الشاعر الملهم والمتفنن الألمعي رشيد الخوري المكنى (بالقروي) إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحراً، فإذا اتخذ بعض الشعراء نظم القوافـي مكسـباً بالمدح والقدح، فإنك لا تجد في ديوان الشاعر القروي العبقري ما يخالف نفسه الأبية وعقيدته المثالية، فقد ضرب على (وتر النبل والكرامة) في نظم قصائده البليغة، فتجلت فيها آيات بينات من الهدى والحكمة والوطنية والفضيلة.
ويسعدني وقد تابعت باهتمام تاريخ حياة بعض شعراء المهجر أن أتحدث عنهم في مؤلفي أعلام الأدب والفن وأن أستقصي أخبار البقية وهي الفئة الفاضلة التي تعتز بها الأوطان، وأن أبدأ بالشاعر الموهوب الخالد (القروي) وإخوته كفنانين لهم علاقة صميمة بأبحاثي الفنية، وإني أدعو الله أن يفسح الأجل فألقى هذا الشاعر النابغة لأعب من كؤوس عبقريته حتى الثمالة.
أصله ونشأته: هو الشاعر الملهم رشيد بن سليم بن طنوس بن منصور بن حنـا الخوري المكنـى (بالقروي) بزغ نجـم هـذا الشاعـر الفنـان فـي سماء قرية (البربارة) الواقعة بين مدينتي جبيل والبترون في لبنان في ليلة عيد الفصح في السابع عشر مـن شـهر نيسان سـنة (1887) ونشـأ بكنف والده في مهد الثقافة والفضائل، تلقى دراسته الاستعدادية في الكلية السورية الإنجيلية ببيروت وانصرف إلى التعليم في مدارس عديدة.
سفره إلى البرازيل: ولما شب سافر في أول شهر آب سنة 1913م إلى البرازيل فوصلها وهو صريع الحمى وجالت في نفسه خواطر مؤلمة وهو غريب حيران وتذكر من قضى نحبه من أقربائه في المهجر، فكانت حياته صراعاً بين الأمل والأماني، وقد استهتر بالموت فقال: ومنها: فنه: لقد اشتهر أهل قرية البربارة برخامة الصوت فكان بيت سليم الخوري مجموعة من أصحاب الأصوات الحسنة يغردون (كالعنادل) واشترى الفنان قبل رحيله من الشام عوده، ولما اشتدت به الضائقة شرع يعلم العود إلى الهواة، ثم تعاقد مع جمعية زهرة الإحسان فعلم سنة في مدرستها.
وفي سنة 1915م انتقل إلى (سانت بول) وصار يعلم في مدارسها ويتجول في الولايات معتمداً لبعض المحلات التجارية، فكان عوده قرة عينه وأنيس وحشته في غربته وسبب اطمئنانه إلى العيش، ثم اشتغل بصنع الأرب (ربطات العنق) وتنازعت بروحه وشعره عاديات الحياة فناجاها بقوله: وأصيب وهو في الثانية عشرة من عمره بانفجار إصبع ديناميت في يده اليسرى أضر بالبنصر والوسطى فأعاقه من التفوق في العزف على العود.
يهوى شاعرنا الغناء والطرب والعزف والرياضة البدنية، ومن الطريف أنه أخرج في سانت بول منذ أكثر من ثلاثين سنة بعض أسطوانات جلها وطني وقد نقدت، وأنكر ذوقه صوته فأتلف (الأمات) سامحه الله ولم يدر أنها من آثاره الخالدة.
شعره: إن ديوانه الشعري الكبير الذي أخرجه للمجتمع هو سفر أدبي ضخم جادت به قريحته الجبارة، ويدل على قوة بلاغته وروعة أسلوبه، ولعمري فهو كالشمس تشع ذراتها فتضيء أجواء الخليقة فتتغذى بها القلوب والأرواح، عظيم الحس والشعور ينظم في أية ساعة وأي مكان في المناسبات الواقعية.
البواكير: كان أول ما نظم، والموجات القصيرة، والأعاصير وهي مختارات من شعره الوطني الحي ولو وزنت عناصر الوطنية في البشر لكان الشاعر القروي فارس الميدان بعواطفه اللاهبة وصدق مبادئه ومتانة أخلاقه المثالية، فقد ضحى براحته وماله ووقته في سبيل الواجب ينظم القصائد والتراتيل ويلحنها ويمرن الفرقة الموسيقية على إنشادها ـ ومن نظمه البديع وكله عظة وحكمة قوله: ويبث روح الثقافة في المجتمع بخرائد درية فاسمع إلى روعة قوله: الأزاهير: هو اسم ينطبق على مسماه، وكل ما وصفه هذا الشاعر المبدع هو كالرياض الغناء التي جمعت أطايب الأزاهير وفاح أريجها العبق فمن قوله: وتستشف مـن معانـي قصيدته (تسبيحة الحب) أن شاعر الوحي والإلهام وهبه الله أخلاق الأنبياء فقال: وأشفي منكم ما ليس يشفى عن القول السفيه عفا وعفّا نروح ونغتدي شدواً وعزفاً وتلوح من ثنايا نظمه الحب العذري وتتقد في خلجات روحه عواطف تذوب في حشاشتها الدم والدمع فيقول: وخير منظوماته (حضن الأم وتحية الأندلس) وفي ديوانه القوافي الكثيرة التي تصلح للتلحين والغناء ولقد لحن مؤلف أعلام الأدب والفن قطعة مؤثرة من نظم الشاعر القروي من مقام الحجاز كار كردي ووزن السماعي الثقيل وهي: أ،ظر كامل الترجمة في كتاب أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 179 - 181.