الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الدمشقي الفقيه الحنفي المعروف بالسؤالاتي الأديب الشاعر الجيد الطريقة الحسن البديهة كان في ريعان عمره وعنفوان أمره يشتغل بصناعة النظم فيبدي كل معنى نادر ويخترع كل مثل سائر كقوله (تقمص ثوب اللاذ من فوق لؤلؤ ...
ورصع بالدر الجمان بديدا) (والبسني مرط النحول مخلقا ...
وأعد مني برد الشباب جديدا) (غزال كناس لو رأته من السما ...
كواكبها خرت إليه سجودا) وقوله (إن الغزال الذي في طرفه حور ...
في مرشفيه سلاف الراح والحبب) (حارت لرؤيته الأبصار حين بدا ...
غصن الجمال حلاه اللطف والأدب) (ما مال من هيف مياس قامته ...
إلا عليه فؤاد الصب يضطرب) (دارت إليه قلوب العالمين فما ...
قلب لغير هواه اليوم ينقلب) وقوله (حتام يا ظبي النقا ...
عني تحجب في كناسك) (لا تنأ عن عيني وتهجرني ...
قلى من دون ناسك) (أنا عبد رقك أرتجيك ...
وأختشي سطوات باسك) (لا تبغ بالأعراض قتلى ...
واسقني بحياة راسك) وقوله (بي أغيد تشخص الأبصار حين بدا ...
في طلعة جل من بالحسن عدلها) (كأنما الحسن لما زان صورته ...
قد قال للحسن كن وجها فكان لها) وتلاعبت به الأقدار يمنة ويسرة وقاسى من ضنك العيش وسوء المنقلب أحوالا وأهوالا وصبر على ألم المحنة صبرا لم يعهد مثله وفي ذلك يقول (تصبر ففي اللأواء قد يحمد الصبر ...
ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر) (وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ...
جميل الرضى يبقى لك الذكر والأجر) (وثق بالذي أعطى ولاتك جازعا ...
فليس بحزم أن يروعك الضر) (فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ...
يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر) (تقلب هذا الأمر ليس بدائم ...
لديه مع الأيام حلو ولا مر) وسافر آخرا إلى الروم وجرى له مع أدبائها محاورات مقبولة كان كثيرا ما يلهج بها وبعدما رجع إلى دمشق استبد بكتابة الأسئلة المتعلقة بالفتوى للمفتي الحنفي وبهر فيها حتى بلغ مرتبة لم يصل إليها أحد من أبناء العصر وكان له الاستحضار الغريب لفروع المذهب واستخراجها من محالها بسهولة مع التبحر في الفقه وكثرة الاطلاع وكان أحيانا يتعانى الشعر فيتكلف له لغلبة الفقه على طبعه وأجود ما وقفت له من شعره الذي نظمه آخرا قصيدته التي أرسلها للخيارى المذكور قبله واستحسنت مننها هذا القدر الذي كتبته ومطلعها (حيا الحيا بسابق الغوادي ...
سكان ذاك الحي من فؤادي) (وحاك فيهم وشيمة منمنما ...
ربيع قطر معلم الأبراد) (ولا عدا الخصب منازلا بهم ...
منازل الإقبال والإسعاد) (ولا جفا صوب العهاد عهدهم ...
ولا الندى خبت بذاك النادي) (هم خيموا بين الضلوع والحشا ...
مني محل الروح والسواد) (فلست أخشى بعد ذاك عاديا ...
من زمني المعتاب والمعادي) (ولم أقل سقام جسمي عرض ...
به يشان جوهر اعتقادي) وكان حريصا على جمع الكتب واقتنى منها أشياء كثيرة في كل فن ووقفها آخرا على بنت له وكانت وفاته ليلة الأربعاء حادي عشرى شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وألف وقد جاوز الستين ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان وكان ابتلى بمرض عالجه مدة مديدة وأنفق عليه أموالا جمة ولم يخلص منه حتى استحكم فيه فمات رحمه الله تعالى.
- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.