مُرَاد بن ابراهيم الْمَعْرُوف بن الشريطى الدِّمَشْقِي الدفترى الرئيس النبيه اللوذعى الْكَامِل أحد الافراد فى المعارف وَحسن الْخط وبداعة الاسلوب فى الْمُنْشَآت والرقم وَكَانَ شهما حاذقا صائب الرأى وَالتَّدْبِير سما بِهِ حَظه من حِين نشأته فخالط الْكِبَار وتمهر فى أفانين الْكِتَابَة وسافر الى الرّوم وَولى كِتَابَة الْجند بِالشَّام وازداد على توالى الايام رونقا واشتهارا ثمَّ ولى الدفتر بِدِمَشْق وَعظم صيته واتسعت دائرته وتملك دَار سِنَان باشا الْوَزير ابْن جغال قرب الْجَامِع من نَاحيَة سوق السِّلَاح فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وجدد فِيهَا عمارات وأتقنها غَايَة الاتقان وفيهَا يَقُول أَبُو بكر الْعُمْرَى شيخ الادب (ان دَارا أَحييت مِنْهَا رسوما ...
أخلقتها أيدى الزَّمَان العوادى) (ومغان كسوتها حلل الْمجد فَقَامَتْ تختال فَوق المهاد ...
) (أذكرتنا عهد الْجنان وَأَنت ...
مَا حكوه من وصف ذَات الْعِمَاد) (هى دَار العلى وَبَيت المعالى ...
ومقام السُّعُود والاسعاد) (وَلها الْجَامِع الْمُعظم جَار ...
نعم جَار الرِّضَا الْيَوْم الْمعَاد) (صانها الله رَبنَا وحماها ...
ووقاها من أعين الحساد) (لذبها مَا اسْتَطَعْت صَاح وأرخ ...
فهى بَيت مبارك لمراد) وَقَالَ يمدحه ويهنئه بِالدَّار الْمَذْكُورَة بِهَذِهِ القصيدة وهى من أَجود شعره ومطلعها قَوْله (رويدا فَمَا ظهر المطى حَدِيد ...
وَلَا منزل الاحباب عَنْك بعيد) (ومهلا فَمَا سوق الركائب مطفئ ...
لهيب ضرام الشوق وَهُوَ شَدِيد) (ورفقا بِهَذَا الْقلب كم يحمل الجوى ...
على أَنه دون الْقُلُوب عميد) (تَقول زرود يَا أَخا الوجد بغيتى ...
صدقت وَلَكِن أَيْن مِنْك زرود) (وان المغانى لَا يُفِيد ادكارها ...
وَهل دون وصل القاطعين يُفِيد) (بلَى تَنْفَع الذكرى اذا طمع الحشا ...
وَقد ساعدته فى الدنو وعود) (وبالكلة الْحَمْرَاء حوراء لَو جلت ...
على الْبَدْر وَجها قابلته سعود) (وان خطرت فى الرَّوْض وَالرَّوْض حافل ...
لعَلِمت الاغصان كَيفَ تميد) (وَلَو نفثت فى الْبَحْر وَالْبَحْر مالح ...
لحلاه در الثغر وَهُوَ نضيد) (وأغيد لَوْلَا وَجهه وقوامه ...
لما ذكرت يَوْم التنافر غيد) (من التّرْك معسول المراشف لين المعاطف حَبل الشّعْر مِنْهُ مديد ...
) (لواحظه تحمى موارد ثغره ...
فَمَا لصد نَحْو الرضاب وُرُود) (ضنين باهداء السَّلَام ورده ...
على أَن بعض الباخلين يجود) (وَرب صديق صَادِق قد بثتته ...
شجونا لَهَا بَين الضلوع وقود) (فأوسعنى عتبا وَقَالَ لى اتئد ...
فَمَا الرأى فى وصف الحسان سديد) (أتطلب من بعد الثَّمَانِينَ صبوة ...
وَهل يتَغَنَّى بالملاح رشيد) (فَقلت لَهُ اكفف فالنسيب مقدم ...
على كل مدح طَابَ مِنْهُ نشيد) (وان ارتجال الشّعْر فى الْمَدْح مَذْهَب ...
محاسنه والذائقون شُهُود) (فَقَالَ وَمن ترجوه فى الجاه والغنى ...
فَقلت لَهُ وَالْحق فِيهِ شَهِيد) (أغير مُرَاد الدفترى يَلِيق أَن ...
يساق اليه فى دمشق قصيد) (وَهل ينظم الشّعْر البديع لماجد ...
سواهُ معَاذ الله ذَاك بعيد) (أَمِير المعالى والمعانى خدينها ...
لَهُ من وُفُود المعتفين جنود) (كريم الْمحيا باسط الْكَفّ بالندى ...
اذا شحت الانواء فَهُوَ يجود) (تَطوف بَنو الآمال سعيا بِبَابِهِ ...
فتبلغ مَا قد أملت وتعود) (تصدق يمناه وَلم تدر أُخْتهَا ...
ويسراه يسر وهى مِنْهُ تفِيد) (ضحوك الثنايا باسم الثغر بشره ...
يبشر بالجدوى وَفِيه مزِيد) مِنْهَا (يمزق أَمْوَالًا حوتها يَمِينه ...
وَعَن بَيت مَال الْمُسلمين يذود) مِنْهَا (كسانى وأولانى الْجَمِيل ببره ...
وَمَا بره الالهى ونقود) (وحقق تجدنى فى ثِيَاب سخائه ...
وَهل أَنا الا أعظم وجلود) (فيا أيهذا السَّيِّد الْجيد الذى ...
ترَاهُ على رغم حسود يسود) (اليك بهَا من منطقى عمرية ...
تهادى على أترابها وتميد) (محجبة بكر الْمعَانى رفيعة المبانى وَقصر الغانيات مشيد ...
) (اذا أنشدت تكسو المحبين بهجة ...
وَيَعْبَسَ مِنْهَا كاشح وحسود) وَقد بقى فى دفترية الشَّام مُدَّة سِنِين ووجهت اليه رُتْبَة امير الامراء وَهُوَ بهَا وسالمه الزَّمَان فَلم ينغص لَهُ عَيْش ورزق السَّعَادَة فى المَال والبنين فانه نَشأ لَهُ ولدان كَانَا غَايَة فى المحاسن والفطنة وَكَانَ كثير الْميل للفضلاء والادباء يعاشرهم ويداوم الِاجْتِمَاع بمجالسهم ويبالغ فى تعظيمهم واذا عرض لاحدهم أَمر مُهِمّ فى جَانب الدولة صرف جهده فى انجازه وَكَانَ صُدُور الدولة يرعون حرمته ويكاتبونه ثمَّ عزل عَن دفترية الشَّام وسافر الى الرّوم وتوطن بقسطنطينية وانخرط فى سلك أَرْبَاب الخدمات والمناصب وبقى ابناه فى دمشق فانتقى لَهما زعامتين عظيمتين وجهتا اليهما وَكَانَ صهره الرئيس النَّبِيل أَحْمد السحملى كَاتب الْجند بِدِمَشْق فَصَارَ لَهُ تعين تَامّ بالاستناد اليه ثمَّ ترقى صَاحب التَّرْجَمَة حَتَّى صَار دفتريا فى الشق الثانى فى أَيَّام السُّلْطَان ابراهيم وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بخيلها ورجلها وراجعته الْخَاصَّة والعامة فى الامور وتهيأ فى أثْنَاء ذَلِك للدفترية الْكُبْرَى لما كَانَ فِيهِ من الاهلية وَلَكِن بدر مِنْهُ بِسَبَب غرور الدولة مَا كَانَ سَببا فَقتل فى سنة سبع وَخمسين وَألف بقسطنطينية ــ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.