عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو قال : إنَّ أهلَ النارِ يَدعون مالكًا ، فلا يجيبُهم أربعينَ عامًا ، ثم يقولُ ( إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) ثم يَدعون ربَّهم فيقولون ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ) فلا يجيبُهم مثلُ الدنيا ثم يقول ( اخْسَؤُا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ ) ثم ييأس القومِ فما هو إلا الزفيرُ والشهيقُ ، تشبه أصواتُهم أصواتَ الحميرِ أولُها شهيقٌ ، وآخرُها زفيرٌ .
أخرجه ابن أبي شيبة (34122)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) (14047)، والحاكم (3492)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (591) واللفظ لهم.
النَّارُ هي الدارُ التي أعدَّها لعَذابِ الكُفَّارِ؛ يَصيحونَ ويَصطَرِخونَ فيها، ويَبحَثونَ عن مَخرَجٍ منها فلا يَستَطيعونَ، ولا يَنفَعُهم النَّدَمُ بعدَ دُخولِها.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ أهلَ النَّارِ يَدْعُون مالِكًا"، يعني يُنادون على مالِكٍ، وهو المَلَكُ المُوكَّلُ بالنَّارِ، وخازِنُها، يَستَغيثونَ بِهِ، ونِداؤُهم جاءَ في قَولِه تَعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] ، يعني: لِيُمِتْنا ويُهلِكْنا ويُرِحْنا ممَّا نحن فيه، "فلا يُجيبُهم أربَعينَ عامًا"؛ وذلك نِكايَةٌ في عَذابِهم، "ثم يقولُ: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77] "، أي: خالِدونَ، "ثم يَدْعون ربَّهم فيَقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107] "، يعني: أخرِجْنا من النَّارِ، فإنْ عُدْنا لِمَا تَكرَهُ من المعاصي والذُّنوبِ، فإنَّنا نكونُ ظالِمينَ لأنفُسِنا حَقًّا، "فلا يُجيبُهم مِثلَ الدُّنيا"، يعني: لا يَرُدُّ عليهم زَمنًا طَويلًا مِثلَ عُمْرِ الدُّنيا نِكايَةً في عَذابِهم، "ثم يقولُ: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] "، أي: ذِلُّوا وانزَجِروا كما تَنزَجِرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، والمعنى: ابْعَدوا أذِلَّاءَ في النَّارِ، ولا تُكلِّموني في رَفْعِ العَذابِ؛ فإنَّه لا يُرفَعُ ولا يُخفَّفُ عنكم، "ثم يَيْئَسُ القَومُ"، أي: يَيْئَسوا ويَقنُطوا أنْ يَخرُجوا من النَّارِ، ويكونُ ذلك كَلامًا يتكلَّمُ به أهلُ النَّارِ، ثم لا يتكلَّمون بعدَها، "فما هو إلَّا الزَّفيرُ والشَّهيقُ" والشَّهيقُ رَدُّ النَّفَسِ وإدخالُه إلى الجَوفِ، والزَّفيرُ إخراجُ النَّفَسِ، "تُشبِهُ أصواتُهم أصواتَ الحَميرِ؛ أوَّلُها شَهيقٌ، وآخِرُها زَفيرٌ"، أي: تتحوَّلُ أصواتُهم في النَّكارَةِ والحَسرَةِ كأصواتِ الحَميرِ؛ بدايةُ صَوتِه شَهيقٌ، وآخِرُه زَفيرٌ.
وفي الحديثِ: تَصويرٌ لشِدَّةِ عَذابِ جَهنَّمَ وتَحذيرٌ منه( ).
مصنف ابن أبي شيبة (7/ 48 ت الحوت) :
34122 - حدثنا، أبو أسامة، عن، سعيد بن أبي عروبة، عن، قتادة، عن، أبي أيوب، عن، عبد الله بن عمرو ، قال: " إن أهل النار نادوا: {يا مالك ليقض علينا ربك} [[الزخرف: 77]] ، فخلى عنهم أربعين عاما، ثم أجابهم: {إنكم ماكثون} [[الزخرف: 77]]، قال: فقالوا: {أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [[المؤمنون: 107]]، قال: فخلى عنهم مثلي الدنيا ، ثم أجابهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون}، قال: فلم ييئس القوم بعد ذلك بكلمة ، إن كان إلا الزفير والشهيق "
تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2509) :
14047 - حدثنا أبي ثنا عبدة بن سليمان المروزي، ثنا بن المبارك، ثنا سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب عبد الله بن عمرو قال: [[إن أهل جهنم يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك.
ثم يدعون ربهم فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال: فيسكت، عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم اخسؤا فيها ولا تكلمون قال: والله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق]]
المستدرك على الصحيحين (2/ 429) :
3492 - حدثنا الحسن بن يعقوب العدل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال: " إن أهل النار يدعون مالكا، فلا يجيبهم أربعين يوما، ثم يرد عليهم إنكم ماكثون قال: هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك قالوا {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} [[المؤمنون: 106]] {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
البعث والنشور للبيهقي ت حيدر (ص324) :
591 - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ، قال: " إن أهل النار ينادون مالكا: {يا مالك ليقض علينا ربك} [[الزخرف: 77]] ، قال: فيذرهم أربعين عاما لا يجيبهم، ثم يجيبهم: {إنكم ماكثون} [[الزخرف: 77]] ، قال: ثم ينادون ربهم، فيذرهم مثل الدنيا لا يجيبهم، فيجيبهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} ، قال: فأيئس القوم بكلمة، ما كان إلا الزفير والشهيق " قال قتادة: شبه أحوالهم بأحوال الحمير، أوله زفير، وآخره شهيق