السيد عبد الرزاق بن محمد بن أحمد بن يس بن إبراهيم الشهير بابن الجندي القصيري الأصل المعراوي الأديب الماهر الحاذق الذكي كان يحسن صناعة الشعر وله في الأدب معرفة وتعاني النظم حتى مهر به ولد في سنة خمسين ومائة وألف ونشأ بكنف والده وكان أخذ الأدب وقرأ على الشيخ عمر الأدلبي نزيل حمص وكان يحب مذاكرة العلم والأدب ويجالس الشعراء ويجري بينهم المطارحات الرشيقة والمساجلات ومن جملة من كان من ندماء مجلسه الأديب عثمان المعراوي الحمصي البصير الشاعر وكان من الأجناد الموسومين بالأدب وأسلافه كانوا مشايخ ولم يزالوا متصفين بالمشيخة إلى أنانتقل والده من ذلك إلى طريق الحكومة بسبب انتسابهم لبني العظم حكام الشام وكان ولده المترجم عاقلاً له معرفة مع حسن التدبير والعقل ومعرفة أمور السياسة وأحكامها وله باع في الأدب وشعره عليه طلاوة وقد تولى حكومة قلعة تلبيسة الكائنة بين حمص وحماه من طرف الدولة العلية بعد وفاة والده وهذه القلعة أصل بنائها في زمن الوزير سليمان باشا العظم وعينت الدولة بها ينكجرية بعلائف وتعايين سلطانية لأجل حفظ الطرقات للحج وغيره وبالجملة فهو أثر حسن واستقام المترجم بها إلى أن مات ومع ضبطه لها تولى من طرف ولاة دمشق حكومة حماه وحمص ومما وصلني من شعره قوله مشطراً قصيدة سيدي عمر ابن الفارض رضي الله عنه إلى آخرها ومن شعره تشطيره لبانت سعاد حيث قال فأجاد إلى آخر القصيدة وله غير ذلك وفي سنة تسع وثمانين ومائة وألف اقتضى لحاكم حمص الأمير عبد الرحيم ابن العظم التوجه على جهة عرب الحيارى المعروفين بالموالي المقيمين في تلك الأطراف تبعاً لولاة حلب فتوجه معه المترجم لكونه حاكماً بقلعة تلبيسة وذهب معهما شرذمة من العسكر فلما بلغوا العرب وقاربوا اليهم وقع بينهم الحرب ولم يصدر من طرفهم نصر بالتقدير الألهي فما استقر الأمر مقدار نصف ساعة إلا وأخذتهم العرب وشلحوهم جميعاً وبقي المترجم وحاكم حمص معريين من غير سائرة ثم بعد ذلك جاءه رجل منهم وضربه برمح في رقبته فقتله ومسكوا حاكم حمص وأخذوه ثم بالقرب من الموضع قرية جاء أهلها وأخذوا المترجم محمولاً إلى حمص لعند أهله وكان ذلك في الحادي والعشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة ودفن بتربة مقابلة لمقام سيدي خالد بن الوليد رضي الله عنه وضبطت أمواله للدولة العلية بأمر منها وجاء بالخصوصالمزبور قبجي باشي من طرف الدولة معين بهذه الخدمة وابيعت كتبه وحوائجه وضبطت أمواله وديونه سمحت بها الدولة لأولاده وبعد وفاته أخذ الحكومة أحد أركان الدولة مسعود بيك نجل الوزير الصدر السابق سعيد باشا ولم يتمكن من ضبطها ثم بعد ذلك وجهت لأولاد المترجم وبعده جاؤا لدمشق وفرغوها لأخي المترجم وهو الآن حاكم تلك القلعة ونسبتهم إلى القصير قرية من نواحي انطاكية وأخبرت إن جدهم الشيخ أحمد القصيري الولي المشهور والله أعلم اقول والقصير اسم لقرى منها قريتان بدمشق الواحدة بالقرب من قرية الريحان والثانية بالقرب من قرية سكا ومنها قرية بناحية حمص تسمى بذلك ومنها القرية التي بقرب انطاكية ومنها المترجم ومما وقع له من المساجلة الشعرية مع الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي حين كان بحمص والشيخ عثمان البصير الحمصي حيث قال السويدي متعرضاً للبصير المذكور فقال البصير سفقال المترجم فقال السويدي فقال المترجم ووقع في مجلسه أيضاً مع الشيخ السويدي والبصير المذكورين مساجلات في مدحه وفي غير ذلك فمن ذلك ما قاله السويدي مساجلاً بديع جمال لو رأى البدر شكله دجى لأعتراه الكسف من نور خده فقال المترجم: فقال البصير وختم الثاني عشر - محمد خليل بن علي الحسيني، أبو الفضل.
سلك الدرر في أعيان القرن الحاكم والفارس الشهيد الخالد بشعره وفنونه عبد الرزاق الجندي العباسي الحمصي كلما تعاقبت الأيام وتوالت السنون تجلت ذكريات أفذاذ الرجال ماثلة أمام العيون، لقد كان من العجب أن لا تظهر العبقرية إلا مع الألم، لكن الدهر قد شذ عن هذه القاعدة النادرة وأنجب الشهيد عبد الرزاق الجندي قبل قرنين، فقد رضع ثدي المجد في مهده، وأتته العبقرية ترفل بحلل العز والسيادة.
فكان حاكماً لبقاً وغنيًّا في المال، سمت به مكارمه إلى ذروة الفضائل، وشاعراً بليغاً ضرب على مفرق الفرقدين قباب بيانه وسحر فنونه، وفارساً شجاعاً كان المثل الأعلى في التضحية ونكران الذات.
وما كان للعواطف أن تزلزل هذا الجبل الصلد الأشم، وللدهر أن يثلم هذا المهند الصارم، لولا أن الأقدار شاءت أن يكون شهيد الواجب في ميدان الشرف، فإنه لم يجزع حين فاجأه الموت على حين غرة لم يسبقها نذير، ولا عيب فيه سوى الكمال، وأنه يتحدى كل ألم بين طيات الجوانح، وهو فرع لحق في الفخار أصله العباسي، تلقى طعن الرماح فمضى ولم يتقهقر، وهذا شأن الهاشميين وسر عظمتهم، فلم يسمع التاريخ أن هاشميًّا ولى الأدبار في ساحة الوغى.
أصله: هو عبد الرزاق بن محمد الجندي العباسي، ولد في حمص سنة (1150ﻫ ـ 1731م)، ونشأ في حجر والده على العفة والصيانة، وقد كان حاكماً في حمص فأحسن تربيته وتثقيفه، وتلقى العلوم على أفحل علماء زمانه، فكان نابغة في عصره في الذكاء والسخاء والفروسية والعلم والشعر والفن، أخذ الأدب عن الشيخ عمر الإدلبي نزيل حمص، وبرع بنظم الشعر وهو فتى، فكان آية في النبوغ والنجابة، وكان يحب مذاكرة العلماء والأدباء والشعراء، منهم الشاعر المرحوم عثمان المعرواي الحمصي الشهير، والشاعر العراقي المرحوم محمد سعيد السويدي الذي أبعدته الدولة العثمانية لزعامته ونفوذه عن بغداد، فاختار حمص مركزاً لإقامته الإجبارية فيها؛ لوجود صلة في النسب بين عائلة الجندي التي كانت غادرت العراق إلى سوريا إبان الاحتلال المغولي إليها وبين عائلة السويدي العراقية، وهما تنحدران من السلالة العباسية كما هو ثابت ومنقول.
كان هؤلاء الشعراء يتنادمون وتجري بينهم المطارحات والمساجلات الرشيقة الارتجالية، نذكر منها بعض الشيء لطرافتها: السويدي: البصيري: الجندي: ومنها مساجلة ثانية على قافية أخرى: حاكم قلعة تلبيسة: لقد رأت الدولة العثمانية إقامة قلعة حصينة في قرية تلبيسة، وهي تبعد زهاء ثمانية عشر كيلو متراً عن حمص، فشيدها المرحوم محمد الجندي والد الشهيد المترجم بأمر من الوزير سليمان باشا العظم والي الشام، ورابطت فيها قوة عسكرية مهمتها حفظ طرقات الحج.
وربما لا يصدق القارئ أن شؤون حمص وحماة الإدارية والعسكرية في ذلك العهد كانت مرتبطة إلى وقت ما بحاكم قلعة تلبيسة، وقد لعبت دوراً هامًّا من ناحية استتباب الأمن، فمركزها المشرف على وجه الصحراء كان له أعظم الأثر في صيانة الأمن وطرقات الحج، تمتد حدود نفوذها من الشمال إلى منطقة خان شيخون ومن الجنوب إلى قرية حسية، ووقفت قوى هذه القلعة سدًّا منيعاً وحائلاً دون تعديات العربان الذين كانوا يعيثون فساداً في الأرض، ويعتدون على أهل القرى والمستطرقين بالنهب والسلب والقتل كما هو شأنهم إذا آنسوا ضعفاً من أولي الأمر.
ثم تبدلت الأوضاع الإدارية في ذلك العهد فتولى المترجم حاكمية حمص وحماة ومعرة النعمان من قبل الباب العالي، وكان المرحوم أحمد باشا المؤيد العظم آئنذ والياً على الشام.
العلاقات بين عائلتي العظم والجندي: إن العلاقات الودية وثيقة موروثة بين هاتين العائلتين وترجع إلى عهد بعيد، وآل العظم متعصبون في تقاليدهم العائلية لا يصاهرون إلا من كان ندًّا لهم في كل شيء، ولا تزال توجد حتى الآن علاقات وراثية بين العائلتين في معرة النعمان، وقد قضت مصلحتهم وهم حكام البلاد أن يختاروا من يثقون بإخلاصهم وحسن إدارتهم من العناصر العريقة بمجدها وسؤددها، فيولونهم الحاكمية بالوراثة.
الحاكم الشهيد: وفي سنة 1189ﻫ قام عرب الحيارى المعروفين بالموالي ـ وكانوا يقيمون فيما بين معرة النعمان وخان شيخون ـ بأعمال مخلة بالأمن، فانتدبت الحكومة المرحوم عبد الرحيم بك العظم لتأديبهم وجهز حملة عسكرية كان الفقيد الشهيد مع قواته العسكرية فيها باعتباره الحاكم المسؤول عن الأمن في منطقة نفوذه، ولما أشرفت الحملة على منطقة العرب أطبقت عليها جموعهم من كل صوب ودارت رحى المعركة، فانهارت على المترجم طعنات الرماح وأصابته طعنة في عنقه أردته قتيلاً، وذلك في اليوم الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1189 و1770م، ونقل إلى حمص واستقبل جثمانه في يوم كان عبوساً محزوناً، فدفن في مقبرة عائلته بالقرب من مقام الصحابي الجليل خالد بن الوليد، وسقت العبرات التي استدرها نشيج الملتاعين جدثه الطاهر، فقطع نياط القلوب أسًى وحزناً على فقيد شاب، وقتل كذلك المرحوم عبد الرحيم بك العظم المشهور بين أقرانه بالشجاعة والفروسية، ودفن بالقرب من قرية التمانعة التابعة لقضاء معرة النعمان، وقبره ما زال معروفاً هناك.
مصادرة أملاكه: وعينت الحكومة خلفاً له أحد أركانها وهو مسعود بك نجل الصدر الأعظم بذلك التاريخ، فقام بتصفية تركة الحاكم الشهيد، وصودرت جميع أملاكه ومنقولاته، وهي عادة كانت متبعة في العهود الماضية عند مقتل الحكام، وكان من جملة المنقولات الثمينة المصادرة مكتبته النفيسة ومؤلفاته الشعرية التي فقدت ولم يبق إلا ما كان منقولاً ومحفوظاً منها بصورة متفرقة لدى المعجبين بشعره.
وقد جردت الحكومة السرايا للانتقام من الطغاة.
ثم عجز مسعود بك عن إدارة الحاكمية، فاستقال وعهد إلى شقيق الفقيد المرحوم خالد الجندي ـ وهو والد الشاعر العبقري أمين الجندي ـ بالحاكمية، ولما بلغ المرحوم عثمان بن الحاكم الشهيد أشده تولى منصب الحاكمية.
أوصاف الشهيد: إن القلم ليعجز عن ندب النوابغ ووصف هذه المأساة، لقد غاض ذلك النبع الفياض وكان منهلاً عذباً بشعره وفنونه، وانطفأت تلك الجذوة التي كانت تتقد وهو في ريعان الشباب.
كان رحمه الله عالي الهمة، فاتن المحيا، يكاد وهو جالس يقرع الرجال وهم قيام، طلق اللسان، طيب القلب يعفو عند المقدرة، يخاطب الناس بفصاحة تنفذ إلى القلوب، ويعمل فيها عمل السحر في النفوس.
يحمل في نفسه حب الخير والإصلاح، ثابت الجنان، والسر في عظمة هذا الشهيد أنه يحمل أقدس وأشرف لقب منحه الدهر لأسرته المعتزة به كابراً عن كابر، وهو لقب (الجندي).
لقد كانت سيرته ينبوعاً لا ينقطع انصبابه، وإنا لذاكرون للقراء أمثلة من نبوغه لعل بعضها لم يعرف من قبل.
شعره: لقد هوى على الثرى أسطع نجم ظهر في سماء الشعر والفن، فقصائده ذات معان أرق من الهبا، وألطف من النسيم، وكان الشيخ أمين الجندي الشاعر الخالد في التاسعة من عمره لما قتل عمه الحاكم المترجم، فلما شب واطلع على بعض منظوماته كان يقول: (عمي سيد الشعراء)، ولم ينقطع عن ندبه طول حياته.
وقد خمس الشيخ أمين قصيدة عمه، وهي من أروع قصائده الغزلية ومنشورة في ديوانه، منها قوله: فنه: كان الفقيد من أعلام الفن، وقد سما بشعره الغنائي إلى قمة المجد، فموشحاته التي نظمها ولحنها ستبقى خالدة في سحر معانيها وقوتها ما دامت الأرواح تنبض في قلوب البشر.
لقد كانت ساعة الفجر ـ وهي ساعة الفناء في الله تعالى ـ قرة عين ذلك الشهيد الصالح، وكانت قريحته تجود بنظم خرائده، وهي كالدر المنثور، يستوحي الإلهام من قدرة الخالق، فكم من عبرة أسالها بشعره وفنه وروحه وعاطفته، ومن نظمه وتلحينه موشح من نغمة الكردان المشهور، ووزنه (زرفكند): وقد أبدل المرحوم الفنان القباني لحنه من نغمة الكردان إلى النهوند، لكنه اندرس بموته وتغلبت روعة الأصل فحفظه الكثيرون، وقد سجلته دار الإذاعة السورية في وصلة الكردان للأستاذ السيد سعيد فرحات.
وموشح حجاز غريب، ووزونه صوفيان: وموشح عجم سماعي دارج: ومنه قوله: رحم الله هذا الشهيد الخالد الذي اشتهر بين أهل الفضل بأنه آية الإعجاز، فقد حاكى بشعره البليغ من سبقه من فحول الشعراء، ولو فسح الله في أجله المحتوم لجادت قريحته بعجائب النظم والفن.
الحاكم عثمان الجندي: وفي سنة 1785م تولى ابن الفقيد المرحوم عثمان الجندي الحاكمية، فسار فيها بكل نزاهة واستقامة، إلا أن حمص ما كانت لتخلو من بعض المشاغبين وذوي الأغراض شأن ذلك في كل زمن، فثار الأهلون على الحكومة وذلك سنة 1797م، فقمع الفتنة وفر المسببون، وقد أشار المرحوم الشيخ أمين الجندي بقصيدته التي مدح بها ابن عمه عثمان فقال: إلى أن قال: ويعتبر الحاكم عثمان الجندي أبرز من أنجبته الأسرة الجندية من حكامها الأبطال، وقد توفي سنة 1801م.
انظر كامل الترجمة في كتاب أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 22 - 26.