- كنتُ مع النَّجَداتِ، فأصبْتُ ذُنوبًا لا أراها إلَّا مِنَ الكبائرِ، فذكَرْتُ ذلكَ لابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ما هي؟ قلتُ: كذا وكذا، قال: ليستْ هذهِ مِنَ الكبائرِ؛ هُنَّ تِسْعٌ، الكبائرُ تِسْعٌ: الإشراكُ باللهِ، وقَتْلُ نَسَمَةٍ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وقَذْفُ المُحْصَنةِ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، وإلحادٌ في المسجدِ، والذي يَستَسخِرُ، وبُكاءُ الوالدَيْنِ مِنَ العُقوقِ، قلتُ: إيْ واللهِ ، قال: أَحَيٌّ والِدُكَ؟ قلتُ: عِندي أُمِّي، قال: فواللهِ، لو أَلَنْتَ لها الكلامَ، وأطعمْتَها الطَّعامَ، لَتَدْخُلَنَّ الجنَّةَ ما اجتَنَبْتَ الكبائرَ.

الدلالات الموضوعية:# جهاد - التولي والفرار من الزحف# الكفر والشرك - ذم الشرك وما ورد فيه من العقوبة# ديات وقصاص - تحريم القتل# حدود - التشديد في قذف المحصنات# ربا - ذم الربا وآكله وموكله
المصدر: صحيح الأدب المفرد
الراوي: طيسلة بن مياس
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (8) بلفظه، وإسماعيل بن إسحاق الجهضمي في ((أحكام القرآن)) (35)، والطبري في ((التفسير)) (6/ 646)، وابن حجر في ((موافقة الخبر)) (1/ 343) جميعهم بألفاظ مقاربة.

الشرح والتوضيح

حَثَّ الشَّرعُ المُطهَّرُ على اجتِنابِ كبائرِ الذُّنوبِ والابتِعادِ عنها؛ لأنَّها مُوبِقةٌ تُهلِكُ صاحِبَها، وتُعرِّضُه لغضَبِ اللهِ تعالى.

وفي هذا الحديثِ: أنَّ رجلًا يُقال له: طَيْسَلةُ، واسمُه عليُّ بنُ مَيَّاسٍ قال: "كنتُ مع النَّجداتِ"، أي: كنتُ أُقاتِلُ معهم، وهم فِرقةٌ مِن الخوارجِ أصحابُ نَجْدَةَ بنِ عامرٍ الحنفيِّ الخارجيِّ، "فأصَبْتُ"، أي: ارتكَبْتُ، "ذُنوبًا لا أراها إلَّا مِن الكبائرِ"، أي: فيما أظنُّ أنَّها مِن الكبائرِ المُحرَّمةِ، "فذكرْتُ ذلك لابنِ عمَرَ"، أي: أخبَرَه بذُنوبِه ليَعرِفَ حكْمَها، فقال ابنُ عمرَ رضِيَ اللهُ عنهما: "ما هي؟ قلْتُ: كذا وكذا" فعدَّدها وأعْلَمها لابنِ عمَرَ، "قال: ليست هذه مِن الكبائرِ"، أي: إنَّ تلك الذُّنوبَ ليست على ما ظنَنْتَ أنَّها مِن الكبائرِ، "هنَّ تسْعٌ، أي: الكبائرُ تِسعٌ، والمَقصودُ بها الذُّنوبُ العَظيمةُ، وهي كلُّ ذَنبٍ أُطْلِقَ عليه -في القُرآنِ، أو السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، أو الإجماعِ- أنَّه كَبيرةٌ، أو أنَّه ذنْبٌ عَظيمٌ، أو أُخْبِرَ فيه بشِدَّةِ العِقابِ، أو كانَ فيه حَدٌّ، أو شُدِّدَ النَّكيرُ على فاعلِه، أو ورَدَ فيه لَعْنُ فاعلِه، وقيل: الكبائِرُ هي كلُّ فِعلٍ قَبيحٍ شَدَّدَ الشَّرْعُ في النَّهيِ عنه، وأعْظَمَ أمْرَه.

ثمَّ بيَّنَ ابنُ عمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما هؤلاء التِّسعَ: "الإشراكُ باللهِ،"، أي: أنْ يَجعَلَ الإنسانُ مع اللهِ إلهًا آخَرَ، "وقتْلُ نَسمةٍ"، أي: قتْلُ النَّفسِ الَّتي حرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ قَتلَها وهي غيرُ مُستحِقَّةٍ للقَتلِ، "والفرارُ مِن الزَّحفِ"، أي: الهُروبُ عندَ لِقاءِ العَدوِّ، "وقذْفُ المُحصَنةِ"، أي: رمْيُ العَفيفاتِ البريئاتِ مِن الفاحشةِ بالزِّنا والفاحشةِ دونَ بيِّنةٍ، "وأكْلُ الرِّبا" وهو التَّعامُلُ بينَ النَّاسِ بالزِّيادَةِ على أصلِ الدُّيونِ والإقراضِ، "وأكْلُ مالِ اليتيمِ"، وهو الاعتِداءُ الظَّالمُ والآثمُ على أموالِ الْيتامى بإضاعتِها وتبْذيرِها، "وإلحادٌ في المسجِدِ"، يعني: أنْ يُفعَلَ في البيتِ الحرامِ ما لا يَكونُ حلالًا؛ مِنَ الاصطِيَادِ وقَطعِ الأشجارِ، أو استِحْلالِه بالتَّخريبِ والتَّرويعِ والقتلِ وسائرِ المحرَّماتِ، "والذي يَستسخِرُ" والاستسخارُ مِن السُّخريةِ مِن النَّاسِ، وفي نُسخةٍ: "الذي يَستسحِرُ"، أي: يَطلُبُ السِّحرَ، أي: تَعلُّمَ السِّحرِ والعَملَ به، والسِّحرُ قِسمانِ؛ الأوَّلُ: عُقَدٌ ورُقًى، أي: قِراءاتٌ وطلاسِمُ يَتَوصَّلُ بها السَّاحرُ إلى اسْتِخدامِ الشَّياطينِ فيما يُرِيدُ به ضَرَرَ المَسحورِ.

والثَّاني: أَدوِيةٌ وعَقاقيرُ تُؤثِّرُ في بَدَنِ المَسحورِ وعَقْلِه، وإرادتِه ومَيْلِه، فيَنصرِفُ أو يَمِيلُ، وهو ما يُسمَّى عِنْدَهم بالصَّرْفِ والعَطْفِ، "وبكاءُ الوالدينِ مِن العُقوقِ"، يَعني: التَّسبُّبُ في بُكائِهما، ومعصيةُ الأبِ والأمِّ المُسلِمَين ومُخالَفةُ أمْرِهما في الطَّاعةِ مِن الكبائرِ.

قال طَيْسَلةُ: "قال لي ابنُ عمَرَ: أتَفْرَقُ مِن النَّارِ"، أي: أتخافُ مِن دُخولِ النَّارِ يومَ القيامةِ، "وتُحِبُّ أنْ تَدْخُلَ الجنَّةَ؟ قلْتُ: إيْ واللهِ" وهذا قسَمٌ باللهِ أنَّه يخافُ مِن النَّارِ ويُحِبُّ أنْ يَدخُلَ الجنَّةَ، "قال: أحيٌّ والِدَك؟ قلْتُ: عندي أُمِّي، قال: فواللهِ لو ألَنْتَ لها الكلامَ"، وذلك بالتَّرقُّقِ لها في الكلامِ وعدَمِ الغِلظةِ، "وأطْعَمْتَها الطَّعامَ" بأنْ تُعْطِيَها ممَّا تأكُلُه وتَتكفَّلَ بطعامِها، "لَتدخُلَنَّ الجنَّةَ ما اجتنَبْتَ الكبائرَ"، أي: سيكونُ ذلك سببًا في دُخولِك الجنَّةَ ما لم تقَعْ في كبيرةٍ مِن الكبائرِ المذكورةِ.

والكبائرُ لا بُدَّ لها مِن التَّوبةِ وعَدمِ العَودةِ، وغيرِ ذلك مِن الشُّروطِ.

وفي الحديثِ: بيانُ ما ذُكِرَ مِن الكَبائرِ الَّتي يجِبُ أنْ يَتجنَّبَها المسلِمُ.

وفيه: أنَّ مَن جاء يومَ القيامَةِ مُوحِّدًا، وملْتزِمًا بأحكامِ الإسلامِ، ومُجتنِبًا لكبائرِ الذُّنوبِ دخَلَ الجنَّةَ .

الأصول والأحكام

الأدب المفرد (ص: 17) 8 - حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا زياد بن مخراق قال: حدثني طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر، هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر، وبكاء الوالدين من العقوق.

قال لي ابن عمر : أتفرق النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله، قال: أحي والدك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر

أحكام القرآن لإسماعيل بن إسحاق القاضي (ص: 84) 35 - حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم قال اخبرنا زياد بن مخراق قال اخبرنا زياد بن مخراق قال اخبرني طيسلة بن مياس قال كنت مع النجدات فاصبت ذنوبا لا اراها الا من الكبائر فلقيت ابن عمر فلقيت ابن عمر فقلت ابن عمر فقلت اني اصبت ذنوبا لا اراها الا من الكبائر قال ماهي قلت كذا وكذا قال ليس من الكبائر قلت واصبت كذا وكذا قال ليس من الكبائر قال زياد شئ لم يسمعه طيسلة قال هن تسع وساعدهن عليك الاشراك بالله وقتل النسمة بغير حقها والفرار من الزحف وقذف المحصنة واكل الربا واكل مال اليتيم ظلما والحاد في المسجد الحرام والذي يستحر وبكاء الوالدين من العقوق

قال زياد قال لي طيسلة لما راي ابن عمر فرقي قال اتفرق من النار ان تدخلها قلت أي والله قال وتحب ان تدخل الجنة قلت أي والله قال احي والداك قلت عندي امي قال فوالله لئن النت لها الكلام واطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات

تفسير الطبري (6/ 646) ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال: ثنا ابن علية , قال: أخبرنا زياد بن مخراق , عن طيسلة بن مياس , قال: كنت مع الحدثان , فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر , فلقيت ابن عمر , فقلت: إني أصيب ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر قال: وما هي؟ قلت: كذا وكذا.

قال: ليس من الكبائر , قال: لشيء لم يسمعه طيسلة , قال: هي تسع , وسأعدهن عليك: الإشراك بالله , وقتل النسمة بغير حلها , والفرار من الزحف , وقذف المحصنة , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم ظلما , وإلحاد في المسجد الحرام , والذي يستسحر وبكاء الوالدين من العقوق.

قال ابن زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم.

قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم.

قال: أحي والدك؟ قلت: عندي أمي.

قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام , وأطعمتها الطعام , لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات "

موافقة الخبر الخبر لابن حجر (1/ 343) قرأت على أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بمصر أن جده أخبرهم عن مكي بن علان القيسي وإسماعيل بن أحمد العراقي قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر السلفي في كتابه أخبرنا أبو غالب الباقلاني أخبرنا أبو العلاء الواسطي أخبرنا أبو نصر النيازكي أخبرنا أبو الخير العبقسي حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الأدب المفرد حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا زياد بن مخراق حدثني طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له، فقال: ما هو؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليس من الكبائر، قال: إنما هي تسع الإشراك بالله وقتل نسمة يعني بغير حق، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والذي يستسحر، والإلحاد في المسجد يعني الحرام، وبكاء الوالدين من العقوق، قال ابن عمر: أتفر من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله، قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لئن ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث طيسلة، وهو بفتح الطاء المهملة وسكون التحتانية وفتح السين المهملة وتخفيف اللام، ووهم من قدم اللام على السين، وأبوه مياس بفتح الميم وتشديد التحتانية وآخره مهملة، قال الحافظ أبو بكر البرديجي: هو لقب واسمه علي، وجعله المزي ترجمتين وفرق بين طيسلة بن علي وطيسلة بن مياس، والذي يترجح أنه واحد وهو مقتضى صنيع البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم، ويؤيده أن أيوب بن عتبة روى الحديث المذكور قبل عن طيسلة بن علي قال: أتيت ابن عمر وهو بعرفة في ظل الأراك فذكر قصة وفيها قال ابن عمر: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الكبائر تسع" فذكر مثل السياق الماضى في الموقوف، لكن بتقديم وتأخير، والموقوف أصح إسنادا، فإن زياد بن مخراق متفق على توثيقه بخلاف أيوب بن عتبة، فإنه موصوف بسوء الحفظ، وقد اختلف عليه في عدة الخصال، فرواه البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة كما ذكرنا

أحاديث ذات صلة