حسين الحموي نزيل دمشق الولي الصالح الخاشع صاحب الكرامات والمكاشفات المستغرق أحد أولياء الله تعالى في الكون كان يلبس الخشن من الثياب ويدور في الأزقة وأخراً انقطع في دهليز بني البهنسي ثم أنتقل منه إلى زقاق الأوضه باشي وجلس تحت سقيفة هناك على القمامات والأحجار وكأنت الكلاب لا تفارقه لأنه كان يطعمها مما يأتي إليه من الطعام وربما أفرغ الأناء على الأرض وأكل معهم وقيل انه كان المتدرك بنواحي الجامع الأموي وله كرامات ومكاشفات صريحة وللناس به اعتقاد عظيم ومن كراماته انه رأى رجلاً يحمل علبة لبن فناداه وأخذها منه وصبها للكلاب فنظر الرجل فإذا فيها فرخ حية ومنها انه دخل لص بيتاً ليس فيه سوى نسوة لم يعلمن به فطرق الباب عليهم الشيخ المترجم ففتحوا له فدخل وأرادوا منعه وقالوا له يا شيخ حسين نحن نسوة وما عندنا رجل فلم يرد عليهم جواباً إلى أن طلع للمحل الذي اختفى فيه ذلك اللص وقال له اخرج فخرج وتبعه ومنها ان وزيراً من وزراء آل عثمان ولي حكومة دمشق فلما استقر بها سمع وبخبر الشيخ فأرسل أحد أعوانه إلى الشيخ المترجم وأرسل له معه ستة عبي فلما وصل إليه قبل يديه وقال له يقبل أياديكم المولى الوزير فلان ويسألكم الدعاء وهو مرسل هذه العبي لأجل أن تلبسوها فقال له لا أقبل منها شيأ وكش في وجهه فوقع على يديه وقال له لا يمكنني أخذها خوفاً من الوزير وترامى عليه ففي الآخر قبلهم وقال له أعطيناه منصب دمشق ست سنوات كل عباة سنة وكان الأمر كذلك ومنها ما حكاه الفاضل عبد الرحمن المهمنداري ولد العلامة أحمد المهمنداري الحلبي المفني بدمشق وكان ممن يعتقده وله فيه مزبد الاعتقاد وهو كثير التردد إليه قال لما أنتقلت إلى الساحة التي عند دارنا نمت في بعض الليالي فرأيت الناس يهرعون إلى الصالحية ويقولون ان الشام غرقت بالزيادة فسرت معهم وصعدنا جبل قاسيون فإذا الشام كما قيل قد غرقت والماء يصعد إلى الجبل ونحن نفر منه وقد عاينا الهلاك فبينما نحن في كرب عظيم وهم جسيم وإذا بالشيخ حسين قد أقبل وشق الصفوف وجلس على ركبتيه وشرع يشرب الماء فعاينت النقص فيه ثم صار هو يشرب والماء يهبط وهو يتبعه قال فأيقنت انه حمل حملة أهل الشام ثم اني خرجت إليه فرأيته يئن ورجليه متورمة كالجسر فسألته فقال ولك امك وأبوك هذه المياه التي شربتها صرفت من رجلي قال فمضيت إلى الصلاة ورجعت وإذا الماء ينبع من أسفلها وامتد إلى باب الساحة واختفى الماء منها فعوفيت من وقتها وحصلت له الراحة وقد حكى عنه الكرامات غيرها كثيرة الا تحصى عدداً ورأيت في بعض المجاميع انه كان يتمثل بهذين البيتين المشهورين وهما أمطري لؤلؤ أجبال سرنديب ...
وأفيضي آبار تكرور تبرا أنا لن عشت لست أحرم قوتاً ...
ولئن مت لست أعدم قيرا وحكى انه كان بين جماعة فأذن المؤذن فقالوا له قم حتى نصلى فأنشد البيتين المشهرين أيضاً وهما يصلي من له فرس وعبد ...
وجارية ومملوك ودار وأما المفلسون فما عليهم ...
إذا تركوا صلاة الخمس عار وكأنت وفاته بدمشق ليلة الجمعة الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة ست ومائة وألف وصلى عليه بعد صلاة الجمعة الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وكأنت جنازة حافلة وازدحم الناس على حمله ودفنه ودفن بتربة مرج الدحداح رضي الله عنه.
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر - محمد خليل بن علي الحسيني، أبو الفضل.