العالم والأديب الشاعر الشيخ راغب العثماني اللاذقي تنعكس على طلعة هذا الموهوب مسحة من حزن دفين، هي مأساة العالم والأديب الشاعر الطموح الذي عصفت بقلبه متاعب الحياة شأن الكثيرين من أترابه، فتغلب عليها بالصبر والحلم وسعة الصدر والتوكل على الله، هو إنسان حسن العشرة والشيم مجبول على الرقة والنبل، إذا حل بناد تهلل البشر والسرور بأنسه تهرع إليه الأمراء ويخطب ودَّه الحكام والكبراء لسماع المستظرف من آيات أحاديثه العذبة ونكاته المهذبة المحببة، فعمَّت في قلوب الناس محبته، هو الأديب اللوذعي العليم بوقائع العرب في الجاهلية والإسلام.
هو ذلك المتواضع برزانة واحتشام الذي تستشف في وجهه الطلق طهارة النفس أصفى من الندى وفي روحه أنفة تدل على كبريائه في كرامته.
هو العالم الذي توقَّد في العلوم ذهنه، له ذاكرة قوية في ذهن حساس يكشف الغوامض فأوتي الحكمة في مواهبه وفصل الخطاب في حججه الدافعة، إذا أحرج تخلص بدهائه وبراعة أسلوبه، هو المحدث الذي يدهش السامعين بطلاوة صوته وانسيابه الهادئ.
ذلك هو الأستاذ الشيخ راغب بن المرحوم الشيخ محمد العثماني نسبته إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان.
أصله ونشأته: ولد المترجم في اللاذقية سنة 1889م وتلق دراسته في المدرسة العمرية في اللاذقية، ثم التحق بالأزهر الشريف فاستمر في الدراسة أربع سنين وفي دار الدعوة والإرشاد لمؤسسها الإمام العلامة الشيخ رشيد رضا، وتلقى الفقه الشافعي على الشيخ محمد صالح الصوفي في اللاذقية وحمل الشهادة التي تمكنه من العمل في القضاء الشرعي وقد ألف رسالة سماها باب الاجتهاد ونشر كتاباً اسمه (الإسلام دين ودنيا) وله مؤلفات مخطوطة في الفلسفة والأدب والشعراء.
خدماته: عين قاضياً شرعيًّا وحاكماً مدنيًّا في قضاء الحفة وحاكماً منفرداً وقاضياً في قضاء الحمراء في العهد الفيصلي، وبعد الاحتلال الإفرنسي التحق بشرق الأردن فعين قاضياً وحاكماً للصلح في قضاء الكورة ثم نقل إلى قضاء بني كنانة ومنها عضواً لمحكمة بداية إربد.
في الحقل الصحافي: ولما رأى حياة الوظيفة ذات قيود لا تطاق ترك الخدمة وعاد إلى دمشق وامتهن الصحافة فأصدر جرائد (أبو العلاء والاستقلال والسياسة) ومجلة أدبية سماها النهضة السورية، ثم عهد إليه في سنة 1951م بمراقبة شؤون التعليم في مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب للاستفادة من مواهبه العلمية.
رحلته إلى الحجاز: ودعاه المرحوم الملك علي بن الحسين الهاشمي إلى الحجاز سنة 1922م وبقي لديه إلى قبيل تسليم الحجاز إلى السعوديين فكان أمين سره مدة أربعة أشهر، ثم عاد إلى دمشق لمزاولة أعماله الصحافية وبعدها سافر إلى بغداد بدعوة من المرحوم الملك فيصل الأول وأقام مدة أربعين يوماً في ضيافته واجتمع هناك بالملك علي.
شعره: هو شاعر اعتمد في نظم قوافيه الرنانة التي يختارها على الصدق والقوة في التعبير خصب الخيال، ملهم القريحة ومن شعره البليغ القصيدة التي نظمها بمناسبة عيد اليوبيل الذهبي لجلالة الملك السعودي نقتطف منها بعض أبياتها: ومنها: ويتجلى شوقه وحنانه إلى اللاذقية وطنه الأول في قصائده المشهورة منها قوله: ويفي شاعرنا من الحفاوة والعطف في دمشق ما جعله وفيًّا بمدحها والثناء على أهلها ومن أقواله فيها: وله جولات رائعة في نظم الغزل وديوانه (رباعيات العثماني) يشتمل على كثير من هذا النوع فاستمع إلى قوله: أنظر كامل الترجمة في كتاب أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 339 - 342.