محمود الشقفة

تاريخ الوفاة: تاريخ الوفاة: 1399 هـ (1978م)الاسم الكامل: محمود بن عبد الرحمن الشقفةالمعرف: 101116

ابو الهدى الثاني أحسبه: الغوث في زمنه، وقطبه الفرد بسته وسننه فاق أهل عصره علما وعرفانا، وحاذى من نابهم عقلا وهدياً وإيمانا نشر العلم بين الخلق والعلم، وأفرغ الحال المحمدي في الأحرار أهل المكارم والشيم.

النائب الأحمدي: فضيلة الشيخ محمود بن عبد الرحمن الشقفة قدس سره.

ولا نزكي على الله أحداً لمجرد علمه وعرفانه و نُسُكه وظرفه فاستمع لما قاله فيه وفي أخيه، وفي رحب الروضة الهدائية النزيه السيد محمد مهدي الرواس القطب الغوث وهو من أكابر سلفه: وأشار إليه أيضا ولصغير من خدمه بقوله: فذلكة وأي فذلكة رجالها صُبْر متحققة وقال أيضا - رضي الله عنه - مردفاً لوصف أبي الهدى الأول والثاني وصف الرجال المنتمين إليهم المخلصين، والمحبين الصادقين، الثابتين ثبوت الجبال: فذلكة الصدق والوفاء والموالاة حتى اللقاء أقول بفقيدنا بل فقيد الإسلام والمسلمين، مربي الأجيال، ومعلم الأقيال، الأستاذ العلامة الكبير، والقطب الغوث الخطير، الشهيد السعيد، سُرادق قطره: بل ظلال كافة أهل زمنه وسيد شهداء عصره، الوارث الكامل: فضيلة الشيخ محمود بن عبد الرحمن الشقفه رضي الله عنه وقدس سره -نقول بلسان الحب الصادق، والوفاء الذي لا يعلم كنه حقيقتهما منَّا إلا الواهب الكريم الخالق، متمثلاً بما قاله سلف الفقيد السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي - رضي الله عنهما - بعد أن انطويتُ على جميع المحبين الصادقين، والموالين المعتقدين، لا المغرضين المتنكرين، مَوالي الجد والأرب المهين، أسرى الخيال، وغرقى الخبال، وهذا نص ما قال: الحمد لله رب الأرباب، مسبب الأسباب، الشكور لكل فاعل خير وحافظه في سيره بحياته وعند وفاته ويوم الإياب، متحف المحبين الصادقين بقوله سبحانه (يحبهم ويحبونه) والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل (المرء مع من أحب) - وهل الدين إلا الحب في الله والبعض في الله.

وعلى آله الذين أمرنا الله الودود بودهم وجوباً وأدبا (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).

وعلى أصحابه الذين رضي الله عنهم: من فاقوا الناس بعد الأنبياء والرسل بصحبتهم وصدقهم وتحابهم بشاهد قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) الى آخر الآية، وقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فلم يٌضر أولئك النفر منهم عند مولاهم ما حصل من التراخي وذلك لصدقهم وإخلاصهم، ولم تغرهم الدنيا ومكاتبة الملوك لهم والتعهد بالمكانة والإكرام، ولا عجب ولا غرابة بذلك يقول مربيهم ومعلمهم الوحيد ﷺ (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وهذا ما يجب من الأدب على التلامذة والمحبين والمحسوبين والأصحاب والمجالسين والموالين تجاه اشياخهم ومن التحلي بالصدق والإخلاص والبعد كل البعد عن الغرض لأن العرض كما قيل: مرض .

وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان الى يوم الدين.

أما بعد: فقد كان أستاذنا الناثر الناظم، المتعلم المعلم، العالم العامل، السالك المسلك، المربَّي المربِّى، المسترشد المرشد، الناسك المنقطع النظير، الولي العارف الكبير، كان الغوث في زمنه، وقطبه الفرد بسمته وسننه، فاق أهل عصره علماً وعرفانا، وحاذى من نابهم وجدد طريقهم عقلا وهدياً وإيمانا، نشر العلم الشريف المحمدي، وسقى الحال النبوي الأحمدي، بما خص به من الحال والقال، واللحظ والقلم السيال، فتح المدارس الدوارس، وأعجب بنشاطه أهل البيع والكنائس، عَمَّر الزوايا والمساجد، وأذعن لإخلاصه المخالف والمعاند، ربى العلماء وصفهم صفوفا، وأوقفهم للنضال تجاه الملاحدة رغم أعدادهم ملايين وألوفا، علَّم الزهد لرجاله الصادقين المخلصين بحاله ..

وهذبهم بما يتخلق به طبعاً من خصاله وفعاله، كان كثير الصمت، بعيداً عن اللغو والقت: من رآه هلَّل وكبَّر، وتأدب حياء من مظهره المحمدي الأنور كان سخياً وفياً، نبيها ذكيا، يتغابى عن عمد، ويتجاوز عن قصد، لكي لا يخجل المتقلب، ولا يقطع المذنب، يريد الخير لكافة الخلق، ويكره لهم الشر ولو كان بعضهم أحرى به وأحق، ينطبق عليه قول أبيه الروحي السيد محمد مهدي الرواس - رضي الله عنهما - من قصيدة له: وهكذا والله كان - رضي الله عنه - ويعجب المحب الصادق أن يقول فيه وعلى لسانه متمثلا بقول الأمير أسامة بن منقذ أمير (شيزر) قاله في أناس من قومه كانوا معه غير أوفياء ولا ناصحين كشأن بعض الملتصقين بأستاذنا أهل الأدب المزيف والمكر المغلف، يكثر مقبلهم كأنه يتلطف أو يتألف، واذا أدبر وخلا بنفسه أو ضمه جحر أمثاله بهم تبرم وتأفف، ورغم هذا كله كان فقيدنا رضي الله عنه - مع علمه بهم قد أضفى عليهم كرماً ستر جناحه، فكشفوا أنفسهم بعد انتهاء نويته وبراحه.

إنه بارح بحسه ولم تبارح صورة فعاله المخلصة بصائر أحبابه الصادقين وأبصار المنصفين، فانتقل جسمه الشريف الطاهر ولم تنتقل محبة روحه الراضية المرضية من قلوب الشاكرين لفعاله، الوالهين بكماله، المهيمن بحلة بهائه المحمدي وجماله، المخبتين لما رسم في قلوبهم من هيبته وجلاله، فرحم الله الأمير أسامة بن منقذ فإن نظمه يطرب المحب، ويخرس الخب، وهذا نصه: خدمته قليلا، وكنت شيخاً فاتر العزم كليلا، وصحبته لا في كل المجالات فوجدت مثلي لا يصلح لخدمة مثله من الرجالات، فاستفدت من صحبته ومعرفته حسب قابليتي وضعفها، وغبطت الأقوياء الصادقين أولي العزائم والنهى وعجبت من أناس كانوا ومازالوا قريبين منه بعيدين، ورجال نأت منازلهم عن رحابه و هم به عارفون مهيمون، قال رسول الله ﷺ (أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه)، وقال بعضهم: المحروم من حرم بركة أهل الوقت فوقته كله مقت - حمانا الله وهدانا.

ولد الناظم - رضي الله عنه وجمعنا به في دار الكرامة - في عام 1899م في (حماة الشام) وتربى في بيت أبيه البيت العريق كلهم أهل تقوى وصلاح وعلم حتى جاوز سن الطفولة فأخذ في طلب العلم حتى بلغ فيه أسمى مكانة وتصوف وكان له رياضات ومجاهدات، وكان ناسكاً لا يجارى في اجتهاده وورعه وزهده كان من جملة أشياخه أحد خلفاء السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي : مفتي حماة العالم العارف الكبير المعمر فضيلة الشيخ محمد سعيد النعسان، وقد اجتمعت به والله مزيد الحمد وأجازني بكل ما أجازه به أستاذه السيد محمد أبو الهدى بحضور شيخي ومخلفي وسيدي السيد الشيخ عبد الرحمن بن السيد الشيخ أحمد السبسبي الحسوي وقد أجازه أيضا في ذلك المجلس، فكان بعدها - قدس سره - يلاطفني فيقول لي : أنت ابني وأخي، تغمد الله الجميع برحمته وعمهم برضوانه.

وكان الناظم - رضي الله عنه وقدس سره - له صلة كبيرة وزيارات متبادلة مع محدث الشام وعالمها وعارفها فضيلة الشيخ السيد محمد بدر الدين الحسني نزيل دمشق - رضي الله عنه وقدس سره - وقد أجازه بإجازة خطية عامة تأتي صورتها في آخر الكتاب - إن شاء الله - وكان له أيضا صلة مع السيد محمد بن السيد جعفر الكتاني ومع ابنه البار العارف بالله العلامة السيد الشيخ محمد مكي مفتي المالكية في بلاد الشام ومع جميع أفراد أسرته السادة الأكارم الأكابر أمنة القطر الشامي في عصرنا، وله العلاقة الوطيدة، والسيرة الحميدة المجيدة، والصلة القديمة الكريمة بالسيد محمد تاج الدين الصيادي نقيب أشراف حلب، حفيد السيد القطب الفرد الأستاذ العلامة وحيد عصره علماً ومعرفة ومكانة السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي رضي الله عنه وكان أستاذنا فضيلة الشيخ محمود بن عبد الرحمن الشقفة قد أكمل بناء (الروضة الهدائية) في حماة الشام المحمية بلده ومسكنه ومحل إقامته، والروضة هي التي وقفها وقام ببنائها أولا السيد محمد ابو الهدى بأمر من أستاذه ومورثه القطب الفرد الغوث (الرفاعي الثاني) السيد محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عن السلف والخلف فإنهم بركة الوجود وأمنته بشاهد قوله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وهم بضعة من رسول الله ﷺ جعلنا الله من أحبابهم وخدامهم الصادقين آمين.

أكمل - قدس سره - بناء (الروضة الهدائية) حتى صارت كما أراد الله لها من الأزل مسجداً ومدرسة يتخرج منها العلماء أفواجاً أفواجا، ويتربى فيها المريدون الحقيقيون فإذا حل أحدهم في مكان أضاء واستضاء به غيره فكان للشريعة والحقيقة سراجاً وهاجا، وهي إلى الآن والحمد الله - والى ما شاء الله تبقى هكذا تستقبل طلابها من كافة أنحاء القطر الشامي المبارك من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن من البادية والحاضرة، ومن تركيا ويوغسلافيا ومن تونس والجزائر ومن كافة الأقطار فهنيئاً لكل فاعل خير قال - عليه الصلاة والسلام – (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة)، وقال ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

وهكذا كانت حياته كلها ابتدأها بطلب العلم ثم قام بنشره طيلة حياته دون توقف، وكان من حين ريعان شبابه لا يفوته الحج والعمرة والزيارة لحبيبه وقرة عينه سيدنا رسول الله ﷺ إلا اذا عاقه مرض أو أمر مهم أو إشارة محمدية تلقتها روحه الطاهرة بالامتثال والسجية الحيدرية، وقد أحكى لي رجل من أهل العلم الثقات وهو مازال على قيد الحياة حيا يرزق يروي ما حكاه عن الحاج خالد الراس الرجل الصالح التقي الديِّن أنه كان يخدم الشيخ من حين ريعان شبابه وقد رأى بعينه وسمع بأذنه اتصال الشيخ - وهو في المدينة المنورة -بالرسول الأعظم مباشرة دون أي واسطة، وقد كان سن الشيخ آنذاك ثلاثين عاماً إن لم يكن أقل، ولما قصصت هذه القصة على سيدي وأستاذي السيد الشيخ سليم الرفاعي من سادات قرية (قارة) وعالمها الفذ، وقصصتها أيضا على الصهر الكريم فضيلة الشيخ مصطفى التركماني وكان الطرفين متفقان طبيعة على الحرص من التأكد عن الحديث من مصدره، على أن مثل هذه الأسرار والخصوصيات لا تعرض عرضاً جلياً أمام كل إنسان، وشاء الله القدير أن جمعتنا مشيئته ضيوفاً عند شيخنا في (الروضة الهدائية) بحي الحاضر من (حماة الشام) المحبة وكان أمامنا في غرفة المؤذن حاسراً عن ذراعيه يريد الوضوء فسألاه معاً عن القصة وأي شيء رأى خادم سيدنا؟ فقال - رضي الله عنه - : رأى، وقطع الكلام بقوله: الآن تريد نتوضأ وذهب لشأنه، وقد توفي هذا الرجل الرائي وهو من أهل مدينة (حماة) والرجل معروف لدى أهل بلده وموثوق.

وحكى لي أيضا الرجل العارف الولي المبارك الصادق فضيلة الشيخ سليمان الواعظ من أهل العراق مر بدمشق وحل فيها ضيفاً في طريقه إلى المدينة المنورة لأنه الآن مجاور فيها قال لي بعد ما سلمت عليه وكان برفقتي رجل من إخواني وعلى مسمع من صاحب الدار المضيف وذلك عند فتوح المدارس عام 1979 ميلادي: أنا أعرف شيخكم وهو في رتبة القطبية أكثر من ثلاثين سنة، وقال أيضا مرة قبلها وهو خارج من داري - ولم أكن حاضراً - بعد اجتماعه بشيخنا قدس سره وتناول الطعام معه قال لصهري فضيلة الشيخ مصطفى التركماني وهو آخذ بيده يقوده لأنه كفيف البصر: من أنت ؟ قال له مجيباً: من إخوان الشيخ فقال له: احفظ عني ما أقول: وأستاذكم هذا هو والله سيد الأحرار.

ثم نشر قدس سره - إلى جانب العلم الشريف العَلم الرفيع الأحمدي وجدد الطريق الرفاعي، ونفخ في الأرواح الطيبة الزكية أرج عطر الحال المحمدي وكأن الآل الكرام السادة: السيد احمد الكبير الرفاعي، وحفيده السيد أحمد عز الدين الصياد، وولده السيد محمد مهدي الرواس والسيد محمداً أبا الهدى الصيادي عادوا بأشخاصهم الى الوجود وتبدل الدرس الدارس بدروس حية، و حضرات عجت بذكر الله تعالى يميس أهلها طربا، ويردد حاديهم: نعم كل هذا كان ولم تحجب رؤيتهم إلا عمن أشار إليهم السيد الرواس - رضي الله عنه – بقوله: لقد جدد الطريق - قدس سره - ونشره في جميع القطر الشامي المبارك في كافة أجزائه ونواحيه في دمشق وضواحيها وفي بلده حماة وحمص وحلب وفي الضواحي والبوادي وعلى ضفاف الفرات مدنه وقراه، وكذلك في الخابور وعمرانه وبواديه، وفي لبنان مدنه وقراه، وكذلك في الأردن مدنه وقراه، وفي ليبيا مدنها وقراها وقد جدد إخوانه وأحبابه هناك طباعة بوارق الحقائق و المجوعة النادرة وعمت مطبوعاته جميع البلاد الإسلامية، ونشر الطريق في الحجاز، في الحرمين الشريفين وضواحيهما وربما عم شذا هذا العطر المحمدي البوادي وامتد الى اليمن بواسطة إخوانه الصادقين الذين تلقوا عنه وصار لهم به رابطة وطيدة بارك الله في الجميع وسدد خطاهم - وصار أعداد إخوانه والمحبين في جميع هذه الأماكن التي مر ذكرها لا يحصون كثرة وله خلفاء فيها، وقبل وفاته رضي الله عنه - كتب بخط يده إجازة لولده الروحي الشاب المهذب، المحب الصادق، مبارك الطلعة والطالع: السيد بسام هبرة جعله رئيساً للخلفاء، وإنه أهل لذلك وقاعدة أحلها محلها، وفي سيرة نبينا ﷺ من أسند لهم القيادات وعقد لهم الرايات، ومنهم المفتون والقضاة، ومنهم من فعل ببدر البطولات، ومنهم من نازل - في وقعة الخندق - عمرو بن ود العامري الذي هو من أقران عنترة العبسي وما أدراك ما عمرو ...

وجميع من أشرنا اليهم - رضي الله عنهم كانوا أحداث الأسنان، وإنه ليعجب كل عاقل قول الغلام الذي كان أصغر الوقد الوافد على عمر بن عبد العزيز وأراد أن يتكلم أمامه بلسان قومه، فقال له عمر: دع الكلام لمن هو أكبر منك سنا فأجابه الغلام: إن كان الأمر كما يقول الأمير ففي هذا المجلس من هو أحق من سيدي الأمير بالخلافة وتولي أمر المسلمين فقال له عمر: تكلم .

فتكلم بما لم يدع للأمير إلا تحقيق طلب الوفد (يختص برحمته من يشاء).

فعل ما يجب أن يفعله قبل وفاته شيخنا الفقيد الشهيد السعيد فضيلة الشيخ محمود عبد الرحمن الشقفة - رضي الله عنه - من ترتيب وضع إخوانه الصادقين المطيعين لإشاراته، وعين أيضا أعضاء الجمعية التي تعنى بشؤون مدرسته الروضة الهدائية من بعده - ولكن سبق سيف القدر نصح البشر – وجد هذا التعيين خطياً في صحيفة بدرج طاولته وذلك عندما أحس بقرب الرحيل والالتحاق بالرفيق الأعلى في أشرف السبل وأسماها وأبهاها، وقد حرر بيده تعزية لأخوانه وأوصاهم بالصبر، وذكر لهم أن له أسوة بسلفه الصالح القائلين عندما رأوا ما رأى: غداً تلقى الأحبة، محمداً وحزبه، ولقد لقي قبل رحيله بدقائق الأيدي الطيبة الطاهرة الكريمة - التي سبق أن مدت لسلفه - وقبلها مراراً، هكذا حدثنا الحضور الذين لا نتهمهم (فماذا بعد الحق إلا الضلال) اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين).

إنني لم أقصد ترجمة أستاذنا الكبير لأن هذا مما لا أطيقه ولا أقدر عليه ولن يقدر عليه مثلي لأن معرفتي به لا تتجاوز خمسة عشر عاماً ولو ذهبت أكتب ما أعلمه عنه في هذه المدة القصيرة من: تبحثره في العلم، ومدى معرفته وحدودها، وأخلاقه المحمدية وكمالها، وسعيه السعي الحثيث لنشر العلم بين العالم بأكمله، وإرشاد السالكين الى الله في كل قطر، متخذاً لتحقيق ذلك كل وسيلة، ومضحياً بكل جليلة، وتحمله المشاق ومعاناة ما يقوم به من أعباء في هذه السبل الخيرية، وتوزيع بشره ولطفه وإحسانه على كل من يجالسه ويخالطه ويحتك به كل على حسبه لا يقصر هذا ولا عن الأطفال الصغار رغم أنه لم يولد له، وإحساسه بأحاسيس إخوانه وتفقد شؤونهم دون شعور منهم رحمة واهتماماً، وإغضاؤه عن المتلون المتقلب والقريب البعيد، ومحافظته على الوقت وشحنه بأنواع العبادات، وعدم التهاون بالأوراد، وفعل كل ورد بوقته دون تأخير ومزايا حميدة كثيرة كقيامه الليل كله، ورغبته العزلة والانفراد العبادة مولاه وشؤونه التي لا يحيد بها عن اتباع السنة المحمدية قيد شعرة، فلو ذهبت اكتب شرح ما أجملت، وبسط ما اقتضبت، لتكون منه ترجمة ضخمة عظيمة، فكيف بي لو كنت أعرفه معرفة كاملة تشمل معظم حياته، أم كيف بي لو تعرضت لذكر شيء من كراماته؟ إنه ليعجز عنه أمثالي كتابة وتأليفاً ونشراً، مادياً ومعنوياً، ولقد أخذت عنه بصحبتي له من الأدب الدقيق، واللطف الرقيق مالم أكن أخذته من أحد غيره، ولا من كل كتاب قرأته وطالعته، ومع ذلك لم أقصد ترجمته بل القصد نشر هذا الديوان الذي سماه (المدائح النبوية، والتوسلات الأحمدية) وهو من نظمه، وقصيدة ميمية مستقلة من نظمه أيضا على نسق بردة الإمام البوصيري - رضي الله عنهما - جعل لها حاشية لطيفة، وأطلق عليها هذا الاسم (بردة الفتح والوصول، بمدح سيدنا الرسول) ﷺ ومذكرات تثرية كان يكتبها لوارثه ورئيس خلفائه السيد بسام هبرة أيام تربيته ورياضته جمعتها وأطلقت عليها إسم: ( منهج تربية المريد، ليكون من خيرة العبيد) كي ينتفع بها الأشياخ والمريدون وطلبة العلم الموفقون، وجعلت جميع ما ذكرته في هذا المجموع متتالياً كما ذكرت، وربما فرزت عند طبعه كمية من النسخ وجعلت النظم على حدة والنثر على حدة لذا كان ضرورياً أن أكتب هذه الكلمة كمقدمة أمام هذا التأليف، وتشرفاً بذكر انتمائي إلى الناظم الناثر المؤلف - رضي الله عنه - والقيام بذرة من واجب الصدق والوفاء، على أن هذا من إكرام الله تعالى له، وشرف مرتبته عنده، وصدق حاله معه، وعلو همته التي كانت وما زالت تدفعني بمشيئة الله تعالى إلى هذا العمل وأمثاله، ويكفيه عن كل من يريد ترجمته: استقامته طيلة حياته، وبيت واحد من قصيدة له: وكأنه ماثل أباه الروحي القطب الغوث السيد محمد مهدي الرواس - رضي الله عنهما - بذلك في قوله: استشهد الناظم فقيد الإسلام والمسلمين - رضي الله عنه - في يوم جمعة من شهر رمضان المبارك وهو صائم: بعد العصر، وعقب انفضاضه من مجلس الصلاة على النبي ﷺ وانتهت مدة حياته الدنيوية وتشييع جثمانه الطاهر يوم الأحد 12 رمضان من سنة 1399 هـ الموافق 5 آب سنة 1979 م وصلي عليه و توارى البدر في برجه (الروضة الهدائية) بحي المروءة (الحاضر) من (حماة الشام) المحفوظة المحمية، جمعنا الله الكريم به وبأحبابه السلف الصالح، الآل الكرام السادة الرفاعية الأعلام، ومن تقدم من ساداتنا السادة الكتانية الذين تشرف بهم الغرب، وازداد بركة بوجودهم الشام، وبأشياخنا إخوانه العلماء الكمَّل العارفين أصحاب الفضيلة والعرفان، ساداتنا مفتي (حماة) الشيخ محمد سعيد النعسان وسيدي السيد الشيخ عبد الرحمن السبسبي، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ سعيد البرهاني، والشيخ محمد وفا القصاب، والشيخ يحيى الصباغ، والعالم العلامة: العلم الذي كان يرفرف بالعلم فوق أعلام (جلق) و (رامة) ركن المجد والجد والخطابة والإمامة، من لم تستمله الدنيا بزخارفها، ولا المراتب تدعمها مصارفها، الأستاذ الكبير فضيلة الشيخ حسن حبنكة الميداني وشيخنا تلميذه الأول، البحر الخضم، العالم العامل، الذي كان عليه في نشر العلم - دون غاية دنيوية ولا قيود توقيتية - المعول، من كان يجلُّه أشياخه ومعلموه، ويتواضع بحضرته زملاؤه ومنافسوه، المعلم الحكيم، ذو القلب الرحيم: فضيلة الشيخ محمد خير ياسين جمعنا الله بهم جميعاً في جنة الخلد دار الكرامة، في الفردوس الأعلى منها وكافة إخواننا المسلمين، في جوار نبينا وحبيبنا وشفيعنا وسيدنا بل سيد الخلق أجمعين محمد عليه أفضل وأكمل صلوات رب العالمين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات بعدد أنفاس خلقه ممن مضى منهم والحاضرين ومن هو آت، ما بقي الملك لمالكه العظيم، جلت عظمته وتقدست أسماؤه وتنزهت الصفات.

عبد الحكيم بن سليم عبد الباسط من خدم خدم سادات واسط رضي الله عنهم وعنا بهم من ترجمته في كتاب المدائح المحمدية والتوسلات الأحمدية تأليف: عبد الحكيم بن سليم عبد الباسط ص 1- 15.

محمود الشقفة | تراجم العلماء