عَليّ بن مُحَمَّد بن يُوسُف نور الدّين التوريزي.
نَشأ فِي كنف أَبِيه وَكَانَ كَبِير التُّجَّار فَلَمَّا مَاتَ اشْتهر بِالتِّجَارَة أَخَوَاهُ الْجمال مُحَمَّد وَالْفَخْر أَبُو بكر وتعانى هَذَا السّفر إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة وَالتِّجَارَة بهَا إِلَى أَن اشْتهر وَصَارَت لَهُ عِنْدهم منزلَة وَصُورَة كَبِيرَة ووجاهة وَكلمَة مَقْبُولَة لقِيَامه فِي خدمته بِمَا يرومونه من النفائس الَّتِي يحضرها لَهُم من الْقَاهِرَة وَغَيرهمَا فَلَمَّا أَكثر ذَلِك نقم عَلَيْهِ بعض النَّاس موالاته للْكفَّار مِنْهُم وَنسب لشراء الأسلحة والخيول لَهُم وعثر عَلَيْهِ مرّة بِشَيْء من ذَلِك فِي الدولة المؤيدية فاستتيب وَأقسم أَنه لَا يعود فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ زعم بعض المتعصبين عَلَيْهِ أَنه توجه رَسُولا من ملك الْحَبَشَة إِلَى ملك الفرنج يستحثه على الْمُسلمين، وَهَذَا عِنْدِي غير مَقْبُول لِأَن مُعْتَقد الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَلف وَيُقَال انه دخل بِلَاد الفرنج بِسَبَب تَحْصِيل صَلِيب عِنْدهم بلغ أمره ملك الْحَبَشَة فَأحب رُؤْيَته وَلما شاع ذَلِك عَنهُ خشِي على نَفسه فَنزل بمَكَان قريب من خانقاه سرياقوس فنم عَلَيْهِ عبد السَّلَام الجبرتي ووشى بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَأمر وَالِي الْقَاهِرَة فَقبض عَلَيْهِ فَوجدَ مَعَه أَمْتعَة من ملابس الفرنج وَشَيْء من سلَاح وناقوسين من ذهب وَكتاب بالحبشية فعرب فَكَانَ إِلَيْهِ مراسله من صَاحب الْحَبَشَة يَسْتَدْعِي مِنْهُ أَشْيَاء يصوغها لَهُ من صلبان ونواقيس ويحضه على شِرَاء مِسْمَار من المسامير الَّتِي سمر بهَا الْمَسِيح بزعمهم فحبس ثمَّ عقد لَهُ مجْلِس ففوض السُّلْطَان أمره للمالكي فتسلمه وَسمع عَلَيْهِ الدَّعْوَى فَأنْكر فَشهد عَلَيْهِ الصَّدْر العجمي وَالشَّيْخ نصر الله وَآخَرُونَ ومستند أَكْثَرهم الاستفاضة فأعذر إِلَيْهِ فِيمَن شهد فَادّعى عَدَاوَة بَعضهم وأعذر لبَعْضهِم فَحكم بقتْله بِشَهَادَة من أعذر لَهُم فَضربت عُنُقه بَين القصرين تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ يعلن بِالشَّهَادَتَيْنِ وَتبين لأكْثر النَّاس أَنه مظلوم وَلم يمتع من شهد عَلَيْهِ بل لحق بِهِ بعد قيل.
هَكَذَا تَرْجمهُ شَيخنَا فِي إنبائه، قَالَ: ذكر لي خادمي فاتن الطواشي الحبشي وَكَانَ هُوَ الجالب لَهُ من الْحَبَشَة إِنَّه كَانَ هُنَاكَ يواظب على الصَّلَاة والتلاوة ويؤدب من لم يصل من أَتْبَاعه وَعِنْده فَقِيه يقرئ أَوْلَاده وَأَتْبَاعه الْقُرْآن وللمسلمين بِهِ نفع وهم بِسَبَبِهِ فِي بِلَاد الْحَبَشَة فِي إكرام واحترام وَالله أعلم بغيبه.
ـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي.