الشاعر المتفنن الأستاذ وجيه الخوري الحمصي لو أتيح للمرء أن يذكر كل ما مر به من حوادث جسام لها مساس بالعاطفة والنفس؛ لكان فيما يروي لقراء هذا التاريخ عظة وذكرى، تدل على أن المرء مهما تضاءل شأنه في الحياة، فلا بد أن تمر به أحداث خطيرة تلامس نواحي الألمعية في الرجال، على أن ذلك لا يزيده رفعة في نظر المطلعين، فالذين ينشدون الحقيقة يأبهون للبساطة التي تدل على سمو النفس، ويهملون ما يناقضها؛ لأنها في نظرهم كالوشي الذي يحلى به الثوب الأصلي المصنوع، وهذه الحوادث خاصة بهم لا تهم الرأي العام بشيء.
سقت هذه المقدمة التي تنطبق على المترجم وهو أحد نجوم حمص السواطع في ميدان الشعر والأدب.
هو شاعر متواضع، عظيم في كرامته وشممه وإبائه، يسير في حياته على غير هدى شأن الحمصيين الذين اتسموا بطابع البساطة، لا يرى في مراحل حياته من الحوادث والأحداث الهامة ما يستحق التدوين، ولم يدر أن بدائع قوافيه ووحي خياله الخصيب يدخلان في التاريخ.
أصله ونشأته: ولد السيد وجيه بن المرحوم الأرشمندريت وهبة بن ميخائيل الخوري في حمص في التاسع عشر من شهر كانون الأول سنة 1900م، وفي السابعة من عمره دخل مدرسة الطائفة الأرثوذكسية ونال شهادتها بتفوق، فأوفد إلى الناصرة بعام 1913م لإكمال دراسته في السينميا الروسي مجاناً، وقضى فيه السنة الدراسية، ثم أغلق مع بقية المدارس الأجنبية والطائفية بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى، وقد ساعد والده بنفقات إعاشة العائلة في أيام الحرب القاسية، فاتخذ الحياكة مهنة له يتسلى بها، فكان يشتغل في النهار ويأوي في المساء إلى غرفته للمطالعة والدراسة على نفسه حتى وضعت الحرب أوزارها.
في خدمة المجتمع: وانتسب إلى إحدى الوظائف في وزارة المالية وأخذ يتدرج في مناصب الحكومة في حمص وغيرها من المحافظات السورية طيلة اثني وثلاثين عاماً ونيف، وفي 26 آب 1951م أحيل على التقاعد، ثم عهدت إليه شركة الزجاج بمراقبة المعمل في دمشق، وأخيراً استلم أعمال مكتب الإعلان لصحف دمشق اليومية، ومازال يعمل فيها إلى اليوم.
أدبه واحتسابه: لقد ساهم في دوحة الأدب أثناء وجوده بالوظيفة بتحرير جريدة فتى الشرق الحمصية، وكان يواصل الصحف والمجلات في الوطن والمهجر بالمقالات الاجتماعية والنوافل الشعرية، ووقف من الفرنسيين المستعمرين موقفاً سلبيًّا أدى لاستجوابه وملاحقته، ولم يثنه عن عقيدته الوطنية إغراء أو تهديد، ونال من الأذى والضيم بسبب صدق مبادئه ما حرمه من الترفيع في الوظيفة، وهذا وسام الشرف الوطني الذي يحمله المترجم في جيده الحر.
شعره: هذه الحوادث العاطفية التي مرت في حياته جعلته فوق إهماله جمع آثاره لا يكترث لشيء مطلقاً في الحياة، أما ما سعى إلى تأليفه وجمعه من مواضيع وأبحاث في حياته الأدبية فهو: ديوان عبرات الشباب، الجزء الأول، طبع عام 1921م، الجزء الثاني من ديوانه، يتضمن ما سيجمعه من وعي ذاكرته، تاريخ مشاهير أدباء وشعراء وسياسيي حمص منذ الفتوحات الإسلامية (مخطوط)، زقزقة عصفور: وهي مقاطع خيالية منثورة، نشر بعضها في جريدة صدى سوريا (مخطوط)، قصص مشاهير الرجال والعظماء: وهي مجموعة حكايات عنهم ولهم (مخطوط)، الليالي لألفريد دي موسيه: عربها عن الفرنسية (مخطوطة)، إعادة رواية في سـبيل التـاج للشاعـر فرنسـوا كوبيـه: وهـي من تعريب المنفلوطي إلى تمثيلية (مخطوطة)، وقد ساهم في وضع كتاب فقيد حمص المرحوم أنطون جرجي الطرابلسي وهو مطبوع، ومن شعره البديع الأخاذ في أسلوبه وصفاء معانيه قوله: وقد اقترن شعره الأدبي بالفن، وهو ميال إليه بطبعه وروحه، فنظم موشحات: وزار حماة، وله فيه ذكريات مريرة، إذ قبض عليه إبان الحرب العامة الأولى ليساق إلى الجندية، وقضى فيها ليلة قاسية، وقد طلب منه الشاعر الكبير الأستاذ بدر الدين الحامد أن يرتجل شعراً في وصف نواعير حماة، فقال: وفي سنة 1940م اقترن بالآنسة بيرتا بنت الوجيه المرحوم أنطون بن جرجي الطرابلسي، وأعقب أولاداً لم يعش منهم سوى كريمته وفاء.
بين هذا الشاعر المبدع والمؤلف صلات ود وإخاء، وزاد توطيدها مصاهرته لآل الطرابلسي، وبينها وبين الأسرة روابط مأثورة وحقوق قديمة موروثة.
أعلام الأدب والفن، تأليف أدهم آل الجندي الجزء الأول – ص 71 - 72.