أحمد (أبو خليل) بن محمد آغا آقبيق (بمد الألف وسكون القاف وكسر الباء) المعروف بالقباني: من أوائل منشئي المسرح التمثيلي العربيّ في الشام ومصر.
له اشتغال بالأدب والشعر والموسيقى.
دمشقي من أسرة (آقبيق) وهي كلمة تركية معناها الشارب الأبيض، كان يلقب بها أحد جدوده.
تعلم أبو خليل في بلده، ونظم عدة (موشحات) ولحنها، وأنشأ مسرحا للتمثيل بدمشق عرض فيه بضع (روايات) غنائية من وضعه وتلحينه، اقتبس حوادثها من (ألف ليلة وليلة) اشتهر منها (ناكر الجميل - ط) و (هارون الرشيد - ط) و (أنس الجليس - ط) وأنكر عليه بعض الشيوخ إتيانه بهذه البدعة، فشكوه إلى حكومة الآستانة، ومُنع من الاستمرار، فاحترف التجارة بما يسمى (مال القبان) وعرف بالقباني.
وولي دمشق أحد رجال الإصلاح المشهورين من الترك (مدحت باشا) فدعاه إليه وأذن له بالعودة إلى ماكان قد بدأ به.
وأقصي مدحت عن دمشق، فرحل أبو خليل إلى مصر سنة 1884 م، ومعه (جوقة) من الممثلين والمنشدين، فبدأ بتمثيل (أنس الجليس) وعلت شهرته، وكثر الآخذون عنه.
واقتبس من الأدب الغربي قصصا عن كورنيه (corneille) الفرنسي، وغيره، وسافر إلى العاصمة العثمانية (الآستانة) وأميركا، ولقي نجاحا.
ثم عاد إلى دمشق فكتب (مذكراته - خ) وتوفي بها.
وله غير ما تقدم (لباب الغرام - ط) قصة، و (الأمير محمود نجل شاه العجم - ط) قصة أيضا .
-الاعلام للزركلي- أبي خليل القباني أصله: هو احمد أبو خليل بن محمد آغا بن حسين آغا آقبيق، ولد في دمشق سنة ألف وثمان مئة وثلاث وثلاثين ميلادية، وينحدر من أصل تركي يتصل بأكرم آقبيق ياور السلطان سليمان القانوني، وأحد أجداده هو شادي بك آقبيق الذي شاد مدرسة الشابكلية للعلوم الدينية مع جامع كبير، وأوقف لهما أوقاف القنوات بأجمعها، ثم لقب في عهده بالقباني لأنه يملك قبان باب الجابية، نسبة إلى القبابين التي كانت بذلك التاريخ ملكاً لفريق من العائلات في كل حي من أحياء دمشق.
نشأته: عاش الفقيد رحمه الله بكنف والده، وجنى ثمر العلوم على أفحل علماء زمانه وأدباء عصره، وكان التدريس في ذلك العهد يجري في الجوامع، حيث تقام حلقات الدراسة لشتى العلوم العربية من نحو وصرف وبيان وبديع ومنطق وفقه وفرائض، وكانت حلقة القباني تضم أكثر من ألفي طالب، فكان بين أقرانه كالبدر بين النجوم، وقد ظهرت عليه آيات النبوغ والميل الفطري للفن الموسيقي والتمثيل وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم أكب على دراسة اللغة التركية على أحد علماء هذه اللغة في جامع الطاووسية فأتقنها، ثم درس اللغة الفارسية ـ وكان عمره آنئذ ثمانية عشرة عاماً ـ فنبغ فيها، وكان يسهر مع أخدانه من أفراد الأسر الكريمة ويقوم بتمثيل الروايات في البيوت، وكانت أول رواية مثلها في سهرات البيوت الدورية هي رواية ناكر الجميل، ألفها الفقيد متأثراً من حادثة معينة وقعت بين صديقين كان أحدهما عاقًّا أوقع برفيقه الذي أحسن إليه كل أذية وضرر.
تآليفه: كان الفقيد رحمه الله عالماً متضلعاً، ومؤلفاً بارعاً، وشاعراً مبدعاً، وناثراً بليغاً، ولبيباً فصيح اللسان، وقد جادت قريحته بتأليف ثمان وستين رواية، عرف منها روايات ناكر الجميل، الشاه محمود، السلطان حسن، أسد الشرى، لوسيا، عنترة، هارون الرشيد، وأنس الجليس، متريدات، عفيفة، ملتقى الحبيبين، وأسما وسليم، وأكثر هذه الروايات مطبوع يباع في المكاتب المصرية، وفي اقتنائها فائدتان: الأولى: ليعرف قـدر هـذا العالم العبقري في الأدب والفن والموسيقى لمن لا يعلم.
والثانية: لوجود ألحانه الموضوعة بمناسبات مناظر ومواقع التمثيل في هذه الروايات، وقد جمعت بين جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها.
فنه: كان رحمه الله ملحناً وممثلاً عبقرياً، ويعتبر الفقيد من أبرز مؤسسي مسرح التمثيل في الأقطار العربية، وتلقى عليه نخبة من فطاحل الفنانين المصريين الفن الموسيقي أمثال الشيخ دروكش الحريري أستاذ الشيخ سيد درويش، وكامل الخلعي الموسيقار المشهور، والشيخ سلامة حجازي وغيرهم، وهو الذي نقل الغناء الشامي وأكثره من نظم وتلحين الشيخ أمين الجندي الشاعر الحمصي المشهور ونشره في القطر المصري، فكان مسرحه منهلاً لطلاب الفن ينهلون من رحيقه، ومورداً عذباً يؤمه الكبراء والأمراء، والشعراء والأدباء لمشاهدة درره النفيسة ومواضيعه البليغة.وقد ذكر المرحوم عزيز العظمة أنه حضر مرة مع وزير إيران تمثيل رواية الشاه محمود، وأنشد الفقيد أشعاراً فارسية، فزاد في استغراب الوزير أن يكون المنشد عربياً وأتقن اللغة الفارسية كأنبغ أبنائها.أما مواهبه ومكانته بين عباقرة الفن فإنهم لو حشروا لبايعوا القباني بالإمارة عليهم، ولساروا في ركابه معتزين فخورين بعبقريته الخالدة.
صفاته: لقد كان الفقيد المرحوم على جانب عظيم من ثبات الجأش وقوة العارضة في تفهم المعنى وتقرير القاعدة، فيقولها بكلام بسيط يقرب من الأفهام، وكان يقول ردًّا على ما طعنه به بعض المتعصبين: (التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر، ظاهره ترجمة أحوال وسير، وباطنه مواعظ وعبر، فيه من الحكم البالغة والآيات الدامغة ما يطلق اللسان، ويشجع الجبان، ويصفي الأذهان، ويرغب في اكتساب الفضيلة، وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق ومعرفة طرق السياسة، وذريعة لاجتناء ثمرة الآداب والكياسة).
كان عظيم التواضع، وديعاً، أنيساً، كبير النفس، يرى الحياة ميدان جهاد وتضحية، ومضمار ثبات وإقدام، يعطف على الفقير رحمة به وإيثاراً لطاعة ربه، ويساعد الضعفاء من أبناء فنه.
كان ذا تقى وورع؛ لأن الدين دعامة الفضائل والمآثر والمبرات، ويهوى الشعر لأنه لغة الخلود والإحساس والعاطفة، ورسول الوحي والإلهام، ويجل الموسيقى والغناء والتمثيل لأنها سلوى الحياة وعزاء النفوس، ودواء الأفئدة المكلومة.
وفاته: وفي اليوم الواحد والعشرين من شهر كانون الأول سنة ألف وتسع مئة وثلاثة ميلادية طالت يد المنون القاهرة روح الفقيد الطاهرة، فطوت أمجد وأنبل شخصية عبقرية أتحف الدهر بها الشرق على إثر إصابته بعدوى الطاعون، ودفن بمقبرة عائلته في باب الصغير في السنانية بدمشق، وأنزل في قبر والده، وبأسفل قبره يقع قبر ابنته المرحومة خانم، وأنزل فوقها ابنته الثانية المرحومة الشهيدة سلوى.ونظراً للتناقض الواقع في تاريخ وفاته بين المؤرخين قصيدتين من الأبيات الشعرية المكتوبة على شاهدة قبره وما كتب على أسفلها أنه توفي في غرة شهر شوال سنة 1321ﻫ، ويوافق ذلك ليلة الأربعاء في 21 كانون الأول سنة 1903م، وقد آثرت إثبات الأبيات في حديثه للاطلاع: وقد ترك أطيب الذكرى وأحسن الأحدوثة، وأعقب ولدين وثلاث بنات، الأول خليل، وهذا أعقب الأديب السيد زهير القباني الموظف حالياً في جامعة الدول العربية بمصر، وعبد الحميد، وقد توفي ولم يعقب ولداً.
أنظر كامل التترجمة في كتاب أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 249 - 252.