المزين وَهُوَ أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد من أهل بَغْدَاد صحب الْجُنَيْد وَسَهل بن عبد الله وَمن فِي طبقتهما من البغداديين واقام بِمَكَّة مجاورا وَمَات بهَا وَكَانَ من أورع الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ حَالا توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يذكر ذَلِك سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الذَّنب بعد الذَّنب عُقُوبَة الذَّنب والحسنة بعد الْحَسَنَة ثَوَاب الْحَسَنَة قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْمعرفَة فَقَالَ أَن تعرف الله تَعَالَى بِكَمَال الربوبية وتعرف نَفسك بالعبودية وَتعلم أَن الله تَعَالَى أول كل شَيْء وَبِه يقوم كل شَيْء وَإِلَيْهِ مصير كل شَيْء وَعَلِيهِ رزق كل شَيْء سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثاني يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الطّرق إِلَى الله تَعَالَى بِعَدَد النُّجُوم وَأَنا مفتقر إِلَى طَرِيق إِلَيْهِ فَلَا أَجِدهُ قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ بِنَفسِهِ تاه فِي أول قدم وَمن أُرِيد بِهِ الْخَيْر دلّ على الطَّرِيق وأعين على بُلُوغ الْمَقْصد فطوبى لمن كَانَ قَصده إِلَى ربه دون عرض من أَعْرَاض الأكوان قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من اسْتغنى بِاللَّه أحْوج الله الْخلق إِلَيْهِ سَمِعت أَبَا بكر بن شَاذان يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَوْمًا وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ يُرِيد أَن يحرم بِعُمْرَة يبكي طول طَرِيقه وينشد (أنافعي دمعي فأبكيك ...
هَيْهَات مَا لي طمع فِيك) فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى بلغ بَاب مَكَّة وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت المزين يَقُول مَتى ظَهرت الْآخِرَة فنيت فِيهَا الدُّنْيَا وَمَتى ظهر ذكر الله فنيت فِيهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا تحققت الْأَذْكَار فني العَبْد وَذكره وَبَقِي الْمَذْكُور بصفاته قَالَ وَسمعت المزين يَقُول للقلوب خواطر يشوبها شَيْء من الْهوى لَكِن الْعُقُول المقرونة بالتوفيق تزجر عَنْهَا وتنهى قَالَ وَسُئِلَ أبي الْحسن المزين عَن التَّوْحِيد فَقَالَ أَن توَحد الله بالمعرفة وتوحده بِالْعبَادَة وتوحده بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كل مَا لَك وَعَلَيْك وَتعلم أَن مَا خطر بقلبك أَو أمكنك الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك وَتعلم أَن أَوْصَافه مباينة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حَدثا سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من افْتقر إِلَى الله تَعَالَى وَصحح فقره إِلَيْهِ بملازمة آدابه أغناه الله بِهِ عَن كل مَا سواهُ قَالَ وَسمعت المزين يَقُول ملاك الْقلب فِي التبري من الْحول وَالْقُوَّة قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من أعرض عَن مُشَاهدَة ربه شغله الله بِطَاعَتِهِ وخدمته وَلَو بدا لَهُ نجم الاحتراق لغيبه عَن وساوس الِافْتِرَاق قَالَ ورؤى أبي الْحسن يَوْمًا متفكرا ثمَّ اغرورقت عَيناهُ فَقيل لَهُ مَا لَك أَيهَا الشَّيْخ قَالَ ذكرت أَيَّام تقطعي فِي إرادتي وقطعي الْمنَازل يَوْمًا فيوما وخدمتي لأولئك السَّادة من اصحابي وتذكرت مَا أَنا فِيهِ من الفترة عَن شرِيف الْأَحْوَال وَأَنْشَأَ يَقُول (منَازِل كنت تهواها وتألفها ...
أَيَّام أَنْت على الْأَيَّام مَنْصُور) قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول المعجب بِعَمَلِهِ مستدرج والمستحسن لشَيْء من أَحْوَاله ممكور بِهِ وَالَّذِي يظنّ أَنه مَوْصُول فَهُوَ مغرور وَأحسن العبيد حَالا من كَانَ مَحْمُولا فِي أَفعاله وأحواله لَا يُشَاهد غير وَاحِد وَلَا يأنس إِلَّا بِهِ وَلَا يشتاق إِلَّا إِلَيْهِ قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي يسكن إِلَى مَضْمُون الله لَهُ ويزعجه دُخُول الأرفاق عَلَيْهِ من أَي وَجه كَانَ طبقات الصوفية - لأبي عبد الرحمن السلمي.
أبي الْحَسَنِ عَلِي بْن مُحَمَّد المزين من أهل بغداد، أَصْحَاب سهل بْن عَبْد اللَّهِ والجنيد والطبقة، مَات بمكة مجاورا سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وَكَانَ ورعا كبيرا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت المزين يَقُول: الذنب بَعْد الذنب عقوبة الذنب الأَوَّل، والحسنة بَعْد الحسنة ثواب الحسنة الأولى.
وسئل المزين عَنِ التوحيد فَقَالَ: أَن تعلم أَن أوصافه تَعَالَى بائنة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حدثا.
وَقَالَ: من لَمْ يستغن بالله أحوجه اللَّه إِلَى الخلق، ومن استغنى بالله أحوج اللَّه إِلَيْهِ الخلق.
الرسالة القشيرية.
لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري.
المزين:الأُسْتَاذُ العَارِفُ، أبي الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ، عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ المُزَيِّن.
صَحِبَ سَهْلَ بنَ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيَّ وَالجُنَيْدَ، وَجَاورَ بِمَكَّةَ.
وَكَانَ مِنْ أَورع القَوْم، وَأَكملِهِم حَالاً.
حَكَى عَنْهُ: أبي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَغَيْرهُ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ النَّجَّار، وَهُوَ أبي الحَسَنِ المُزَيِّن الصَّغِيْر.
فَأَمَّا أبي الحَسَنِ المُزَيِّن الكَبِيْرُ البَغْدَادِيُّ، فَآخر جَاوَرَ.
فَرَّقهُمَا أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَمَا يظهَرُ لِي إلَّا أَنَّهُمَا وَاحِد.
تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائة.
سير أعلام النبلاء: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايمازالذهبي