مُحَمَّد بن فضل بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعصمتى الرومى قاضى الْعَسْكَر أوحد الزَّمَان كَانَ أجل فضلاء الرّوم وأفصحهم وأظرفهم مُمَيّزا بَينهم بالمعرفة وَالْفضل وكل من رَأَيْته من أَرْبَاب الْمعرفَة سمعته يصفه بِالْفَضْلِ والذكاء وجودة الطَّبْع // وَحسن الشّعْر // والفصاحة وَهُوَ من بَيت فضل وَصَلَاح وَقد تقدم ذكر أَبِيه وَقد نَشأ وَحصل ودأب ثمَّ اتَّصل فى أَوَائِل أمره بشيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّاء فصيره ملازما ثمَّ أَرَادَ أَن يسْلك طَرِيق الملاخداوندكار فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فَعدل الى طَرِيق الْمولى وضمه شيخ الاسلام الْمَذْكُور اليه واستخلصه لنَفسِهِ ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى الْمدرسَة الَّتِى جددتها وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَهُوَ ثانى مدرس بهَا حكى والدى عَن شيخ الاسلام الْمَذْكُور قَالَ سمعته يَقُول لما وجهت اليه الْمدرسَة الْمَذْكُورَة والدته وَكَانَ عندى شرح الْمِفْتَاح بِخَط عصمتى فَأَخَذته معى فَقَالَ لى السُّلْطَان لمن وجهت الْمدرسَة فَقلت لصَاحب هَذَا الْخط وَهُوَ حفيد الشَّيْخ مُحَمَّد البركلى فأعجبه خطه وسألنى عَن فَضله فَذكرت لَهُ فَضله وزكنه فَقَالَ لى سَمِعت نبله من الافواه ثمَّ أَخذ الْكتاب وأبقاه عِنْده لإعجابه بِهِ قَالَ والدى وَلَقَد أخبرنى عصمتى انه بعد وَفَاة السُّلْطَان وصل اليه الْكتاب على يَد بعض الكتبيين فَاشْتَرَاهُ ثمَّ ولى من تِلْكَ الْمدرسَة قَضَاء الشَّام وَذَلِكَ فى شَوَّال سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وكبابه الْجواد قبل قدومه الى دمشق فانصدعت رجله فأنشده الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى ارتجالا هَذِه الابيات فى مجْلِس الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالَ (انهض فَلَا قعدت بك الايام ...
وسما بك الاقدام والاقدام) (قدم العلى انصدعت فَلَمَّا صدعت ...
صدع الْفُؤَاد فَلَا يكَاد ينَام) وَلم ينزل بقرية حرستا على عَادَة الْقُضَاة بل دخل وَكَانَ دُخُوله اليها فى سَابِع ذى الْحجَّة فَقَالَ الْفَاضِل عبد اللَّطِيف بن يحيى المنقارى فى تَارِيخ قدومه (زَمَانك يَا شمس المعالى مشرق ...
وعصرك يَا بدر الْكَمَال لطيف) (وفضلك بَين الْخلق دق ضاء نوره ...
وقدرك مَا بَين الانام منيف) (وانك فى جمع الكمالات مُفْرد ...
وانك فى حكم الْقَضَاء عفيف) (وليت دمشقا حَاكما فى رعية ...
بِعدْل لَهُ ظلّ عَلَيْك وريف) (وَلما أتيت الشَّام قلت مؤرخا ...
قدومك عيد عندنَا الشريف) ومدحه أدباء الشَّام بقصائد كَثِيرَة وَوَقع فى مجَالِس سطرت عَنهُ وَمِمَّا ريأته من آثَار قلمه مَا كتبه على نِسْبَة أدهمية لِابْنِ المرزناتى بِدِمَشْق ألحمد لله الذى جعل الانساب فى بعض الْفُرُوع النجباء وسائط لاستفاضة الانوار والهمم الْعَالِيَة من الاصول الاتقياء عصيا يتوكؤن عَلَيْهَا ويدركون بهَا غَايَة المنى ويرتقون الى مدارج العلى وَلَهُم فِيهَا مآرب أُخْرَى وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله الْكَرِيم النُّور الاول والظهور الآخر فَاتِحَة مصحف الْوُجُود وخاتمة رِسَالَة الرسَالَة مُحَمَّد الْمُصْطَفى الذى هُوَ حجَّته الْكُبْرَى من استضاء بمصابيحه أبْصر وَنَجَا وَمن أعرض عَنْهَا ذل وَهوى صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وعرته الَّذين هم حَبل الْهدى وشجرة التَّقْوَى وسفينة النجَاة الْعُظْمَى وَعُرْوَة الدّين الوثقى وَبعد فَلَمَّا تشرفت بِصَاحِب هَذَا النّسَب الْجَلِيل وجدته رَفِيق الْمجد وخليله نزيل الصّلاح وزميله تنَاول الْفضل كَابِرًا عَن كَابر وَأخذ الْفَخر عَن أسرة ومنابر فى نَاصِيَة تلوح عَلَيْهَا آثَار السَّعَادَة كالنور وفى جَبينه الانتساب الى من هُوَ كالتاج على مفرق هَذَا المنشور سطور فَمن نظر الى جميل خلقه وَحسن فعاله كَاد ينشد لِسَان حَاله بِاللَّه صلى الله تَعَالَى على النبى وَآله وَالشَّيْخ الْكَامِل الْوَاصِل الى مقَام الْعُبُودِيَّة الْمَدْعُو لهَذَا النّسَب بِعَبْد الْحق وَلَا ريب فى أَن أَلْسِنَة الْخلق أَقْلَام الْحق من سر العنصر الْكَرِيم ومعدن الشّرف الصميم الذى ببركة أنفاسه القدسية تبتهج الدُّنْيَا وعَلى عماده تضرب خيام الزّهْد وَالتَّقوى سيدنَا وسندنا الاكمل الآتم ابراهيم بن أدهم قدس الله سره وأفاض علينا خَيره وبره انْتهى قلت وَهَذَا المترجم مَعَ فَضله الباهى هُوَ أحد الْقُضَاة المذمومين بِالشَّام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قرب جمَاعَة من أهل دمشق معروفين بالبغى وسلمهم أمره فبالغوا فى التعدى وَنسب ذَلِك اليه فعزل وسافر من دمشق فصحبه والدى الى الرّوم وَألف رحلته الاولى باسمه قَالَ وَلما وصلنا الى دَار الْخلَافَة كَانَ شيخ الاسلام الْمولى يحيى الْمَذْكُور آنِفا مَرِيضا فاتفق انه عَاده الْوَزير الاعظم مصطفى باشا وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَقَالَ الْحَمد لله تَعَالَى حصل لى الشِّفَاء بقدوم عصمتى وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور نَاوِيا أَن يُوقع بِهِ مَكْرُوها لما سَمعه من خَبره فَكَانَت كلمة شيخ الاسلام سَببا للعفو عَنهُ ثمَّ صَار قَاضِيا ببروسه وعزل فى مُدَّة جزئية وعانده الزَّمَان مُدَّة وانخفض حَتَّى ولى قَضَاء أَيُّوب وازمير ورق حَاله وَركبهُ دين عَظِيم وَلما ولى الْبَهَاء الْفتيا تقيد بتنميته فصيره قَاضِيا بقسطنطينية عشرَة أَيَّام وَنَقله الى قَضَاء سلانيك وفى أثْنَاء الطَّرِيق ضرب بعض خُدَّامه من غير عمد فَمَاتَ الْخَادِم وَحصل من سلانيك مَالا جزيلا وَقدم فبقى معزولا مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى أقبل عَلَيْهِ الْوَزير الاعظم مُحَمَّد باشا الكوبرى فَجعله قاضى الْعَسْكَر باناطولى وروم ايلى وتكرر لَهُ قَضَاء روم ايلى ثَانِيًا وَكَانَ شهما على الْقدر صلفا لحسن المنادمة وَكَانَ ظرفاء الرّوم يتنافسون فى حُضُور مَجْلِسه ويتفاخرون فى مكالمته وَكَانَ أديبا باهر الطَّرِيقَة وَقد ذكره الفيومى فى كِتَابه فَقَالَ فِيهِ لَهُ أدب كزهر الرياض وَشعر كَمَاء حلا وعذب فى الْحِيَاض فَهُوَ كمامة الزهر بل نادرة الدَّهْر تشرفت بِهِ وربطت سببى بِسَبَبِهِ فشنف سمعى وبعشرته رق طبعى فكم تلقيت من فِيهِ مَا هُوَ نَزعَة النبيه وَكم تلقفت مِنْهُ زهر الْآدَاب النديه وَبَيَان الصاحة الادبية فَمن درره الزاهره وأشعاره الباهية الباهره هَذِه المقاطيع (أَهلا بِمن فاق السماك مخجلا ...
شمس الضُّحَى فى رفْعَة وسناء) (فَكَانَ لى فَوق الثريا منزلا ...
علقت بسدته حبال رجائى) وَقَوله فى صدر مُكَاتبَة (يَا سراج التقى وَبدر المعالى ...
دم منيرا وهاديا للعباد) (كنت من قبل ألثم الْيَد بالاجلال والآن نَالَ ذَاك مدادى ...
) وَكتب الى شيخ الاسلام أَبى السُّعُود فى صدر كتاب وَهُوَ (لَا زلت فى فلك السَّعَادَة ساطعا ...
أَنْت الكفى بحاجتى وحسيبى) (أملت حظوة نظرة من أجلهَا ...
أشغلت ساحتكم ببسط كروبى قَالَ وَلما قَرَأت عَلَيْهِ فى تَارِيخ ابْن خلكان قَول ابْن عبد ربه (نعق الْغُرَاب فَقلت اكذب طَائِر ...
ان لم يصدقهُ رُغَاء بعير) أنشدنى لنَفسِهِ (ورد النسيم فَقلت اصدق قَائِل ...
اذ كَانَ من ألم الغرام خَبِيرا) وَبعث رقْعَة الى وَاحِد الدُّنْيَا الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعزتى وفى صدرها (يومكم نصفة تقضى بنوم الْعِزّ وَالنّصف مِنْهُ للقرناء ...
) (طالع الدَّرْس بعد كل عشَاء ...
فالليالى تعد للاحياء) قَالَ وَلما كنت مَعَه فى بروسه وَجَاء زمن الْورْد أنشدنى لنَفسِهِ (عصر ورد عش بالرحيق الصفوق ...
دم فان الصبوح مثل الغبوق) (أَنْت بِالْفَتْح والدلال أنيس ...
ولى الْخمر كالصديق الصدوق) وَانْتَحَلَ على أَن أنظم من هَذِه القافية قصيدة فَقلت (قُم الى الرَّوْض واغن بالراووق ...
من سلاف قد راق فى الابربق) (فى ربيع وأعين الْورْد تبدو ...
بَين غمض الزهور والمستفيق) (واجتل الكاس فى الرياض عروسا ...
تشف بِالرَّاحِ من لهيب الرَّحِيق) (هى رَاح وراحة وشفاء ...
بل وبرء لكل قلب خفوق) (قد صفت فى الزّجاج عَن التصافى ...
فهى أهل الصَّفَا لصب مشوق) (طَابَ وَقت الرّبيع فاغتنم الصفو وبادر اليه نَحْو الرفيق ...
) (طيب عَيْش اللبيب بالذوق والانس وخل مُوَافق ورحيق ...
) (والمليح الذى اذا مَاس عجبا ...
وانثنى قد سبا بخصر رَقِيق) (يسلب الْعقل والفؤاد بِوَجْه ...
وبطرف ومبسم وبريق) (ان تدر كاسه ترى الْقَوْم صرعى ...
من مدام حبابه فى بريق) (قُم وبادر فالروض فى طالع السعد وَمن أفق روضه فى شروق ...
) (حركته على الغصون شمال ...
فَهُوَ نشوان فَوق غُصْن وريق) (حَار عقل اللبيب فى سَاعَة الْبسط وَقد دَار كأس خمر عَتيق ...
) (بَين ورد وجنة ومدام ...
وانحدار الْمِيَاه بالتصفيق) (اتما الْعُمر عيشة الْمَرْء فى الصفو بروض البها وَحسن الصّديق ...
) (حَيْثُمَا السكر من دنان الحميا ...
نشأة الصب فى منى والعقيق) وَذكره والدى رَحمَه الله تَعَالَى وَأطَال فى وَصفه الى أَن قَالَ وَقد تشرفت بِهِ فى سفرتى الثَّانِيَة الى الرّوم سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف فرأيته منعما بهَا وَقد دارت رحى رجانه على قطبها وذكرنى بأَشْيَاء كنت نسيتهَا الطول الْغَيْبَة بل تناسيتها وَقد صدئت مرْآة فهمى لطول الْمدَّة عَن حَضرته وتكدر مَاء خاطرى لبعد الْعَهْد عَن خدمته (فان الصارم الصمصام ينبو ...
شباه لطول عهد بالصقال) ورأيته لم يتَغَيَّر عَن معاملتى فى الْحَقِيقَة وَهَذَا خلاف مشربه الْمَشْهُور عِنْد الْخَلِيفَة وتقيد بأحوالى وَهُوَ فى صدارة الرّوم على حسب مَا أمكنه عِنْد السَّادة القروم وَقد شمت من كرمه بارق سَحَاب وحصلت من وَعوده على أخصب جناب وَمن زرع خيرا حصد جَزَاء فحالت غيوم سوء الْحَظ بَين طرفى المنى والاحسان فَلم يساعد على الامنية الْمَقْصُودَة الزَّمَان وكتبت اليه فى تِلْكَ الايام قصائد ورسائل وفصولا هى لشرح حالى رسائل قلت وَقد أورد مِنْهَا فى تَرْجَمته وفى رحلته الثَّانِيَة أَشْيَاء كَثِيرَة قَالَ وَلم يزل على الظّرْف والصلف الى أَن جاور من مضى من السّلف وفاجأته الْمنية وناوله ساقى الْحمام كأس الْمنون لَا كأس المدام وَذَلِكَ فى ثانى عشر صفر قريب وَقت السحر سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بِبَاب أدرنه من أَبْوَاب قسطنطينية وَلم يخلف ولدا وَلَقَد فجعت الرّوم مِنْهُ بفاضل نجيب وكامل لَبِيب وَسَهْم الرزايا بالنفائس مولع انْتهى ــ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.
محمد بن فضل الله بن محمد البركوي المتخلص بعصمتي: فاضل حنفي رومي.
تولى صدارة روم ايلي.
له (ديوان شعر) تركي، وبالعربية (مجمع المهمات في فعل الطاعات - خ) بخطه، في الأزهر، فرغ منه سنة 1070 قال المحبي: وله مجالس أدبية -الاعلام للزركلي-