العبد الصالح مصطفى سيف الدين بسم الله الرحمن الرحيم إن لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص إي والله صدق من قال ذلك ومن خواص الأشخاص ممن لقيت في السني الأخيرة الماضية عبد صالح من قرية السحل غربي النبك للمتجه لدير عطية، هو سيدي مصطفى سيف الدين الذي اشتهر في قريته بالشيخ مصطفى أمين أو الحج مصطفى الرّاعي الأمين ولد سيدي مصطفى سنة 1933 ميلادي في قرية السحل ونشأ فيها، واشتغل برعي الغنم منذ كان في السنة الثامنة من عمره ولك أن تقول إن الصفات الكريمة والأخلاق القويمة التي يتحلى بها راعي الغنم حلت في سيدي مصطفى ورعي الغنم أشهر عمل قام به الأنبياء والمرسلون، وقد قال سيدهم وإمامهم ﷺ: ما من نبي إلا ورعى الغنم وقد اشتهر سيدي مصطفى بالحلم والصبر والحكمة والكرم، رحمة الله عليه ولما شب سيدي صار يرعى خارج قريته في البادية السورية، ولم يتهيأ له أن يدخل المدارس فنشأ أميًا، خلا قراءات على السيد أحمد الرفاعي في قريته، منها بعض سور القرآن وكان هذا الشيخ الرفاعي رفاعيًا تتلمذ على الشيخ عبد القادر القصاب، وقد شهد لتلميذه السيد أحمد الرفاعي بالفتح وقد أخذ سيدي مصطفى الطريق الرفاعي على الشيخ أحمد الرفاعي، وكان شريكًا له بالأغنام إحدى وعشرين سنة وكان لا يأتي سيدي مصطفى إلى القرية إلا وبدأ بشيخه أحمد، وهذا شأن الأوفياء أول معرفتي بالمترجم بعد قدومي إلى الشام في شعبان 1430 هـ الموافق لشهر آب 2009 م، كانت لي رغبة أن أزور جهات في بلادنا، وأتتبع من بقي فيها من الصالحين بعد غيبتي الطويلة وكان أن زرت النبك في جهات زرتها، فقال لي الأخ المبارك الشيخ أحمد عينية حفظه الله من النبك: في قرية السحل رجلان صالحان، هل لك في زيارتهما؟ فهششت لذلك، فقصدناها من النبك كان الأول هو الشيخ فرحان درويش، آخر تلميذ للشيخ السيد أحمد الرفاعي، زرناه وهو في غاية الزهادة، وتوضأ أمامنا فما أخل بسنة وزرته مرة أخرى قبل أكثر من سنة، وقد توفي عن مئة عام، رحمه الله وكان المبارك الثاني هو سيدي مصطفى هذا الذي نحن في الحديث عنه كانت زيارة مباركة، رأينا فيها محبته للإكرام والضيفان، ولم يفتر عن الذكر والتذكير، وذكر شمائل البشير النذير حلول الشيخ في الشام وحين قدر ما قدر على بلادنا، وحصل ما حصل من هجرة ونزوح من البلاد والقرى، شاء الله تعالى أن يسكن سيدي مصطفى بجوارنا في حي المهاجرين بدمشق سنة 2012 م فحلت البركة عندنا، وكان هذا من الأرزاق الغالية التي أكرمنا بها فهو يصلي في مسجدنا مسجد الشمسية، ولطالما دعى لنا حين نسلم عليه بعد الصلوات، وهو يشفعها بحبيبات حلوى يتحف بها ويؤنس كل من يقبل عليه بل ربما تتبع من حوله ليعم بشره الجميع وكان من الشؤون الصعبة أن أتخلص في الذهاب بعد سلامي عليه في المسجد، فهو يرجوك لتصعد معه جادة لتزوره لإفطار أو غداء أو عشاء أحب القراءات والأوراد كان سيدي مصطفى يكثر من قراءة دلائل الخيرات والبردة، ودائم على أذكار الصباح والمساء، والسور الشهيرة كل يوم: سورة يس، والواقعة، وتبارك وسيدي مع أميته، لكنه صار يقرأ هذه الأذكار وعندما نكون في مجمع كالمولد عندي في منزلي أو غيره، يحرص أن يناولوه الكتاب أو الكتيب الذي يقرأون فيه، ولا يحب أن يفوته حرف وهذا عشق المحبين لأن يحوز كل الأمداد من جميع الأوراد عناية الشيخ بالمولد الشريف كان سيدي يحب حضور الموالد الشريفة، ويحب أن ينعقد في بيته المولد ويهتم له، ويدعو الناس ومن يحبون، وبخاصة في شهر ربيع الأول ويوم دعوته للناس هو في غاية البهجة وكنت أدعوه إلى المولد المنعقد عندي شهريًا، وأجابني مرات وأكون عن يمينه ومرات طلبت منه في إثر المولد الدعاء بعد العشاء، وكنا نأنس بدعواته الطيبة الخالصة يقول لي ولده الدكتور إبراهيم: كان الوالد يدعوني لحضور المولد في جهة، فأقول: أنا غير مدعو فيقول: ما يحتاج إلى دعوة، لتولعه بذكر الصلوات والشمائل النبويات، ويعلم أن الداعين يحبونه وولده وكان يحب مولد البرزنجي، لأنه مولد شيخه السيد أحمد الرفاعي وشيء لا أنساه، كنت كلما دعوته لحضور المولد عندي، يقول: الله يجعله خالصًا لوجهه سيدي مصطفى ومجالس الذكر كان سيدي مولعًا بحضور مجالس الذكر، ويحب الجميع ويحبه الجميع في صبيحة الاثنين، اعتدت على حضور مجلس الذكر في جامع التوبة في العقيبة، وفوجئت مرة أنه يقف عند باب منزلي دون أن يشعرني، وهو على هيئة الراكع، ولا يعبأ بالبرد ثم تكرر هذا المشهد، ومرة كان مع هطول المطر غير أني ما إن أشعر بحضوره وانتظاره، أبادر للخروج وأما الخاصة أمثال سيدي الشيخ مصطفى، فإنهم يتلذذون بالذكر، ولا يجدون أنس قلوبهم وبهجة أرواحهم إلا بذلك صيغ الصلاة المحببة لسيدي مصطفى اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله اللهم صل على أسعدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله اللهم صل على نور الهدى محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله عبادات سيدي وشعائره تعشق سيدي مصطفى للسنة ظاهر لكل من خالطه فانظر إلى وضوئه، فما أكمله وما أحسنه ومما يلفت نظرك، تعليقه السواك بثوبه دائمًا خشية أن ينسى تلك السنة العظيمة ومن ذلك إحياؤه لسنة الجماعة في المكتوبات، وغدوه ورواحه في كل الظروف ومن ذلك بقاؤه على طهارة، ولو بالماء البارد كان دائم القيام في الليل، رحمة الله عليه أما إحياء ما بين العشائين، ومن الفجر إلى الإشراق، فشيء ثابت لا يتغير وكثيرًا ما سمعت إمام مسجدنا يقول: هو آخر من يخرج من المسجد بل ربما قال لهم: أغلقوا علي وارجعوا كان كثير التنفل بالصلاة والصوم، مدمنًا على قراءة القرآن زار رحمات الله عليه بيت المقدس، وحج مرتين، واعتمر مرتين من شمائله الكريمة كانت صلة الأرحام عند سيدي مصطفى شيء كبير وزيارة المرضى شيء عظيم في حياته وكانت له جدة أقعدت، فكان يتعاهدها ويحسن رعايتها كان المقرب له هو الشيخ العالم، وبخاصة حافظ كتاب الله، والرحم القريب، والجار وكان رحمه الله يحب زيارة المرضى، ويوليها عناية خاصة ومن شمائله الشهيرة كرمه وسخاؤه وما كان يدخل إليه أحد زائرًا إلا وأسرعوا لضيافته وإكرامه يعرف هذا جميع من عاشره وكان قريبًا منه وممن نال من بشر سيدي مصطفى ومؤانسته وإكرامه المجذوبون والمنكسرون فكان يدعوهم ويصنع لهم الطعام ويسخو عليهم ثم يجلس فيأكل من فضلة طعامهم ليجمع مع الإكرام التواضع، رحمات الله عليه وقد جاء من هؤلاء الدراويش عدد بعد وفاته، وعزى به، وقال: قرأت ختمة كاملة للقرآن لروحه كان يوم الإكرام عند سيدي مصطفى يوم عيد ويقول من يتصل به أو يراه على بشر وسرور: أكان عندكم اليوم ضيوف؟ ويعتني بالدعاء إثر الفراغ من الأكل، داعيًا كان أو مدعوًا وكان من عاداته الكريمة أن يهدي كل من يدخل عليه وما دخل علي رحمه الله إلا وفي يده تمر أو شيء يلطف به كان الصغار يحبونه ويألفونه، ويبتهج حين يكرمهم ويؤنسهم وهذا من الشمائل النبوية الكريمة وكان رحمه الله يحب التمر ولا يدخل طعامًا على طعام ولا يأكل إلا عند الجوع ولا يقدر على ذلك إلا أرباب الكمالات وأصحاب الهمم العليات من أدعيته المباركة يا مولانا يا مجيب من قصدك لا يخيب يا حاضرًا ليس يغيب اقض حوائجنا عن قريب اللهم اجعل للمسلمين من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ومن كل عسر يسرًا ومن كل فاحشة سترًا وإلى كل خير سبيل اللهم لا تدع لنا في جمعنا هذا ذنبًا إلا غفرته ولا همًا إلا فرجته ولا كربًا إلا نفسته ولا ضرًا إلا كشفته ولا دينًا إلا قضيته ولا حاجة هي لك رضًا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أكرم الأكرمين اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم اسقنا الغيث واجعلنا من الشاكرين اللهم ارحم المسلمين رحمة عامة في مشارق الأرض ومغاربها إنك على كل شيء قدير اللهم اهدنا هداية لا ضلال بعدها أبدًا إنك على كل شيء قدير اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم اللهم إنا نعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك سيدنا محمد ﷺ وعبادك الصالحون ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدك ورسولك سيدنا محمد ﷺ وعبادك الصالحون اللهم اهدنا هداية لا ضلال بعدها يا رب العالمين اللهم اهدنا بالهدى ونقنا بالتقوى واغفر لنا في الآخرة والأولى يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وفاة الشيخ رحمه الله يسوق ولده الدكتور إبراهيم حفظه الله ما جرى في سياق وفاة والده فيقول: أجل الوالد موعد الغسل المعتاد الأسبوعي وكأنه على معرفة بوقت انتقاله، وتهيأ وحلق وتوضأ وأسبغ الوضوء وزاد في الغرة والتحجيل، وصلى الضحى ضحى الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ الموافق لـ 30 / 12 / 2021 م ولما دخل وقت الظهر تشهد ثلاث مرات، وأوصى ولده بأمر العناية بوالدته، وقال لزوجته: سامحيني، فقالت: من زمان سامحتك والوالدة العجيب في أمرها أن قالت وكأنها على شعور بدنو أجله: الصبر عند الشدائد يا حجي، وما دخلت عليه إلا بعد أن شدت عليها لباسها كاملًا وأغمض الشيخ عينيه وحده كأنه يخلد لنوم وراحة وقد دخلت كاتب هذه السطور على الشيخ رحمه الله قبيل نقله إلى قريته، وودعناه عند باب داره بعد العصر، وقد سجي في سيارة الأخ سامر الكسم ليوصله إلى بلده السحل تجهيزه وجنازته شغل القرابة والمحبون في السحل ليلة الجمعة بوفاة سيدي مصطفى، وبعد حضور الجمعة في جامع أبي يزيد البسطامي، ضاق عليهم فخرجوا في جنازة كبيرة قالوا لم يشهدوا مثلها في المكان وصلى عليه ولده الدكتور عبد الله في مقبرة البلد ودفن فيها ومن الشجون العجيبة أن الشيخ له ما يزيد عن أربعين سنة معدًا لكفنه مع صابونة ومنشفة ورئي بعد دفنه رحمه الله برؤى صالحة كثيرة، ومنها أن امرأة صالحة رأت في منامها صفين من شباب لباسهم البياض قاموا من بيته إلى المسجد فقالت لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن حراس لمصطفى أمين، وهو لقب اشتهر به في بلده ومن الشؤون الغريبة أن موضع الدفن وقبره الذي وري فيه، كان الشيخ مصطفى يشير له من أربعين سنة كلما مر به ويقول لزوجته وأولاده: إذا أنا مت وكان فارغًا، ادفنوني فيه وهكذا كان، وهو بجوار رجل ولي صالح وقد نص العلماء على أنه تنفذ مثل هذه الوصية إن أمكن، وهكذا فمجاورة الصالحين مرغوبة مطلوبة في الدنيا والبرزخ، ونافعة ورافعة وشافعة جبر الله أهله وولده وأحبابه، وعوضهم خيرًا، وعوضنا وأخلفنا فيه بخير وإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأله أن يعيد علينا من نوره وبركته آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين