الجلاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان متهما.
النفاق، وهو ربيب عمير بن سعد زوج أمه، وقصته معه مشهورة في التفاسير عند قوله تعالى : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ.
: فتحالفا، وقال الله عز وجل: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ.
فتاب الجلاس، وحسنت توبته وراجع الحق، وكان قد آلى ألا يحسن إلى عمير، وكان من توبته أنه لم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير.
قَالَ ابن سيرين: لم ير بعد ذلك من الجلاس شيء يكره.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بن جعفر عن أبيه، قال: كان الْجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنِ الْخُرُوجِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرُّ مِنَ الْحُمُرِ .
وَكَانَتْ أُمُّ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ تَحْتَهُ، وَكَانَ عُمَيْرٌ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ لا مَالَ لَهُ، فَكَانَ يَكْفُلُهُ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ، فَسَمِعَهُ عُمَيْرٌ يَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا جُلاسُ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنَهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزَّهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُهَا لأَفْضَحَنَّكَ، وَلَئِنْ كَتَمْتُهَا لأَهْلَكَنَّ وَلإِحْدَاهُمَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرَى.
فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ مَقَالَةَ الْجُلاسِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إِلَى الْجُلاسِ، فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَ عُمَيْرٌ.
فَحَلَفَ باللَّه مَا تَكَلَّمَ بِهِ قَطُّ، وَإِنَّ عمير الكاذب، وَعُمَيْرٌ حَاضِرٌ.
فَقَامَ عُمَيْرٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهمّ أَنْزِلْ عَلَى رَسُولِكَ بَيَانَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى على رسوله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: يَحْلِفُونَ باللَّه مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كلمة الكفر ...
الآيَةَ.
فَتَابَ بَعْدَ ذَلِكَ الْجُلاسُ، وَاعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ الجُلاسُ.
أَسْمَعُ اللَّهَ وَقَدْ عَرَضَ عَلَيَّ التَّوْبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ قُلْتُهُ وَصَدَقَ عُمَيْرٌ، فَتَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَلَمْ يَنْزَعْ عَنْ خَيْرٍ كَانَ يَصْنَعُهُ إِلَى عُمَيْرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا عُرِفَتْ بِهِ تَوْبَتُهُ.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب - أبو عمر يوسف بن عبد الله ابن عاصم النمري القرطبي.
الجلاس بن سويد الجلاس بْن سويد بْن الصامت بْن خَالِد بْن عطية بْن خوط بْن حبيب بْن عمرو بْن عوف بْن مالك بْن الأوس الأنصاري الأوسي ثم من بني عمرو بْن عوف، له صحبة، وله ذكر في المغازي.
روى أَبُو صالح، عن ابن عباس، أن الحارث بْن سويد بْن الصامت رجع عن الإسلام في عشرة رهط، فلحقوا بمكة، فندم الحارث بْن سويد، فرجع، حتى إذا كان قريبًا من المدينة، أرسل إِلَى أخيه جلاس بْن سويد أني قد ندمت عَلَى ما صنعت، فسل لي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهل لي من توبة إن رجعت وَإِلا ذهبت في الأرض؟ فأتى الجلاس النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بخبر الحارث وندامته وشهادته، فأنزل اللَّه تعالى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} ، فأرسل الجلاس إِلَى أخيه، فأقبل إِلَى المدينة، واعتذر إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتاب إِلَى اللَّه تعالى من صنيعه، فقبل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عذره.
وكان الجلاس منافقًا، فتاب، وحسنت توبته، وقصته مع عمير بْن سعد مشهورة في التفاسير، وهي أَنَّهُ تخلف عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تبوك، وكان يثبط الناس عن الخروج، فقال: والله إن كان مُحَمَّد صادقا لنحن شر من الحمير، وكانت أم عمير بْن سعد تحته، كان عمير يتيمًا في حجره لا مال له، وكان يكفله، ويحسن إليه، فسمعه يقول هذه الكلمة، فقال: يا جلاس، لقد كنت أحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يَدًا، وأعزهم علي، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لأفضحنك، ولئن كتمتها لأهلكن، فذكر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقالة الجلاس، فبعث النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الجلاس، فسأله عما قاله عمير، فحلف بالله ما تكلم به، وَإِن عميرًا لكاذب، وعمير حاضر، فقام عمير من عند النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول: اللهم أنزل عَلَى رسولك بيان ما تكلمت به، فأنزل اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} الآية، فتاب بعد ذلك الجلاس، واعترف بذنبه، وحسنت توبته، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إِلَى عمير، فكان ذلك مما عرفت به توبته.
أخرجه الثلاثة.
وقال ابن منده، عن أَبِي صالح، عن ابن عباس: إن الحارث بْن الجلاس بْن الصامت، وليس بصحيح، وَإِنما هو أخو الجلاس بْن سويد، ذكر ذلك ابن منده، وَأَبُو نعيم في الحارث، فقالا: الحارث بْن سويد، وذكره غيرهما كذلك، والله أعلم.
أسد الغابة في معرفة الصحابة - عز الدين ابن الأثير.