العارف بالله الشيخ شكري اللُّحفي رحمه الله تعالى بقلم ابنة الشيخ شكري اللُّحفي مولده ونشأته وعلاقته الأسرية ولد فضيلة الشيخ شكري بن أحمد لحفي بدمشق، في الشهر السابع لسنة 1920م من أسرة متوسطة الحال في حي شعبي في باب السريجة.
تزامن مولده مع مرحلة فرضت طبيعتها ظروفاً قاسيةً ولدَّها المستعمر الفرنسي مما أثَّر في وضع المجتمع عامة وفي حياة الشيخ خاصة، إلا أن فضيلته كانت تلحظه العناية الإلهية منذ الصغر؛ حيث ولد من أبوين كريمين تفرَّسا في مولده النجابة والتوفيق، شدَّهم أمل حاضر بأن يكون لولدهم هذا أثر كبير في خدمة الإسلام، فحبَّب المولى جلَّت قدرته له حفظ القرآن الكريم وترتيله وهو صبي في سن التاسعة من العمر في مدينة حلب التي سافر إليها مع والديه الكريمين وترعرع فيها تحت كنفهم.
لقد كانت أسرتي بعيدة عن أي نوع من التعقيد الذي تشهده كثير من الأسر في الوقت الحاضر، وكانت حالتنا المادية والاجتماعية متوسطة.
عما والدي رحمه الله منذ صغره في تصليح الأحذية ليكسب لقمة عيشه التي لطالما كان يطلبها في السفر.
كان رجلاً قوياً مهيباً بطلعته السنية وعزيمته العالية وبسمته المشرقة، نشيطاً صابراً على قسوة العيش، وكان يجمع إلى جانب التضحية في سبيل تقديم اللقمة الطيبة شرف العمل الاجتماعي والتعاون الإنساني ليكون درساً نافعاً مدى الأجيال.
وإلى جانب شدة تربيته وصرامته كان محباً لأولاده؛ علَّمنا الشجاعة، والأمانة، والأدب، والاعتماد على النفس، وقد امتاز بأسلوبه الشيق الصادق في توجيهنا إلى ما فيه خيرنا ورشدنا، وطرائفه مليئة بالحكم القيمة والمغزى الرائع بعيداً عن فضول الكلام ولغو الحديث.
وأتبع والدي بقوله: كنت محبباً لديه وأنا صغير أولاده، فأخذت عنه الكثير، وحثني على حفظ القرآن.
في بر والدي لوالديه حفظه الله قال: كان والدي في إحدى المرات في ضيق ويريد السفر وهو بحاجة لنقود، فأدخلت يدي في جيبي وأعطيته ما تيسر مما معي فقبلني ورضي عليَّ، وقال: الله لا يعيزك لأحد ولا أحاجك لأحد، وإلى الآن وبفضل الله تعالى أعطي المحتاجين.
ومرة أعدَّت والدتي يوماً لي زبدية أرز بالحليب وخبَّأتها ثم نسيتها، وعندما تذكرتها قالت لي: هاك الزبدية لتأكلها، فأكلتها وكان طعمها يقترب من الحموضة ولم أتكلم لكي لا تتأثر.
وإلى الآن حفظه الله يدعو لوالديه في كل صلاة، ويزور قبريهما كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر.
دراسته وتحصيله العملي درست الابتدائية في مدرستي التطبيقات والحبال بمنطقة القيمرية إلى الصف الخامس حيث حصلت على الشهادة الابتدائية، لم يكن همي اللهو واللعب في الشوارع كما الكثير من تربي، وكنت أخصص أغلب أوقات فراغي في تلاوة القرآن الكريم وحفظه على يد بعض المشايخ، وأيضاً في المطالعة لبعض دروسي إلى أن وجدتني منكباً على حفظ القرآن الكريم حتى أكرمني الله بحفظه في ربيعي التاسع.
ثم تركت المدرسة لبعض الظروف وسافرت إلى حلب مع والدتي، وعندما عدنا توفي والدي، فرثيته بقولي: سلامٌ على الخيرات بعدك والتقى سلامٌ على أهل النهى والتواضع صنيعك في الدنيا مدى الدهر ذكره وفي الحشر وضاح كنوز اللوامع بقلب سليم جئت ربك راجياً فأبشر بجنات وحور بدائع عملت مع أخي في دكان لبيع الصوف لمدة وجيزة، ثم مِلتُ إلى تعلم أنواع الخط العربي لدى بعض الخطاطين؛ ومنهم ممدوح الشريف، وحلمي حباب، ومحمد بدوي الديراني، وبعد مدة أصبحت خطاطاً ماهراً وناجحاً.
ثم دخلت الكلية الشرعية وحصلت على الشهادة الإعدادية، وانتسبت إلى الكلية العلمية الوطنية لتعليم الدروس والخط والرسم، وعندما نجحت بمسابقة انتقاء عُينت معلماً في حلب ثم درعا بمدرسة الطائي، ثم انتقلت إلى المدارس الابتدائية بدمشق، وبعدها انتسبت إلى التدريب في المقاومة الشعبية.
عينت معلماً في منطقة الأشرفية، الواقعة في الغوطة الغربية بدمشق، إلى أن أصبحت مديراً فيها، وكثيراً ما كنت أذهب سيراً على الأقدام إلى الأشرفية.
كنت مديراً ناجحاً، خدوماً، نظامياً، ومتسامحاً، كُرِّمتُ من قبل وزارة التربية بكتاب شكر تقديراً لجهودي، ثم ندبت لمديرية التربية، ومن ثم إلى وزارة التربية، حيث أصبحت الموظف الفني الذي شهد بذلك جل الموظفين والموظفات بابتكاره أساليب وفرت عليهم الوقت والتعب.
أجريت دورات لتعليم الخط للمعلمين والمعلمات والمديرين والمديرات في دمشق والمحافظات بعدما أصبحت من أبرز الخطاطين في دمشق، وكلفت بكتابة لوحات بعض المساجد على الرخام، وهذا ما أفادني كثيراً في مركزي الاجتماعي، بالإضافة إلى تحسين وضعي المعيشي بعد التقاعد على مبدأ: صنعة في اليد أمان من الفقر.
ووهبني الله موهبة الرسم فأبدعت به، فوالدي حفظه الله رسام بارع تظن إذا رأيت رسمه أنه حقيقة.
الزواج والأسرة فكرت بالزواج بعد أن مررت بظروف نفسية متعبة، وأنا أعلم أن الزواج ظاهرة اجتماعية؛ تظهر أشخاصاً وتخفي آخرين، وترفع أقواماً وتضع آخرين، وتحيي جيلاً وتميت أجيالاً.
وبعد فترة وفقني الله تعالى بالزوجة الصالحة التقية الطاهرة الورعة المنحدرة من أصل طيب _ تلك كانت أمكِ _ سليلة بيت علم وأدب وأخلاق من آل الحسيني، والدها كان مدرس فقه وحديث في الجامع الأموي.
عاشت معي ومع والدتي بمحبة واحترام متبادلين، وكانت رحمها الله ترعاها حتى انتقلت لرحمة ربها.
صفاته الجسدية والنفسية شيخ منير، ذكي، نبيه، ملتزم، معتدل، بهي الطلعة، وسيم الخلقة، طيب الرائحة، ذو عينين زرقاوين تشعان ببريق أخاذ وتبعثان في وجوه الناس الأمل والنشاط.
إذا صمت: علاه الوقار والهيبة، وإذا نطق: بذَّ القائلين، وإذا قال: استمعوا لقوله، وإذا نصح: عمل بنصيحته.
دائم التبسم، صاحب دعابة، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة ولو أنه في ضيق، حتى ليحسب الزائر أنه أحب الناس على قلبه.
يقابل أصحابه وتلاميذه ليدخل السرور عليهم وعلى أولادهم، ويمسح على رؤوس الأولاد، وخاصة اليتامى منهم، ويحب إكرامهم أسوة بقول رسول الله ﷺ: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا.
وهو دائم الحرص على تطبيق سنة رسول الله ﷺ، ويحرص على السواك، والوضوء، والنظافة، ويؤثر في النفوس بذكره وإنشاده، وصوته الجهوري يبعث الخشوع.
مكانته وشهرته قلة من الدعاة في هذا العالم الإسلامي الذين يحظون بالتبجيل والاحترام من إخوانهم كما يحظى به والدي الحبيب؛ فمشهد دخوله وخروجه من المساجد، وتواضعه، يجعل الناس يتسابقون لتقبيل يده، ومع ذلك يقول: أما نفسي فما أراها أهلاً لشيء من ذلك.
تواضعه وتسامحه ذو خلق كريم، ونفس سمحة، ويد سخية، متواضع أشد التواضع، لا كبر في نفسه، يتستر على الناس، ويحترم الزائر، ويخدم نفسه بنفسه، ويعرض عن المواجهة، ويزهد في المناصب، ويؤثر المجالس العلمية، ويحب طلاب العلم، ويشعرهم أنهم في روضة من رياض الجنة.
قال الشيخ الشامي رحمه الله: من جالس الشيخ شكري ساعتان، وأكل معه لقمتان، ومشى معه خطوتان، وصلى معه ركعتان، كانت له جنتان ودائماً يقول: (طلبت الآخرة ففادتني بإذن الله الدنيا والآخرة) موقع نسيم الشام - قسم التراجم