شمس الفنون: هو عاصي بن المرحوم حنا بن عاصي الرحباني ولد سنة 1923م في بلدة انطلياس.
كان والدهما رحمه الله يعزف في ساعات فراغه على آلة البزق بعض الأنغام الشرقية القديمة فأحبا هوايته، وليت حياته امتدت إلى الآن ليشهد نبوغ ولديه وكيف ورثا سجاياه المثالية.
الدراسة الفنية البدائية: لقد أسعدهما الحظ فتلقيا عن الأب الفاضل بولس الأشقر الذي كان يعلم الموسيقى والتراتيل في كنيسة مار إلياس في انطلياس علم النوطة الموسيقية، ووجههما لدارسة المراجع الموسيقية كالرسالة الشهابية لمؤلفها المرحوم الدكتور ميخائيل مشاقة وكتاب الموسيقى الشرقي للمرحوم الموسيقار كامل الخلعي المصري.
وحبذا لو أحاطا علماً بالمرجع الفني الأصل وهو كتاب فلسفة الموسيقى الشرقية لمؤلفه الشاعر العبقري المتفنن الأستاذ ميشيل الله ويردي.
مراحل الدراسة الفنية: وبرزت مواهب الأخوين اللامعين فتعلما الهارموني والكونتربوان والفوج على الأستاذ (برتران بيار) أستاذ الأكاديمي للفنون الجميلة، وداوما على أخذ دروس خاصة مدة ست سنوات، وتعلما التحليل الموسيقي والتوزيع الآلي (أوركستراسيون) على الأستاذ توفيق سكر المتخرج من معهد باريس العالي وهو يحمل شهادة في الفن الموسيقي، وتلقيا تمارين عملية في التكتيك الآلي على الأستاذ (ميشيل بورديتس) وهو قائد فرقة موسيقية إسبانية.
نشاط الأخوين الفني: وتجلى نبوغ الأخوين الفني، وإذا بنشاطهما المثالي في حقل الفن والإنتاج لا يقف عند غاية، ولو أردت التعبير عن مدى هذا النشاط الناضج فلا أبالغ في الوصف بأنه قد تخطى سرعة الصاروخ الذري إلى قمة المجد، وهمـا لـم يتخطيا بعـد شرخ الشباب، فما هي عظمة هذا الإنتاج الفني بعد سنين يا ترى؟ أما جبروت هذا النشاط فيتشعب في نواح بارزة لها علاقتها بالنهوض في الموسيقى الشرقية إلى أعظم مستوى يتلاءم ومجد الشرق وطارفه الفني التليد، ويتلخص فيما يلي: «تعريب القطع الغربية الناجحة» و«تأليف موسيقى راقصة شرقية» و«الأناشيد المتنوعة» والأدوار والموشحات ومحاولة تطويرها إلى أرقى مما هي عليه لإبرازها بشكل عالمي يعطي فكرة صادقة عن عظمة الفن الشرقي.
الاسكتش: وهو لون جميل من الألحان قد يكون المرحلة الأولى للأوبرا الإذاعية، وقد سجلا الكثير من أنواعه البديعة، وأشهر مؤلفاتهما استكتش «ابن هند» وقد سجلته محطة الشرق الأدنى للإذاعة وعزفت الأوركسترا «سانفوني» مع توزيع في الأرباع الصوتية، وقد نجحا في هذه المحاولة الفنية الرائعة.
نوع معالجة الغناء الشعبي البلدي: لقد كان اهتمام الأخوين رحباني في محاولة تطوير الغناء البلدي موضع إعجاب وتقدير، وأتت جهودهما بأطيب الثمرات والنتائج كقطب «عتاب» التي تغنيها الآنسة فيروز التي طارت شهرتها في الآفاق وهي من إنتاج هذه المحاولات الموفقة.
أهداف الأخوين: لقد وضعا نصب أعينهما السير بالموسيقى الشرقية بناحيتين خطيرتين: الأولى: الناحية الآلية، وهي تأليف صروح موسيقية تستند على القواعد العالمية للتأليف مع الاحتفاظ بالطابع الشرقي وتوزيع الأنغام العربية ذات الأرباع الصوتية، وهذا عمل غني جبار لم يسبق لأحد من الفنانين أن استطاع الخوض بأبحاثه.
الثانية: الطريقة الغنائية، وهو إيجاد نوع من الأوبرا الغنائية تمتزج مع الإحساس العربي وتتلاءم مع مقتضيات هذا العصر.
شعر الأخوين: لا حد للذكاء في ميدان النبوغ، فقد يكون هنالك مواهب متشعبة في نواح عدة يصعب تحليل أسرارها، فإذا كلفتني أيها القارئ أن أصف لك كنه هذا النبوغ المتشعب فقد كلفني شططا، ومن تلك المواهب الفذة امتلاك الأخوين نواصي قوافي الشعر، فقد أخرجا إلى المجتمع ديوان شعر أسمياه «سمراء مها» وقد تولت دار الرواد للطبع بدمشق إخراجه ونشره، وفيه ثورة كبرى على أوزان الشعر المألوفة، فقد نظما قوافي الشعر وأخرجا الألحان والأنغام وليدة روح واحدة بانسجام رائع لم يسبق له مثيل في أسلوبه وابتكاره.
وأخرجا تمثيلية شعرية اسمها «غاية الضوء» وهي عبارة عن مغناة شعرية في ثلاثة فصول، وسجلا في محطات الإذاعات بدمشق وبيروت والشرق الأدنى ألحانهما، وأقبل الجمهور يرهف السمع إليها بشغف وطرب وينقلها الأثير بصوت فيروز الساحر.
أما الإنتاج الفني فلا حد له، وكله من الألوان المحببة للقلوب الذي لم يأت بمثله أي فنان عبر ومضى، فليكن جهاد الأخوين رحباني واقتحامهما هذا الميدان الشائك عبرة وذكرى وأسوة حسنة للشباب، فإلى الأمام يا رمز العبقرية والفتنة والخلود.
فهذا الثلاثي المؤلف من الأخوين رحباني والآنسة فيروز لا يجاريه في القوة الفنية أي ثلاثي في البلاد العربية.
أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 362 - 363.