الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن أحمد بن جزي الكلبي (مولده عام 721 وتوفي عام 757؛ من أهل غرناطة وهو ولد أبي القاسم، كتب عند السلطان أبي الحجاج يوسف ثم ارتحل عن الأندلس واستقر بالعدوة وكتب بالحضرة المرينية للمتوكل على الله أبي عنان.
وهو الذي كتب رحلة ابن بطوطة) ، رحمه الله تعالى شمس في سماء البلاغة بازغة، وحجة على بقاء هذه الفطرة العربية بالمغربية بالغة، ونعمة على هذه الطريقة سابغة، ونادرة فيها ونابغة، من جذع أبر على القارح، وزجر من المعرفة كل سانح، لا بارح، لو تعلقت الغوامض بالثريا لنالها، وقال أنا لها؛ وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وانطبق كمامه على أزاهره، فإذا قدح زنده، تقدم المواكب بنده.
وكان من طبقة أبناء جنسه التي إليها المنتهى، وجنة الأدب التي يجد كل مشته ما اشتهى، فمطولاته بحور، وغرامياته ولدان وحور، وامداحه درر النحور، أخسفت المنية منه بدرا، وغالت صدرا، وأوسعت البراعة غدرا، ولم تذر لها قدرا؛ وكان ممن نال من ملك الغرب محلا، وتحلى منه بما تحلى، رحمة الله تعالى عليه، فمن شعره: ومورد الوجنات معسول اللمى ...
فتاك لحظ العين في عشاقه الخمر بين لثاته والزهر في ...
وجناته والسحر في أحداقه مياد غصن البان في أثوابه ...
ويلوح بدر التم في أطواقه من للهلال بخده أو ثغره ...
هب أنه يحكيه في إشراقه ولقد تشبهت الظباء بشبهة ...
من خلقه وعجزن عن أخلاقه نادمته وسنا محيا الشمس قد ...
ألقى على الآفاق فضل رواقه في روضة ضحكت ثغور أقاحها ...
وأسال فيها المزن من آماقه أسقيه كأس سلافة كالمسك في ...
نفحاته والشهد عند مذاقه صفراء لم يدر الفتى اكواسها ...
إلا تداعى همه لفراقه ولقد تلين الصم من سطواته ...
فيعود للمعهود من إشفاقه وأظل أرشف من اقاحي ثغره ...
خمراً تداوي القلب من إحراقه ولربما عطفته نحوي نشوة ...
تشفي الخبال بضمه وعناقه أرجو رضاه إذا تبسم ضاحكاً ...
وأخاف منه العتب في إطراقه أشكو القساوة من هواه وقلبه ...
والضعف من جلدي ومن ميثاقه يا هل لعهد قد مضى من عودة ...
أم لا سبيل بحالة للحاقه يا ليت لو كانت لذلك حيلة ...
أو كان يعطى المرء باستحقاقه فلقد يروق الغصن بعد ذبوله ...
ويروق بدر التم بعد محاقه ومن الغراميات التي سلك فيها مسلك قيس ليلى: متى يتلاقى شائق ومشوق ...
ويصبح عاني الحب وهو طليق أما إنها أمنية عز نيلها ...
ومرمى لعمري في الرجاء سحيق ولكنني خادعت قلبي تعلة ...
أخاف انصداع القلب فهو رقيق وقد يرزق الإنسان من بعد يأسه ...
وروض الربى بعد الذبول يروق تباعدت لما زادني القرب لوعة ...
لعل فؤادي من جواه يفيق ورمت شفاء الداء بالداء مثله ...
فإني بأن لا أشتفي لحقيق وتالله ما للصب في الحب راحة ...
على كل حال إنه لمشوق أيا رب قد ضاقت علي مذاهبي ...
فها أنا في بحر الغرام غريق ولا سلوة ترجى ولا الصبر ممكن ...
وليس إلى وصل الحبيب طريق ولا الحب عن تعذيب قلبي ينثني ...
ولا القلب للتعذيب منه يطيق شجون يضيق الصدر عن زفراتها ...
وشوق نطاق الصبر عنه يضيق نثرت عقود الدمع ثم نظمتها ...
قريضاً فذا در وذاك عقيق بكيت أسى حتى بكت لي حسدي ...
كأن عدوي صار وهو صديق ولو أن عند الناس بعض محبتي ...
لما كان يلفى في الأنام مفيق أيا عين كفي الدمع ما بقي الكرى ...
إذا منعوك اليوم سوف تذوق ويا غائباً عن ناظري أما يرى ...
لشمسك من بعد الغروب شروق رويدك رفقاً بالفؤاد فإنه ...
عليك وإن عذبته لشفيق نقضت عهودي ظالماً بعد عقودها ...
إلا إن عهدي كيف كنت وثيق كتمتك حباً يعلم الله مدة ...
وبين ضلوعي من هواك حريق فما زلت بي حتى افتضحت فإن أكن ...
صبوت فبعد اليوم لست أطيق ومن قصيدة غرامية قوله: خليلي إن الحب أعيا اكتتامه ...
فهذا لسان الدمع بالسر ناطق أيا رب حتى دمع عيني ينم بي ...
وحتى منامي مذ هويت مفارق وكنت أظن القلب يقوى على الأسى ...
فها هو لما جد أمري زاهق إذا حانني قلبي ونومي وناظري ...
فوالله ما أدري بمن أنا واثق أقلا ملامي في الهوى لا بليتما ...
فإن الهوى عن سمعي اللوم عائق أبيت وندماني شجوني، وقهوتي ...
دموعي، وما غير الدموع موافق يشوقني ساري النسيم إذا سرى ...
ألا كل آت منهم لي شائق لقد أنكروني إذ مررت بربعهم ...
وظنوا ظنوناً خالفتها الحقائق رأوا جسدي من تحت ثوبي ناحلاً ...
كما رق حد السيق والغمد رائق يقولون ما هذا الخبال الذي به ...
وما بي خبال غير أني عاشق وقالوا ادعى فينا المحبة كاذباً ...
أما وذمام الحب أني لصادق وما باله يشتاق من ليس شيقاً ...
إليه ويهوى وفق من لا يوافق يزيد خضوعاً حين يزداد عزة ...
لبئس الفتى هذا وبئس الخلائق فمهما لحظنا ليس تحمي سوابغ ...
ومهما طلبنا ليس تنجي سوابق وكم من محب مات فينا صبابة ...
وهذا الفتى لا شك بالقوم لاحق ومن المقطوعات المطبوعات: شد ما قد لقيت في حب سلمى ...
قل صبري وضاق بالحب ذرعي كل يوم زيارة ورسول ...
لأراها بناظري أو بمسمعي وإذا لم يكن إليها سبيل ...
وعدمت الرسول أرسلت دمعي ومن المقطوعات قوله: لما اشتكى العشاق من فتكاته ...
بظبا اللواحظ قال وهو الصادق: قسماً لئن عادوا إلى الشكوى بها ...
لا أغمدت وعلى البسيطة عاشق ومن ذلك أيضاً في التورية: أبح لي يا روض المحاسن نظرة ...
إلى ورد ذام الخد كنت لك الفدا وبالله لا تبخل علي بقطفة ...
فإني عهدت الروض يوصف بالندى ومن ذلك قوله: وغزال له جفون مراض ...
تبعث الوجد في قلوب الصحاح غرني لحظه وقد قيل شاك ...
فإذا هم يعنون شاكي السلاح ومن ذلك قوله: يقولون لي أصبحت بالآس مولعاً ...
وقلت: وهل في حبي الآس من باس ألم تعلم أن الهوى قد أعلني ...
وكيف ترى شوق العليل إلى الآسي ومن ذلك قوله: أفنيت فيه نسيب شعري طائعاً ...
وأسلت دمعي كالحيا المدرار وأراه ما حفظ العهود ولا رعى ...
ذمم النسيب ولا حقوق الجار ومن التورية وهو مليح: وصديق شكا لما حملوه ...
من قضاء يقضي بفرط العناء قلت: فاردد ما حملوك عليهم ...
قال: من يستطيع رد القضاء؟ ومن المقطوعات قوله في ذلك: ويا رب ساجي الطرف يعطفه الهوى ...
على الصب بعض الشيء ثم يميل عجبت له يشكو الغرام فقال لي: ...
أتعجب أن يشكو الغرام جميل؟ وإحسان هذا الفاضل بحر لا تنزحه الدلاء، رحمه الله تعالى.
الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة - لسان الدين بن الخطيب، محمد بن عبد الله.
أبو عبد الله محمَّد محمَّد بن أحمد بن جُزي الكلبي الغرناطي: الكاتب المجيد ذو الرأي السديد أعجوبة الزمان في النثر والنظم مع الإتقان الفقيه العالم البصير بالحديث وبالأصول خبير.
أخذ عن والده.
توفي سنة 757 هـ[1356 م]، بفاس وهو الذي جمع رحلة العالم الرحال أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة.
شجرة النور الزكية في طبقات المالكية _ لمحمد مخلوف محمد بن محمد بن أحمد، ابن جزي الكلبي، أبو عبد الله: شاعر من كتاب الدواوين السلطانية، أندلسي، من أهل غرناطة.
ولد فيها، وفاق بشعره ونثره، على حداثة سنه.
واستكتبه أمير المسلمين أبو الحجاج يوسف ابن الأَحْمَر النصري، ثم ضربه بالسياط من غير ذنب اقترفه، ففارقه وانتقل إلى المغرب فأقام بفاس وحظي عند ملكها المتوكل على الله أبي عنان المريني.
وتوفي فيها له كتاب في (تاريخ غرناطة) وقف لسان الدين ابن الخطيب على أجزاء منه.
وهو الّذي أملى عليه (ابن بطوطة) رحلته فكتبها سنة 756 وكان أبوه من أعلام الأندلس أيضا .
-الاعلام للزركلي-