براق القرمي

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 707 هـ (1307م)الاسم الكامل: براق القرميالمعرف: 23135

بُرَاق الشيخ الفقيه كبير الطائفة المنسوبين إليه.

وَرَدَ إلى دمشق سنة خمس وسبع مئة، وقيل: سنة ست في جمادى الأولى في زمن الأفْرَم، ومعه جماعة كبيرة من أتباعه بعُدّة وافرة، كانوا مئة، وكان من جملة مريدي شيخٍ كان في بلاد الروم، ولما ورَد خرج القاضي قطب الدين ناظر الجيش إلى القابون وعَرضهم واستمساهم وحَلاّهم وعَدّهم، وجُهّزت بذلك ورَقة طيّ المطالعة إلى أبواب السلطان، وكان شعاره حَلْق الذقن كلها، وتَرْكُ الشارب فقط، وحَمْل الجوكان على الكتف، ولكل منعم قَرناً لُبّادٍ يُشبهان قَرنَي الجاموس، وهو مقلَّد بحبل كعاب بقر قد صبغت بالحنّاء، وعليهم الأجراس، وكلّ منهم مكسور التثنيّة العليا، إلا أنه كان يلازم العبادة والصلاة، وكان معه محتسبٌ يؤدّب أصحابه، كل من ترك منهم سُنةً من السنن ضربه عشرين عَصا تحت رجليه، ومعه طبلخاناه، وقيل له: يا شيخ لأي شيء ظهرت بهذا الشعار؟ قال: أردت أن أكون مسخَرةً للفقراء.

وأول ما ظهر بتلك البلاد ذُكر للقان غازان، فأحضره وسلّط عليه سَبُعاً ضارياً، فركب على ظهره، ولم ينل منه شيئاً، فأعظَمَ ذلك غازان، ونَثَر عليه عشرة آلاف دينار رائج، فلم يتعرض لشيء منها.

ولما أراد الدخول على الأفرم إلى الميدان أرسلوا عليه نعامة كان قد عَظُمَ أمرُها وتفاقم شرُّها، فلا يكاد أحدٌ يقاومها، فلمّا عرضوه لها قصدته، فتوجه إليها وركب عليها فطارت به في الميدان تقدير خمسين ذراعاً، إلى أن قرُبَ من الأفرم، فقال له: أطير لها إلى فوق شيء آخر؟ فقال: لا.

ثم إن الأفرم أحسن تلقّيه وأكرمَ نُزُله، وطلب التوجُه إلى القدس، فرتّب له رواتب في الطرقات، فما قبلها، وأعطاه الأفرم من خزانته ألفي درهم، فما قبضها، وأخذها جماعته، وزار القدس، وأظنّه طلب الدخول إلى مصر فما مُكِّن، وعاد ودخل البلاد وتوجّه صحبة قطليجا نائب غازان إلى جبال كيلان لمّا حاربهم غازان بسبب ما طلبه منهم من فتح الطريق إلى بلاده وقالوا له: لا سبيل إليه لأنه يضرّنا، فأمسكوه وقالوا: أنت تقول إنك مسلمٌ وشيخ من الفقراء، وتحضر مع هؤلاء أعداء الدين، وسَلَقوه في دَسْت، وألقوه بعد ذلك في طَسْت، وذلك في سنة سبع وسبعُ مئة.

وكانوا أشكالاً غريبة، ولهم أحوال عجيبة.

تفِرّ العقولُ إذا أقبلوا، وتتعجب منهم إذا نقَّروا وطبّلوا.

تتحرك عليهم تلك الكعاب، ويهول مرآهُمُ العجوز والكَعَاب، قرونٌ من اللبّاد معقّفَه، وشوارب فوق شفاههم موقّفه، وعلى أكتافهم تلك الجواكين، وهيأتهم كما يقال: ما تنقطع بالسكاكين، إذا خطروا صوّتت تلك الأجراس وجعلوا ربوع العقول في عداد الأدراس، قصَّهمُ الناس في الخيال ورقّصوهم، وبخسوهم ما قصدوا به ونقصوهم، واشتغل الناس بهم زماناً بعد ذهابهم، ونظموا فيهم أشعاراً لم تكن داخلة في حسابهم.

أنشدني من لفظه الشيخ يحيى الخبّاز الحموي قال: أنشدني من لفظه لنفسه سراج الدين المحّار: جَتْنَا عجم من جُوّا الروم ...

صُوَر تحير فيها الأفكار لهم قرون مثل الثيران ...

إبليس يصيح منهم زنهار كل واحد لُو شارب ...

طويل ودقنو محلوقهْ كِنُّو على فمه غرّه ...

بلا خياطة ملزوقهْ أقوام خوارج غيريّه ...

مثل البهائم مَرْزوقهْ شيء ما نظرناه في الدنيا ...

ولا سمعناه في الأخبار ما أنزل الله بو من سلطان ...

ولا رضي عنُّو المختار الشيخ براقَ الّي اغواهم ...

واختار لهم هذا الحُلاّس أكسى المريد منهم قرنين ...

وأعطاه قلاده من أجراس وأمّا الكعاب المصبوغة ...

قال هي سُبَح هذي الأجناس وأيا مكان حَلّوا فيه ...

يسبّحوا تسبيح الغار وإن زَفَروا تَسْمع أصوات ...

مقارع أهل النار في النار أعزّ من تبصر فيهم ...

قبض الدكاكين في الأسواق خَذْ من صغرهم عوّدهم ...

لحس الزبادي والأمراق ما يعرفوا آداب الناس ...

ولا إيش يكون حُسن الأخلاق ومحتسبهم قال لي إنسان ...

كان يربّيه واحد خمّار تعِبْ عليه حتى انُّوجا ...

مثلو محارف قُودِ بشْلار جازوا القرم وراموا فيها ...

غارة في سوق الجزارينْ على اللوايا المعلوفه ...

وأكثرها مع ذا السلاّخينْ وراح يجردهم ماعُو ...

دائم في سوق الطباخين ويطلب البنجك منهم ...

المخبوز الخاص والخُشكار وهو يدور بين البلدان ...

دائم ويعمل ذا البيكار يا شيخ براق والله إنك ...

قد جيت في الدنيا بدعهْ وما رأيناك في جامع ...

صَلّيت سوا إن كان جمعهْ وكان مرادك أن تُشهر ...

لك في بلاد الشام سُمْعَهْ وجئت إليهم في حاله ...

ظهر عليك فيها إنكار وما رأينا من قبلك ...

فقير بسبعين جوكندار يا من لا يتحقّق شكلو ...

أقِف تقل لك كيف وصفُو إنسان قرونو فوق راسو ...

وجوكانو من فوق كتفُو وسيف خشب مغمود ماعو ...

والطبلخانه من خلفو يُصَنّجُو بالصّينيّة ...

والطبل مُكَّه والمزمار شيء تضحك الناس من فعلو ...

وقط ما يُرضي الحُضّار يا شيخ براق إن كان تعمل ...

شغل الفقيري من حَقّا تقوّ من زاد التقوى ...

واركب طريق أهل الخرقا ولا تغرّك ذي الدنيا ...

والآخرة خير لك وأبقى ونْ كان في عزمك تبقى ...

حليق وما تخشى من عار الواجب إنك تتبّع ...

طريق حميد المَحّار إِنت الغريب جيت في فنك ...

وَنَا الوحيد جيت في فني نظمت أحسن ما يُنقَل ...

عنك وما يُرْوى عني قطعة ما يسمعها إنسان ...

إلا ويطلبها منّي تبقى على مرّ الأزمان ...

تدور على روس الأدوار وكنيتي ما احلا ماجت ...

مخفيّة بين هذي الأسطار قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان من قرية من قرى دوقات، وكان أبوه صاحب إمرة وولاية، وكان عمّه كاتباً مجيداً معروفاً، وسافر هو - يعني بُرَاق - وخدم الشيخ شريق القرمي وتتلمذ له، وهو الذي سمّاه بهذا الاسم فإنه أكل من قَيْئه فقال له: أنت برقي، وهي بالقبجاقية: " كَلْبٌ ".

قال: وممّا يثنى به عليه أنه هو وجماعته يلازمون الصلاة، ومَنْ فاتته صلاة في وقتها ضُرب أربعين سوطاً، ولهم ذكر بين العِشائَيْن، وكَرَمُهُ زائد.

أعيان العصر وأعوان النصر- صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (المتوفى: 764هـ).

____________________________________________ براق القرمي أَصله من قَرْيَة من قرى دوقات وَكَانَ أَبوهُ صَاحب إمرة وَعَمه كَاتبا مَعْرُوفا وتجرد هُوَ وَصَحب الْفُقَرَاء وتلمذ لَهُ جمَاعَة فَدخل بهم الرّوم ثمَّ قدم دمشق سنة 706 محلوق الذقن وشواربه وافرة وهيئته مُنكرَة وَمَعَهُ جمع من أَتْبَاعه على هَيئته وعَلى كتف الْوَاحِد مِنْهُم جوكان وَفِي رَأسه قرنا لباد مقلد بِحَبل كعاب بقر مصبوغة بِالْحِنَّاءِ وبأجراس مقلوع الثَّنية الْعليا وَكَانَ الشَّيْخ براق يلازم الْعِبَادَة وَمَعَهُ محتسب يُؤَدب أَصْحَابه وَإِذا ترك أحد مِنْهُم صَلَاة وَاحِدَة عاقبه أَرْبَعِينَ سَوْطًا ورتب لَهُ ذكرا بَين العشاءين وَكَانَ لَا يدّخر شَيْئا وَمَعَهُ طبلخاناة تضرب وَعُوتِبَ الشَّيْخ براق على هَذِه الْهَيْئَة الْمُنكرَة فَقَالَ أردْت أَن أكون مسخرة للْفُقَرَاء وَكَانَ أول ظُهُوره فِي بِلَاد التتار فَبلغ خَبره غازان فَأحْضرهُ وسلط عَلَيْهِ سبعا ضارياً فَوَثَبَ الشَّيْخ براق وَركب على ظَهره فَعظم ذَلِك على غازان ونثر عَلَيْهِ عشرَة آلَاف فَلم يتَعَرَّض لَهَا وَقيل بل سلط عَلَيْهِ نمراً فصاح عَلَيْهِ فَانْهَزَمَ النمر فَصَارَت لَهُ عِنْد غازان مكانة وَأَعْطَاهُ مرّة ثَلَاثِينَ ألفا ففرقها فِي يَوْم وَاحِد وَلما دخل دمشق كَانَ فِي اصطبل الأفرم نعَامَة فسلطوها عَلَيْهِ فَوَثَبَ عَلَيْهَا وركبها فطارت بِهِ فِي الميدان تَقْدِير خمسين ذِرَاعا إِلَى أَن قرب من الأفرم وَقَالَ لَهُ أطير بهَا إِلَى فَوق شَيْئا آخر قَالَ لَا وَأحسن الأفرم تلقيه وَأكْرم نزله فَاسْتَأْذن لَهُ فِي التَّوَجُّه إِلَى الْقُدس فرتب لَهُ رواتب فِي الطرقات وَأَرَادَ الدُّخُول إِلَى مصر فَمَا تمكن من ذَلِك ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده وأرسله غازان صُحْبَة قطليجا إِلَى جبال كيلان ليحاربهم فأسروا الشَّيْخ وَقَالُوا لَهُ أَنْت شيخ فُقَرَاء كَيفَ تجئ صُحْبَة أَعدَاء الدّين لقِتَال الْمُسلمين وسلقوه فِي دشت وَذَلِكَ فِي سنة 707 -الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني-

براق القرمي | تراجم العلماء