الفقيه أبو عبد الله محمد بن احمد بن محمد بن فرج بن شقر آل اللخمي الطرسوني (ترجم له ابن الخطيب في الإحاطة وقال انه كان قيما على النحو والقراءات واللغة مجدا في ذلك محكما لما يأخذ فيه منه.
حظي عند الوزير المحروق فجعله ناظرا لخزانة الكتب السلطانية ثم اعتقله وأخرجه إلى أفريقيا فلما مات الوزير رجع إلى الأندلس فمات في الطريق ببونه عام (730)) رحمه الله تعالى درة مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، كان اكبر من الزمان وبنيه، فعدم روضه من يجنيه، أنظاره بعيدة، وأغراضه مبدية في الكمال ومعيدة، حكم له في رقاب المعارف تحكيم، وتصرف لا يعوقه شكيم، يتكلم في المادة المحصورة، ويشرح على الكون والفساد، ويضطلع من علل النفوس والأجساد، بشجى الحساد، ويركض أقلام التعليم جائلة، ويعطي صور الأفلاك مستقيمة ومائلة، سابقا في كل ما أعاده وأبداه، ما لم يزاحم في مداه، ولا ظفرت به ألا يداه، إلى تحسين المجالسة وبيان الإلقاء، والجمع بين معاملة الآباء ومعاملة الأصدقاء.
ظفرت منه يدي بالنهر الذي أمن غائصة الدرك، وجمع فيه القوم بين آخذ ومن ترك، هذا يندم لزهده، وهذا لما ترك من جهده، فقل أن أتبجح بغريبة، إلا وهي له اليوم منسوبة، وعلي له محسوبة، تعاهده الله تعالى من الرحمة بسحاب، ومن الملائكة الكرام بترحاب.
وكان يشعر وينثر، ويعثر من المعاني ما لا يمر به غيره ولا يعثر، وقدر هذا الشيخ اقل من ان تستوعبه هذه الأسطر، أو يفي به خاطر يخطر، فسبحان الذي حجب الفضائل بالتراب، وشبه هذا المتاع الفاني بلمع السراب لا اله إلا هو.
من مجموع سماه السليمانيات والعربيات قوله: نام الطفل النبت في حجر النعامى ...
لاهتزاز الظل في مهد الخزامى وسقى الوسمي أغصان النقا ...
فهوت تلثم أفواه الندامى كحل الفجر لهم جفن الدجى ...
وغدا في وجنة الصبح لثاما تحسب البدر محيا ثمل ...
قد سقته راحة الصبح مداما حوله الشهب كؤوس قد غدت ...
مسكة الليل عليهن ختاما يا عليل الروح رفقا علّني ...
اشف بالسقم الذي حزت سقاما همت في ارض بها حلوا غراما ...
فرشوا فيها من الدر حصى ضربوا فيها من المسك خياما ...
كنت اشفي غلة من طيفكم لو أذنتم من ريح الصبا ...
لو أتت تحمل من سلمى سلاما ومن هذه بعد كثير: نشأت للصب منها زفرة ...
تسكب المع على الربع سجاما طرب البرق مع القلب بها ...
وبها الأنات طارحن الحماما طلل لا تشفي الأذن به ...
وهو للعينين قد ألقى كلاما ترك الساكن لي من وصله ...
ضمة الجدران لثما والتزاما نزعات من سليمان بها ...
فهم القلب معانيها فهاما شادن يرعى حشاشات الحشا ...
حسب حظي منه أن أرعى الذماما ومن السليمانيات أيضا: أأرجو أمانا منك واللحظ غادر ...
ويثبت قلبي والطرف ساحر عجبت للحظ كل قلب يطيعه ...
ويرضى بما يقضي به وهو جائر ويترك ورد الخد نهب جفونها ...
جريء على دفع المعرة قاصر واعجب من ذا كيف تنهب في الدجى ...
لصوص الهوى نومي وطرفي ساهر ويسلم من بعد الذي سكن الحشا ...
ويشكو من الهجران والطيف زائر ولا نيل إلا من طروق خياله ...
فمن لي بوصل منه والنوم هاجر اعد سليمان اليم عذابه ...
لهدهد قلبي فهو للبين صابر أشاهد منه الحسنفي كل نظرة ...
وناظر أفكاري لمعناه ناظر دعت للهوى أنصار سحر جفونه ...
فقلبي له عن طيب نفس مهاجر إذا شق عن بدر الدجى افق زره ...
فاني بتمويه العواذل كافر وفي حرم السلوان طافت خواطر ...
وقلبي لما في وجنتيه مجاور وقد ينزع القلب الشجي لسلوة ...
كما اهتز من قطر الغمامة طائر يقابل أغراضي بضد مرادها ...
ولم يدر ان الضد للضد قاهر ونار اشتياقي صعدت مزن ادمعي ...
فمضمر سري فوق خدي ظاهر وقد كنت باكي العين، والبين غائب ...
فقل: كيف حال الدمع، والبين حاضر وليس النوى بالطبع مرا وإنما ...
لكثرة ما شقت عليه المرائر ومن السليمانيات أيضا قال: إلا استودع الرحمن بدرا مكملا ...
بفاس من الدرب الطويل مطالعه وفي فلك الازرار مطلع سعده ...
وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه يصير مرآه منجم مقلتي ...
فيصدق في قطع الرجاء قواطعه تجسم من نور الملاحة خده ...
وماء الحيا فيه ترجرج مائعه تلون كالحرباء في خجلاته ...
فيحمر قانيه ويبيض ناصعه إذا اهتز غنى حليه فوق نحره ...
كغصن النقا غنت عليه سواجعه يؤكد حتف الصب عامل قده ...
وتعطف من واو العذار توابعه اعد الورى سيفا كسيف لحاظه ...
فهذا هو الماضي وذاك مضارعه ومن قصيدة في هذا الغرض المذكور: وصالك هذا أم تحية بارق ...
وهجرك ام ليلا لسليم لتائق أناديك والأشواق تركض حمرها ...
بصفحة خدي من دموع سوابق أبارق ثغر من عذيب رضابه ...
قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومن شعره يمدح السلطان حين فتح حصن اشكر (السلطان هو إسماعيل بن فرج أبو الوليد، وقد هاجم حصن اشك سنة 724 فاخذ بمخنقه، ورماه بالنفط فنزل اهله قسرا على حكمه): بحيث البنود الحمر والأسد الورد ...
كتائب، سكان السماء لها جند حدت بهم خوص عراب ضوامر ...
وقد ضاقت الأرجاء اذ عظم الوجد عساكر ملك شرف الله قدره ...
فسيان من إقدامها السهل والنجد إذا رجعوا الذكرى حماما سواجعا ...
فأعطافهم في ميلها قضب ملد وان حل صبر الصبر بين ضلوعهم ...
فأفواههم من ذكر ربهم شهد وتحسب نور الصدق والعزم دائما ...
سراجا من التقوى بآزرهم يبدو هم القوم رهبان إذا لبسوا الدجى ...
وان لبسوا حر الهياج فهم أسد حذوا حذو سلطان على الشرع عاطف ...
رفيق بهم حان إذا عظم الجهد وتحت لواء الشرع ملك هو الهدى ...
تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو فلو رام إدراك النجوم لنالها ...
ولو هم لانقادت له السند والهند تأمنت الأرواح في ظل بنده ...
كأن جناح الروح من فوقه بند منها في الحض والقتال وآلة النفط: على إنها ضنت بعذب وردها ...
غديّة راح الأسد والضمر الجرد فكان صباح القوم قوما بوصلها ...
وقوما بوصل الحور قد أنجز الوعد ولولا دفاع الخود عن عذب ريقها ...
لما لذت الشكوى ولا عذب الورد ومن عانق الأخطار حق له العلا ...
ومن نبذ الفاني يحق له الخلد وظنوا بأن الرعد والصعق في السما ...
فحاق بهم من دونها الصعق والرعد عجائب أشكال سما هرمس بها ...
مهندسة تأتي الجبال فتنهد ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ...
وما في القوى منها فلا بد ان يبدو بعيني بحر النقع فوق أسنة ...
تنمنمه وهنا كما نمنم البرد سماء عجاج والقوانس شهبها ...
ووقع القنا رعد إذا برق الهند وقد نثلت فيها الكنائن فارتمت ...
سقيط نثار مثلما قدح الزند كأن قلوب الروم أهدافها التي ...
تطير بمحياها وما شعر الجلد ومن دمهم زرق الأسنة لفعت ...
فتلك إذا ما شبهت أعين رمد تسيل على الرايات منها مدامع ...
كخد محب شفه البين والوجد ألا شفع الرحمن غزوة أشكر ...
بها رضي الإسلام ولأحد الفرد ومن رغبة الأشياء في نيل فضلها ..
إذا سل سيف كاد يحسده الغمد وتذاكرنا يوما أساليب الشعراء وأفضلنا في ذكر ابن هاني فنظم لي في طريقته هذه الابيات مساجلا لمثلها مما ثبت في موضعها من شعره : طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا ...
وقد شرفوا الناسوت اذ عبدوا عيسى وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ...
وقد قدسوا الروح المقدس تقديسا فما استيقظوا إلا لصكة بابهم ...
فأدهش رهبانا وروع قسيسا وقام بها البطريق يسعى ملبيا ...
وقد اصمت الناقوس رفقا وتأنيسا فقلنا له: أمنا فأنا عصابة ...
أتينا لتثليث وان شئت تسديسا وما قصدنا إلا الكئوس وإنما ...
لحنا له في القول خبثا وتدليسا ففتحت الأبواب بالرحب منهم ...
وعرس طلاب المدامة تعريسا فلما رأى زقي أمامي ومزهري ...
دعاني تأنيسا لحنث وتلبيسا وقام إلى دن ففض ختامه ...
فكبس أجرام الغياهب تكبيسا وطاف بها رطب البنان مزنر ...
فأبصرت عبدا صير الحر مرءوسا سلافا حواها القار لبسا فخلتها ...
مثال من الياقوت في الحبر ملبوسا إلى ان سطا بالقوم سلطان نومهم ...
ورأس فتيل الشمع نكس تنكيسا وثبت إليه بالعناق فقال لي: ...
بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا كتبت بدمع العين صفحة خده ...
فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ...
وبئس الذي قد اضمروا قبل ذا بيسا فبتنا يرانا الله شر عصابة ...
تطيع بعصيان الشريعة إبليسا ومن مقطوعاته، رحمه الله تعالى، قوله: أتمنع أن أقبل منك كفا ...
وقد حرمت ثغرك بالعفاف وهاأنا طائف بك في كل حين ...
فعين لي المقبل للطواف الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة - لسان الدين بن الخطيب، محمد بن عبد الله.