبر عداهم وَكَانَ عَمه شَيخا كَبِيرا فَلم يُمكنهُ الْهَرَب فَبَقيَ فِي ايديهم اسيرا وكسيرا وَقَرَأَ المرحوم فِيهَا ملى منلا حُسَيْن واشتغل عِنْده قدر سنتَيْن وَلما قصد السُّلْطَان الاعظم سُلَيْمَان خَان الْمُعظم الى فتوح ديار الْعَجم وَسَار حَتَّى وطىء بخيله وَرجله هَذِه الْبِلَاد ليستأصل مَا فِيهَا من ارباب الزيغ وَالْفساد وانقض صقور الاروام على عصافير الاعجام فَتَفَرَّقُوا من سطوتهم تفرق الاغنام عِنْدَمَا حمل عَلَيْهَا اسودالاجام ففرح مِنْهُ الشَّيْخ الْمَزْبُور وزاح غمه وتخلص من ايدي الظلمَة عَمه وصمما الْخُرُوج الى ديار الرّوم وعزما على السّفر فالتحقا بالعسكر المظفر فسارا بهم وعادا مَعَهم الى الرّوم فِي ايابهم وَلما وصلوا الى آمد توفّي عَمه فازداد بالوحدة همه وغمه وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَلما وصل الى حلب عين لَهُ من جَانب السُّلْطَان كل يَوْم عشره انصاف فاستقلها الشَّيْخ الْمَزْبُور فاستجاز لِلْحَجِّ وَكَانَ فِي قلبه الذّهاب الى الْهِنْد لما بَينه وسلطانه من معارفة قديمَة ومحبة اكيدة فَوقف عَلَيْهِ الْوَزير الْكَبِير رستم باشا فاستماله وَطيب قلبه واستصحبه الى قسطنطينية وَعين لَهُ خَمْسَة عشر درهما ثمَّ زَاد فِي وظيفته فَصَارَت خَمْسَة وَثَلَاثِينَ وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عندالخواص والعوام وترادفت عَلَيْهِ العطيات وتكررت الترقيات حَتَّى بلغت وظيفته فِي وزارة عَليّ باشا الى مائَة وَكَانَ ذَلِك سنة احدى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَحج رَحمَه الله سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بقسطنطينية فِي اوائل جمادي الاولى سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بحظيرة الشَّيْخ وفا وَقَالَ فِيهِ بعض احبائه شعر فَارسي ...
جون شيخ ابو سعيدمرحوم ...
زين دَار فَنًّا بآبروشد ازبس كه وفانمودبا خلق ...
ميدان وفا ازان اوشد ...
كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا مدققا محققا جَامعا بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول حاويا للفروع والاصول مَعَ كَمَال الْوَرع والديانة والزهد والصيانة وَكَانَ من غَايَة نزاهته وَكَمَال طَهَارَته لَا يلبس لباسا من الثقال والخفاف الا بعدغسله حَتَّى الفرو والخفاف وَكَانَ لَا يجلس احدا على بساطه وان لم يقصر فِي ملاطفته وانبساطه وَلَا يصافحه الا وَيغسل يَده بعده وَكَانَ رَحمَه الله من الاسخياء الامجاد والكرماء الاجواد يبْذل مَا يقدر عَلَيْهِ وَيفرق على النَّاس مَا يجْتَمع لَدَيْهِ غير متكلف فِي اللبَاس غير مكترث بمداراة النَّاس يَقُول الْحق وَيعْمل بِهِ راجيا للثَّواب من ربه وَقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد وَلم يُقيد نَفسه بقيودالاهل والاولاد وَكَانَ رَحمَه الله نَافِذ الْكَلَام صَاحب الْقبُول التَّام موقرا عِنْد الْمُلُوك والوزراء مَقْبُولًا لَدَى الْحُكَّام والامراء بِحَيْثُ لَا يرد لَهُ كَلَام وَلَا يفوتهُ مرام وَلَا يعوزه مَطْلُوب سُبْحَانَ من سخر لَهُ الْقُلُوب العقد المنظوم فِي ذكر افاضل الرّوم على هامش الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية - المؤلف: عصام الدين طاشْكُبْري زَادَهْ.