مُحَمَّد بن يس المنوفى الشافعى الْعَالم الْفَاضِل البارع الْكَامِل مهذب مبَاحث الجهابذة الْفُضَلَاء ومحرر دَلَائِل الطّلبَة النبلاء ومحط رحال الْعلمَاء الاماثل ومصدر الْعُلُوم الجلائل ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ واشتغل بالعلوم اشتغالا تَاما وَأخذ عَن جمع مِنْهُم أَبُو بكر الشنوانى مُحَمَّد الميمونى وَمُحَمّد الخفاجى وَأحمد السنهورى وَغَيرهم واجازوه وتعالطى النّظم فَبلغ فِيهِ الْغَايَة القصوى وارتقى الى أَن زاحم بمناكبه أكَابِر الشعرا ورحل الى الديار الرويمة وتمذهب بِمذهب الامام أَبى حنيفَة رضى الله تَعَالَى عَنهُ ومدح من بهَا من الموالى الْعِظَام وَتَوَلَّى بنواحى مصر المناصب العديدة ثمَّ ترك الْقَضَاء وَعَكَفَ على عبَادَة الله تَعَالَى وَاعْتَزل عَن النَّاس الا افرادا مِنْهُم وَترك النّظم الا مَا كَانَ استغاثة ومدحا فى النَّبِي وَمن شعره السائر قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى من قصيدة (تائهة بالدلال يثنيها ...
عَن حائر فى الْهوى تثنيها) (قرح فيض الدُّمُوع مقلته ...
فاشتبك المَاء فى مآقيها) (وَمن نمت فى سَواد مهجته ...
لواهج الشوق كَيفَ يخفيها) (يبعدها الصد والهوى محن ...
عَن ناظرى والغرام يدنيها) (هَل بارق مَا أرى أم ابتسمت ...
فانتظم الدّرّ فى تراقيها) (عَن فتكها قدها يحذرها ...
وحسنها بالصدود يغريها) (ان أسفرت فالهلال طلعتها ...
أَو نكهت فالعبير فى فِيهَا) (أسخطت فى حبها ولوعتها ...
كل صديق عساه يرضيها) (لَو سمحت بالكرى لارقنى ...
وَهنا من اللَّيْل خوف واشيها) (أَو بعثت طيفها لعرفها ...
مَا ذاقه الصب من تجنيها) (وشقة الهجر بَيْننَا نشرت ...
فَلَا يكَاد الزَّمَان يطويها) (جرعنى الدَّهْر بعْدهَا غصصا ...
اكتمها تَارَة وأبديها) (يَا بَائِعا نَفسه بِلَا ثمن ...
أرخصتها فالهوان يشريها) (مَا بَال هَذَا الزَّمَان يتحفنى ...
بمصميات الى يهديها) (طلائع للمشيب ضاحكة ...
بعارضى والشباب يبكيها) وَله الْمَقْصُورَة الَّتِى عَارض بهَا مَقْصُورَة الشهَاب الخفاجى الَّتِى أَولهَا (أيا شَقِيق الرَّوْض حَيَّاهُ الحيا ...
فاحمر خد ورده من الحيا) ومطلع مقصورته هُوَ هَذَا (سقى الاله ان سقى الارض الحيا ...
حوامل المزن ربى أم الْقرى) (وجاد دفاق الْغَمَام مردفا ...
بِمثلِهِ ظهر الْحجُون فكدى) (فبطن نعْمَان الاراك فالصوى ...
فالبرك فالتنعيم فالهضب الدنا) (فذات عرق فالبطاح دونه ...
الى حراء فثبير فمنى) (وجللت أيدى السَّحَاب وكست ...
أنوارها طلع الهضاب فالربى) (وقاربت وَقع الخطا غمائم ...
تَدْعُو عَن الْبَهَاء ألبان الجفا) (يحثها حاد مرن خلفهَا ...
فهى لذاك الْحَث تدعى الحيدى (يكَاد أَن يُخطئ فى مسيرها ...
وهى الْمُصِيب سَيرهَا من الوحا) (فاطرح الحدب وَكَانَ آيسا ...
من ارتجاع الْخطب اطمار السعا) (ونسجت من كل وشى حبرًا ...
فالزمت لحمتها مَعَ السدى) (وماست الوهاد فى ملابس ...
مخضرة من الحلى والحلى) (فسوقها فى لجج من زئبق ...
يخفى بهَا طورا وطورا يجتلى) (وهامها يحملن من زبرجد ...
عمائما تلوثها ايدى الصِّبَا) (فطبق العنبر أطباق الثرى ...
وملأ العبهر أَطْرَاف الملا) (لَا يهتدى نجم السَّمَاء أَن يرى ...
نجم المحاجر بَين فذوثنا) (يصير فِيهَا الخازباز مصعبا ...
فَلم يَصح من وفرة الندا الصدا) (اضحت وَكَانَ الْوَحْش لَا يسوفها ...
خوفًا وَلَا يسلكها صل كدا) (مسرح آرام وغيل اشبل ...
وحصن ريبال وأفحوص قطا) (يرمقها الْبَرْق فيغضى خجلا ...
والطرف يدرى مَا يرى اذا رنا) (كانها صفيحة يغمدها ...
فى جفنها صانعها فتنتضى) (أَو نصف مرْآة بكف ماجن ...
يديرها من وَجههَا الى الْقَفَا) (أذكرنى وَمَا نسيت خلسا ...
لله مَا هيج لى برق الدجا) (أَيَّام خلصاى الالى عهدتهم ...
لَا ينقضون للملمات الحبا) (من كل فنان الشَّبَاب عَاقد ...
يمناه بالمجدين علم وَعلا) (ان رتق الافواه فى الامر اهْتَدَى ...
لغامض يدق عَن دَرك القوى) (تطارحوا خير الْعُقُول بُرْهَة ...
وَبعده تفَرقُوا ايدى سبا) (فبعضهم فَوق الاثير همة ...
وَبَعْضهمْ جثمانه تَحت الثرى) (لَوْلَا الخفاجى الشهَاب أَحْمد ...
عصارة الشم العرانين الالى) (تفيؤا فى ظلّ كل شَاهِق ...
من الْكَمَال والعلا أوج الذرى) (مزاحمى الافلاك فى مدارها ...
بهمة لم ترضهن مستوى) (أَبوهُ شيخ خَاله وخاله ...
عَلامَة الدُّنْيَا أَتَى ثمَّ مضى) (ثوى أَبُو بكر لديغ حسرة ...
لفقده مُحَمَّدًا سامى الرقا) (كَانَا لجيد الدَّهْر عقدى جَوْهَر ...
وزينة الْكَوْن وأرباب النهى) (تشارفت من الذرى اذ لَا ذرى ...
مغارس الْآدَاب ان لَا تجتنى) (نتيجة الدَّهْر وحشو برده ...
وَلَذَّة الْعَيْش وريعان المنى) (طوى لآفاق الْبِلَاد ليرى ...
لَهُ نظيرا فى الْكَمَال والعلى) (اشرق فى الرّوم فعين مصره ...
لبعده مَمْلُوءَة من القذى) (وَالْجَامِع الازهر وَالْعلم مَعًا ...
حنا الى ذَاك البنان واللقا) (كَانَت بِهِ مصر تجر ذيلها ...
تيها واعجابا على كل الْقرى) (سقته دَار الْمجد من ثديها ...
فشب فى حجر الْعُلُوم ونما) (صفت بِهِ نافسة لقدره ...
والشئ يَعْلُو قيمَة فيصطفى) (صونا لَهُ عَن أَن يرى بغَيْرهَا ...
فشاركتها فِيهِ اسباب النَّوَى) (ألْقى بقسطنطينية جرانه ...
وفاز فِيهَا بِالْقبُولِ وَالرِّضَا) (ونال مِنْهَا حظوة لَو قسمت ...
مَعَ اسْتِوَاء الْحَظ عَمت الورى) (أَحْيَا بهَا ميت الْعُلُوم واستوى ...
ينفض عَن أكتافه برد البلى) (يعْتَقد الْبَعْث ولات مبعث ...
وَالروح مِنْهُ بَين ثغر وَلها) (وسَاق فى سوق الرِّهَان حلبة ...
من الْبَيَان بالنفوس تشترى) (ينظم فى الاسماع من محفوظه ...
جَوَاهِر اللَّفْظ بلبات الدمى) (كم رَوْضَة دبجها يراعه ...
فأينع الزهر وطاب المجتنى) (مَا زَالَت الركْبَان تطرى بعض مَا ...
ضم رحيب صدر وَمَا حوى) (حَتَّى الْتَقَيْنَا فالتقطنا الدّرّ من ...
الفاظه الغر فُرَادَى وثنا) (رَأَيْته الْبَدْر اذا الْبَدْر سرى ...
وَخلته الْبَحْر اذا الْبَحْر طمى) (فَهُوَ السنان هزة اذا سَطَا ...
وَهُوَ الزَّمَان همة اذا اعتلى) (شفى الْفُؤَاد لحظه وَلَفظه ...
وَكَانَ قبل الْمُلْتَقى على شفا) (ذُو منطق لَو صَادف الْبَحْر حلا ...
وَلَو فرى بِهِ الحسام لانفرى) (وهاكها على علاك وَحده ...
مَقْصُورَة فى حسنها مدى البقا) (لم تدعها ضَرُورَة لقطع مَا ...
مدوه بل جَاءَت باحكام الْبَنَّا) (حركنى الى اختراع وَزنهَا ...
أيا شَقِيق الرَّوْض حايه الحيا) (طَلِيعَة يتبعهَا مقانب ...
من القريض القح ان طَال المدى) (رقى لممدود القوافى وقرى ...
وغصة للحاسدين وجشا) وَله من قصيدة مستهلها هَذَا (مَا الْعَصْر الشَّبَاب رثت بروده ...
وَلَو جيدها من الْوَصْل روده) (ولمياده وَمَا طَال عهدا ...
من سقيط الندى ذوى أملوده) (وَسَوَاد العذار عَاد مَرِيضا ...
فَأتى ناصع البنان يعودهُ) (وحبِيب يحنو عَلَيْهِ وَلَكِن ...
بزمام الى الْحمام يَقُودهُ) وَله (وَمن تخطئه نيران القوافى ...
فَسَوف يصبهُ ألم الدُّخان) وأبلغ من مذاق الْمَوْت بَأْس ...
جناه الْمَرْء من روض الامانى) وللشهاب فى معنى الاول وَهُوَ قَوْله (أَقُول لَهُ تنكب عَن مرامى ...
نبال الذَّم وَاحْذَرْ شرداء) (فَمن يقْعد على طرق القوافى ...
تمر عَلَيْهِ قافية الهجاء) وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْخَمِيس ثانى ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى جوَار السَّادة الوفائية ــ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.
محمّد بن ياسين المنوفي: شاعر، من أهل مصر.
في شعره جودة ورقة.
ولي عدة مناصب في القضاء.
مولده ووفاته في القاهرة .
-الاعلام للزركلي-