وفيهَا فِي لَيْلَة الْأَحَد سَابِع عشر شهر ربيع الثَّانِي توفّي الشَّيْخ الْكَبِير جمال الدّين مُحَمَّد بن على الحشيري باحمد اباد وَكَانَ من الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين ورزق الْقبُول فِي حركاته وسكناته وحصلت لَهُ شهرة عَظِيمَة وَرويت عَنهُ كرامات وَلَا يقْدَح فِي جلالته ذمّ بعض الْعلمَاء لَهُ وتنقيصهم إِيَّاه بِحَسب مَا يظْهر لَهُم من أُمُوره من غير نظر إِلَى خصوصيته فقد قيل المعاصر لَا يناصر وَلَا زَالَت الأكابر على هَذَا وَفِيمَا يَقع مِنْهُ من التخريقات والشطحات لَهُ أُسْوَة بِغَيْرِهِ من الصُّوفِيَّة كَمَا أَن للمنكرين اسوة بغيرهم من الْعلمَاء وَحمل مَا يصدر مِنْهُ من الْأَحْوَال الغريبة على احسن المحامل اولى وَحسن الظَّن اسْلَمْ واحسن رَحمَه الله تَعَالَى وَبَنُو حشيبر أهل صَلَاح وَولَايَة ونسبهم فِي بني ذهل بن عَامر بطن من عك بن عدنان وَهُوَ بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد اللَّام كَذَا ضَبطه الجندي وَأما خرقتهم فَهِيَ تعود إِلَى الْوَلِيّ الْكَبِير وَالْعلم الشهير قطب الزَّمن وبهجة الْيمن شمس الشموس أبي الْغَيْث بن جميل اليمني وَذكر مِنْهُم الشرجي فِي الطَّبَقَات جمَاعَة وَمِنْهُم عَليّ بن أَحْمد حشيبر أحد كبار الْمَشَايِخ الْمُتَوفَّى سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ الْوَلِيّ الصَّالح الْفَقِيه أَبُو بكر بن أبي حَرْبَة يَقُول كل الْمَشَايِخ خَلفهم فِي بركَة سلفهم إِلَّا بني حشيبر فان سلفهم فِي بركَة خَلفهم وَهُوَ الْفَقِيه عَليّ بن أَحْمد وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن حشيبر كَانَ فَقِيها عَالما عَارِفًا كَامِلا صَاحب كرامات عَظِيمَة ويحكى ان وَالِده ذهب بِهِ إِلَى الشَّيْخ أبي الْغَيْث بن جميل يلْتَمس مِنْهُ الدُّعَاء وَهُوَ اذ ذَاك صبي فكشف لَهُ عَن عينين للشَّيْخ أبي الْغَيْث فِي قَفاهُ يبصره بهما فَاعْلَم وَالِده بذلك وَاعْلَم وَالِده الشَّيْخ أبي الْغَيْث فَقَالَ الشَّيْخ وَالله يَا وَلَدي مَا رآهما أحد غَيْرك ثمَّ نوه باسمه وعظمه وَمن كَلَامه رَأس مَال الْفَقِير الثِّقَة بِاللَّه تَعَالَى وافلاسه الركون إِلَى خلق الله وَمِنْه يَا اسراء الهمم الارضية وارقاء النُّفُوس الَّتِي غير مرضية هَذِه الجادة فاين السالكون ابعد الْعين ايْنَ وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة بِبَلَدِهِ وَهِي قريبَة من بَيت حُسَيْن الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة قلت فَلَمَّا خربَتْ بَيت حُسَيْن على يَد بني حفيص وانتهكت فِيهَا الْمَحَارِم ونهبت الزوايا الَّتِي فِيهَا وَقتل جمَاعَة من بني عُبَيْدَة على جَامع بني حفيص وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة انْتقل غَالب سكانها إِلَى بَيت الْفَقِيه ابْن حشيبر وَصَارَت مَدِينَة عَظِيمَة وَهِي مُحْتَرمَة معظمة يَأْمَن بهَا الْخَائِف وَمِنْهُم مُحَمَّد بن حسن بن مُحَمَّد بن عمر بن حشيبر كَانَ فَقِيها عَالما شَيخا صوفياً كَامِلا سُئِلَ عَن قَول الشبلي ...
اسائل عَن ليلى وَهل من خبر ...
يكون لَهُ علم بهَا أَيْن تنزل ...
فَأَجَابَهُ بقوله ...
تحل قُلُوب العارفين إِذا صفت ...
وَلَيْسَ لَهَا قلب سواهن منزل ...
قلت وَقَرِيب من هَذَا مَا حَكَاهُ صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن الْوَلِيّ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبَا جَابر رَحِمهم الله قَالَ كنت سائراً إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي تذكرت فِي نَفسِي الْأَصْحَاب وعظمت عَليّ مفارقتهم وَاشْتَدَّ عَليّ أَمر الاغتراب فتمثلت وانا على تِلْكَ الْحَالة من ترادف الهموم وَالْأَحْزَان وَكنت رَاكِبًا على الْجمل بِهَذَا الْبَيْت ...
مَا فِي الصحاب اخو وجد نطارحه ...
حَدِيث سعد وَلَا خل نجاريه ...
فاجابني صَوت من نَاحيَة الْقَافِلَة ...
مَا فِي الركاب سوى صب أَخا وَله ...
يروي حَدِيث الْهوى حَقًا ويدريه ...
فَقلت من الْمُجِيز فَقَالَ فلَان ابْن فلَان وَذكر اسْمه وَاسم أَبِيه وجده الدِّمَشْقِي واذاً هُوَ من أهل الْفضل والادب وحصلت بيني وَبَينه معرفَة واستأنست بِهِ الانس التَّام قَالَ وَبقيت أَنا واياه فِي مذاكرة ومطارحة سَائِر الطَّرِيق من ذَلِك ان اسْم جماله كَانَ قِيَاس وَاسم جمالي عَيَّاش وَكَانَ مَعَ جماله الْمُسَمّى قِيَاس جمال كَثِيرَة فَكَانَ يشْتَغل بأمرها مَعَ المكارين ويغيب عَنهُ يَوْمًا كَامِلا بِحَيْثُ انه يحْتَاج إِلَى المَاء فَلَا يجد من يسْقِيه وَكَانَ حاراً فيأذى بذلك ويتغير مزاجه ويرتجل فِي الْحَال فِي هجوه مقطعات قَالَ واخذ مرّة لَحْمًا وَدفعه إِلَى غُلَامه ليصلحه فَأتى بِهِ قبل ان ينضج فانشد عِنْد ذَلِك ارتجالا يُخَاطب غُلَامه ويوميء إِلَى هجاء الْجمال الْمَذْكُور ...
انت لَا تحسن شَيْئا ...
اذ اتيت اللَّحْم نيا فاسكب الْقَيْء عَلَيْهِ ...
واعطه الْجمال قيا ...
قَالَ الْفَقِيه أَحْمد وَقلت انا فِي صَاحِبي الْمُسَمّى عَيَّاش ...
ان عَيَّاش قد أَتَت ...
من لَدَيْهِ بَدَائِع رَاح عني وَكنت فِي ...
جملَة الركب ضائع كَيفَ يَأْتِي وَقَلبه ...
فِي المكارين شَائِع ...
قَالَ واستهلينا شهر الْمحرم بالزرقاء فَلَمَّا صلينَا الْمغرب وَجَلَسْنَا وَنحن نَنْظُر إِلَى الْهلَال فَقَالَ لي مَا تَقول فِي تشبيهه فَقلت الَّذِي على بالي من ذَلِك قَول ابْن المعتز ...
والبدر فِي افق السَّمَاء كدرهم ...
ملقى على ديباجة زرقاء .
فَقَالَ هَذَا التَّشْبِيه لَا يحسن فِيهِ إِلَّا عِنْد طلوعه قبيل الْفجْر حَالَة نَقصه وانتهائه فهات شَيْئا فِي ابْتِدَائه قلت قَوْله أَيْضا ...
انْظُر إِلَيْهِ كزورق من فضَّة ...
قد أثقلته حمولة من عنبر ...
قَالَ فَسكت سَاعَة خَفِيفَة وانشد لنَفسِهِ فِي ذَلِك مرتجلا ...
قد رَأينَا الْهلَال بالزرقاء ...
ظَاهرا للانام وَقت الْعشَاء قلت للجابرى فهات مِثَالا ...
فِيهِ تزري بأفصح الشُّعَرَاء قَالَ قد قيل زورق من لجين ...
قد ترآى للناظرين بِمَاء ...
ثمَّ سكت نَحْو نصف سَاعَة وَأنْشد أَيْضا مرتجلاً ...
قَالَ الشهَاب الجابري تَشْبِيها ...
يماثل ذَا الْهلَال السافر فأجبته انْظُر إِلَى دورانه ...
فَلَقَد حكى فِي الأَرْض وقْعَة حافر ...
ثمَّ قَالَ الْفَقِيه أَحْمد لَو قَالَ ...
هُوَ فِي السَّمَاء مدور وَلَقَد حكى ...
دورانه فِي الأَرْض وقْعَة حافر ...
لَكَانَ أحسن قلت ولبعضهم أَيْضا فِيهِ هَذَا التَّشْبِيه الْحسن ...
والبدر فِي وسط السَّمَاء كَأَنَّهُ ...
وَجه مضيء تَحت قبَاء أَزْرَق ...
وفيهَا أَمر الْوَزير الْكَبِير حسن باشا بعمارة قبَّة الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير عَليّ بن عمر الشاذلي صَاحب المخا بِمُبَاشَرَة على شلبي أَمِير بندر المخا الْحلَبِي فعمرها عمَارَة متقنة وجدد التابوتين وكساهما كسْوَة حَسَنَة من الصُّوف الاخضر وَكَانَ ابْتِدَاء الْعِمَارَة وختامها فِي سنة ألف من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة ثمَّ أَمر الْوَزير حسن باشا بعمارة جَامع كَبِير شَرْقي الْقبَّة وشاميها فَبنى بِنَاء أكيداً وَتمّ وَنصب فِيهِ منبراً من الْحجر الْأَخْضَر ثمَّ بنيت لَهُ مَنَارَة عَجِيبَة فِي غَايَة الطول والنحافة واللطف ثمَّ صليت فِيهِ الْجُمُعَة واستمرت فِيهِ الْخطْبَة وَصَلَاة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة تقبل الله ذَلِك مِنْهُ بمنه وَكَرمه ويمنه -النور السافر عن أخبار القرن العاشر-لمحي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس.
الشيخ محمد بن علي الحشيري الشيخ الكبير جمال الدين محمد بن علي الحشيري الكجراتي أحد المشايخ المشهورين، ذكره الشيخ عبد القادر في النور السافر قال: إنه رزق القبول في حركاته وسكناته، وحصلت له شهرة عظيمة، ورويت عنه كرامات، ولا يقدح في جلالته ذم بعض العلماء له ونقصهم إياه بحسب ما ظهر لهم من أموره من غير نظر إلى خصوصيته، فقد قيل: المعاصر لا يناصر، ولا زالت الأكابر على هذا، وفيما يقع التحريفات والشطحيات له أسوة بغيره من الصوفية، كما أن للمنكرين أسوة بغيرهم، وحمل ما يصدر منه من الأحوال الغريبة على أحسن المحامل أولى، وحسن الظن أحسن، وبنو حشير أهل صلاح وولاية، ونسبهم في بني ذهل بن عامر بطن من عك بن عدنان - وهو بفتح الهاء وتشديد اللام - كذا ضبطه الجندي، وأما خرقتهم فهي تعود إلى الولي الكبير والعلم الشهير قطب الزمن وبهجة اليمن شمس الشموس أبي الغيث بن جميل اليمني، قال: وكانت وفاته ليلة الأحد سابع عشر ربيع الثاني سنة ألف.
الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى بـ (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)