محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمد الأمين، الحسيني العاملي ثم الدمشقي: آخر مجتهدي الشيعة الإمامية في بلاد الشام.
له شعر واشتغال بالتراجم.
ولد في قرية شقراء (من أعمال مرجعيون، بجبل عامل) وتعلم بها ثم في النجف (بالعراق) وعاد إلى سورية، فاستقر في دمشق (سنة 1319) وعمل في التدريس والوعظ ثم الإفتاء.
وتوفي في دمشق.
كان مكثرا من التأليف: يجمع ما تفرق من آثار الإمامية وسيرهم، ويؤلف في فقههم، ويذب عنهم، ويناقش، وقد يهاجم، من كتبه " أعيان الشيعة - ط " نشر منه 35 مجلدا، ولم يتم، وطبع منه بعد وفاته إلى السادس والخمسين، و " الرحيق المختوم - ط " ديوان شعره، مما نظمه قبل سنة 1331 هـ و " الحصون المنيعة - ط " رسالة في الرد على صاحب المنار، و " تحفة الأحباب في آداب الطعام والشراب - ط " رسالة، و " أبو نواس، الحسن بن هانئ - ط " و " أبو فراس الحمداني - ط " و " دعبل الخزاعي - ط " و " كشف الارتياب - ط " تحامل فيه على حنابلة نجد، و " معادن الجواهر - ط " ثلاثة أجزاء، في مباحث مختلفة، و " المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبويّة - ط " خمسة أجزاء، و" لواعج الأشجان - ط " في مقتل الحسين ومراثيه والأخذ بثأره، و " الدر الثمين - ط " في الفقه، و " الدرر المنتقاة - ط " سلسلة مدرسية في ستة أجزاء صغيرة، و " مفتاح الجنات - ط " في الأدعية والصلوات والزيارات، و"نقض الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، لموسى جار الله - ط " وهو آخر ما نشر من كتبه، وأصدر نجله الأستاذ حسن الأمين، سنة 1373 هـ كتاب " السيد محسن الأمين: حياته بقلمه وبأقلام آخرين " وفيه ما يفيد الرجوع إليه في سيرته ومواقفه الوطنية أمام الاسعتمار الفرنسي .
-الاعلام للزركلي- له كتاب: الاتجاهات الكلامية كتاب لتراجم أصحاب الفرق المختلفة "أعيان الشيعة" لمحسن ابن عبد الكريم الأمين (1371 هـ).
نابغة عصره الإمام المجتهد المرحوم محسن الأمين مولده وأصله ونشأته: هو الإمام المرحوم محسن الأمين بن المرحوم عبد الكريم الحسيني العاملي، ولد بقرية شقرا التابعة لناحية هونين من أعمال مرجعيون، وموقعها بين تبنين وهونين، وهي من قرى جبال بني عاملة المعروفة الآن بجبل عامل سنة 1282ﻫ ـ 1863م، وكثيرون من العلماء والشعراء والنوابغ ولدوا بالقرى قديماً وحديثاً، وقلّ منهم من ولد بمدينة، ينحدر الفقيد العظيم من أصلاب طاهرة، فيمت بنسبة إلى الإمام زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين السبط الشهيد.
وقد اشتهرت نسبة أجداده إلى قشاقش دون أن يعرف سبب هذه التسمية، ولما بلغ السبع سنوات من عمره رحمه الله تجلت آيات ذكائه اللماح وعبقريته الفطرية الكامنة، فتعلم القرآن الكريم والخط، واعتنى والده بتثقيفه وتهذيبه، وتفرغ لطلب العلوم، وقرأ قواعد اللغة العربية والمنطق والمعاني والبيان والفقه في مدارس جبل عامل على أعلامها الفضلاء بإتقان وتدقيق، وألّف وهو فتى في حلقات الدراسة رسالة في النحو، ومنظومة في الصرف، وعلق حواشي على المطول، وعلى معالم الأصول، ومنظومة في علاقات المجاز، واختار بفراسته من أقرانه في الدراسة أبرزهم اجتهاداً، وأفضلهم إخلاصاً.
هجرته إلى النجف الأشرف: وتنطلق أفكاره محاولة أن تستشف حجب الغيب فيعود إلى نجواه وشغفه بالهجرة إلى النجف الأشرف التي كانت ولم تزل محط رحال طلاب الإمامية وعلمائها من جميع الأقطار لمتابعة دراسته، فتحول دون بغيته موانع قاهرة، فجاشت عواطفه الفياضة الذاخرة بالشوق والحنين بخريدة من عيون الشعر النوراني الخالد، منها قوله: ثم شاءت عناية الله أن يكون خليفة أسلافه فضلاً وعلماً ونبلاً، فزال المانع وسافر في أواخر شهر رمضان سنة 1308ﻫ 1889م إلى بغداد، وتشرف بزيارة قبور الأئمة في كربلاء والكاظمية وسر من رأى، ونظم قصائد بليغة كثيرة بمدح النبي وآل بيته من هذا النوع.
ثم توجه إلى النجف الأشرف، فانكب على المطالعة والمراجعة والدراسة والإفادة والتصنيف والتأليف مدة عشر سنين وستة أشهر ونصف شهر، وهو يقطف من نوارها ويستضيء بأنوارها.
صبره واحتسابه: وتعرض لنوب الزمان ومحنها شأن ما يلقاه العظماء في مراحل حياتهم، فكان صابراً، تلقى أحداثها بثغر باسم، ورضي بالأمر الواقع، ورأى مـن الأسـرار والعجائـب الروحيـة مـا لا مجـال لذكـره في هذا التعريف الاستطرادي.
لم يكن أبواه يعلمان أنه سيصبح علماً شاهقاً من أعلام الأئمة الإسلامية، وفي خلال هذه الفترة استدعاه المرحوم والده ليعود إليه، وكان وحيداً لأبيه بعد أن كف بصره وضاق صدره لفراقه، فكانت أفكاره وهواجسه صراعاً بين حافزين، إما اجابة طلب والده وإطاعته بالعودة وفي ذلك ضياع مستقبله، وإما الاستمرار في الدراسة والإمامة العلمية تنتظر قيادته لها، ودعا ربه أن يجمعه بوالده، فاستجاب له وأوقد الله في قلب والده نار الشوق بالتشرف بزيارة الأعتاب المقدسة والحنين للقاء فلذة كبده، فحضر مع عائلته إلى النجف الشريف، وهكذا تمت الكرامة الموروثة، وكانت ساعة اللقاء رهيبة يعجز القلم عن وصفها، فقد عبرت المآقي عن لواعج الأشواق، وأضاءت بصيرته بأنوار الأعتاب الطاهرة، وشفى غليل قلبه بقربه من قرة عينه.
مصابه بوالده:وقضت إرادة الله أن يفجعه بوالده، فدعاه لدار الخلود لعشر مضين من ذي الحجة سنة 1315ﻫ، فدفن في الصحن الشريف العلوي، وأصبح الإمام الفقيد ذا عائلة مسؤولاً عن تكاليف إعاشتها، ومرت سنين عجاف في العراق، فاشتد الغلاء، وقلت موارده من ريع أملاكه في جبل عامل عن المعتاد، فبارك الله في رزقه ويسّر له من أسباب التوفيق مدة إقامته بالنجف الشريف ما خفف عن كاهله أعباء الحياة، فلا سعى وراء مال، ولا احتمل منةً لمخلوق، وأخذ يعزي نفسه بالصبر والسلوان والتسلي بالتأليف والكتابة الإبداعية الرائعة، أوليس الألم هو الذي يصهر العبقرية فيخرج منها آيات بينات؟! إتمام دراسته:وفي أواخر شهر جمادى الثانية من سنة 1319ﻫ ـ 1900م نال شهادة الاجتهاد عن شيوخ أعلام، فاستوى هذا الإمام العبقري على كرة الفضائل، فكان علم علماء عصره، وأفضل فضلاء زمانه، وأزمع العودة إلى دمشق، فاحتفل بوداعه في العراق وبمقدمه بدمشق، واستقام حتى وفاته، فكان رحمه الله مشكاة أنوار العلماء الأعلام.
رحلاته إلى الحجاز: وفي سنة 1321ﻫ سافر إلى الحجاز، وأدى فريضة الحج فاحتفى به أشراف مكة بما يليق بعبقريته وطارفه التليد، ثم زار المسجد الأقصى في القدس، وفي سنة 1331ﻫ زار ثانية قبر الرسول الأعظم ﷺ، وألف رسالته الشهيرة عن الوهابيين، واشتهرت مؤلفاته واحتلت مكانها الأول في الأقطار الإسلامية، وغدت مناقبه على ألسنة الدهر مأثورة.
مؤلفاته: كان رحمه الله مسرفاً في نشاطه، محبًّا للعمل، دائب الإقبال عليه في مقدرة تفوق كل وصف، ومن المحال في حديث قصير مثل هذا أن أوفي جميع نواحي العظمة حقها في شخصية الإمام البارزة، فالعظيم لا تحد بحياته العظات، فهو حي بآثاره ومآثره، فقد جادت قريحته بآيات بينات من المؤلفات الفريدة الكثيرة، فكان بحق نابغة عصره.
شعره: إن الأدباء يتتبعون أسلوباً قديماً بالياً سداه السجع، ولحمته التصنع، أما الفقيد الإمام الشاعر المتضلع المتفنن فقد استطاع أن يستخلص لنفسه أسلوباً يدل على ذكاء وفطنة وقدرة خارقة، فكان بيانه من السهل الممتنع كما يعبرون عنه في لغة البيان، فإن ما انتجه من أدب حقيق بكل زهو وحري بكل كبرياء، نظمه كالدر المنظوم، ونثره يفوق نثر النجوم، ومن روائع شعره في الغزل قوله: ومنها: فنونه: لقد كان الإمام فناناً بروحه وطبعه، عليماً بالأنغام وأوزانها، فالنوابغ لا تقف عبقريتهم عند حد، كان يهوى الموشحات وسماع ألحانها، فقرائح العباقرة تحتاج إلى الشحذ بين حين وآخر، فمن قضى معظم أوقاته في الحياة بين التأليف والمناظرات والمساجلات وقراع القوافي حق له أن يأخذ قسطه من الراحة ويرفه عن نفسه بسماع الأصوات الجميلة والألحان الشجية المنعشة للأرواح، وقد لحن الإمام الفقيد موشحاً مؤلفاً من أحد عشر مقطعاً مع لازمة الدخول، يعتبر من أروع الموشحات بلاغة وسحراً في لحنه وقافيته، لحن مقاطعه شاعر العبقرية والفن المرحوم ملا عثمان الموصلي، فجعل اللازمة من نغمة البيات كرد، وكل مقطع بنغمة مستقلة، أكتفي الآن بذكر مقطعين منه: (اللازمة) (دور) صفاته: ما هو الوصف الذي أستطيع أن أعبر به حيال شخصية الإمام العظيم بعد أن أفاض الواصفون عن شمائله المحمدية، أما محياه ووقاره فصورته الغراء تنبيك عن طلعة علوية، ومهابة حسنية موروثة، إذا تكلم سمعت صوتاً لؤلؤيًّا كأنه إيقاع النغم، متعه الله بإيمان قوي وشخصية جذابة عز نظيرها، هادئ الطبع، فهو كالغدير الذي يسقي الغابة الظمأى في سكون الليل.
أما سحر منطقه تلك الهبة السامية التي منحه الله إياها فقد كانت عنصراً قويًّا من عناصر نجاحه، وفيها فصل الخطاب بإسقاط حجة مناظريه بالحديث.
ومن أبرز صفاته إسداؤه الخير للناس، وإنشاؤه المدارس، وانتصاره للحق.
وفاته: لقد أدركته الشيخوخة وهو في تمام عقله وذاكرته إلى أن دعاه ربه وكان يستجم في مدينة بيروت، فلبى الدعوة لمنازله الخالدة في يوم الأحد 15 رجب سنة 1371ﻫ الموافق 30 آذار سنة 1952م وأقيم له مأتم عظيم كان أوله في بيروت وآخره في دمشق، ولم يبق علم ولا عظيم إلا وشيعه لمثواه الأخير، وقد وفدت على دمشق وفود كثيرة من العراق والعجم للتعزية به رحمه الله رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، وعوض المسلمين خيراً يوازي فقده من بينهم، آمين.
دفن بروض السيدة زينب، واحتفل بتشييع جنازته بشكل منقطع النظير، وأفاض الشعراء والأدباء برثائه وإحياء الذكرى السنوية لوفاته، فسلام عليه بين الأبرار الخالدين.
أنظر كامل الترجمة في كتاب أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 230 - 232.