أرسل إلينا آلُ أبي بكرٍ بقائمةٍ شاةً ليلًا فأمسكتُ ، وقطع النَّبيُّ ، أو قالت : فأمسك رسولُ اللهِ وقطعتُ ، قال : فيقولُ الذي تحدثه : هذا على غيرِ مصباحٍ ؟ ( قالت عائشةُ : إنه ليأتي على آلِ محمدٍ الشهرُ ما يختبزون خبزًا ، ولا يطبخون قِدرًا ) .
أخرجه أحمد (24675)أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (8872) واللفظ له تامًا، وأحمد (24631)، وإسحاق في ((مسنده)) (1682) بنحوه تامًا.
عاشَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع أهْلِه حَياةَ الزُّهْدِ والافتِقارِ إلى اللهِ مع ما فَتَحَه اللهُ عليه من الدُّنيا كالغنائِمِ ونَحوِها؛ فضَرَبوا بذلك أعظَمَ الأمْثِلةِ في العَمَلِ للآخِرَةِ، وتَرْكِ الدُّنيا مع الأخْذِ منها بقَدْرِ الحاجةِ للحَياةِ دون تَرَفٍ أو إسْرافٍ.
وهذا الحديثُ يُبيِّنُ جانِبًا من ذلك، وهو جُزءٌ من رِوايةٍ تقولُ فيها عائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنينَ رضِيَ اللهُ عنها: "أرسَلَ إلينا آلُ أبى بَكرٍ بقائِمَةِ شاةٍ لَيْلًا"، أي: أرْسَلوا إلينا ذاتَ لَيْلةٍ هَدِيَّةً من رِجْلِ وذِراعِ شاةٍ مَذبوحةٍ، "فأمْسَكتُ وقَطَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -أو قالت: أمْسَكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَطَعتُ-"، أي: تعاوَنَ الاثنانِ في إعْدادِ اللَّحمِ وتَقطيعِه، "قالت عائِشَةُ للذي تُحدِّثُه: "هذا على غَيرِ مِصباحٍ"، أي: قُمنا بهذا العَمَلِ على غَيرِ ضَوءِ مِصباحٍ، "فقُلتُ: يا أُمَّ المُؤمِنينَ على غَيرِ مِصباحٍ؟!" وقال هذا من التَّعجُّبِ لحالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأهْلِه، وأنَّه ليس عندَهم مِصباحٌ يُضاءُ لَيْلًا، فقالت عائِشَةُ رضِيَ اللهُ عنه: "لو كان عندَنا دُهْنُ مِصباحٍ لأَكَلْناه"، أي: لو كُنَّا نَملِكُ زَيْتًا نُضيءُ به المِصباحَ لأَكَلْناه وانتَفَعْنا به في الطَّعامِ بَدَلًا من إضاءةِ المِصباحِ؛ وذلك لشِدَّةِ الحالِ، وبُعدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن تَرَفِ الحَياةِ الدُّنيا، مع صَبْرِ أهْلِه على ذلك، واختِيارِهمُ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخِرَةَ؛ ولأنَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حين خُيِّرَ بيْنَ الدُّنيا والآخِرَةِ، فاختارَ الآخِرَةَ، وأنْ يكونَ نبيًّا عَبدًا، ولا يكونَ نبيًّا مَلِكًا؛ فهذه سُنَّتُه وطَريقَتُه .