فإِذَا كان عَدُوا للهِ نزلَ بهِ المَوْتُ و عَايَنَ ما عَايَنَ ، فإنَّهُ لا يحبُّ أنْ تُخْرَجَ رُوحُهُ أبدًا ، و اللهُ يُبْغِضُ لِقَاءَهُ ، فإِذَا جلسَ في قبرِهِ أوْ أُجْلِسَ ، فيقالُ لهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فيقولُ : لا أَدْرِي فيقالُ : لا دَرَيْتَ فَيُفْتَحُ لهُ بابٌ من جهنمَ ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً تسْمَعُ كلُّ دَابَّةٍ إلَّا الثَّقَلَيْنِ ، ثُمَّ يقالُ لهُ : نَمْ كما يَنامُ المَنْهوشُ فقُلْتُ لأَبي هريرةَ : ما المَنْهوشُ ؟ قال : الذي يَنْهِشُهُ الدَّوَابُّ و الحَيَّاتُ ثُمَّ يُضَيَّقُ عليهِ قَبْرُهُ
أخرجه البزار (9760) واللفظ له، والطبري في ((تهذيب الآثار - مسند عمر)) (2/502)
إنَّ القبْرَ أمْرُه جَلَلٌ، وخَطْبُه عظيمٌ، وهو أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازلِ الآخِرةِ، وقد قصَّ علينا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حالَ القبْرِ مع الطائعينَ، وحالَه مع العُصاةِ.
وهذا المتْنُ جُزءٌ مِن حَديثٍ عند البزَّارِ يقولُ فيه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنَّ المُؤمِنَ يَنزِلُ به الموتُ"، أي: حِينَ قَبْضِ رُوحِه، "ويُعايِنُ ما يُعايِنُ"، أي: يَرى عندَ قبْضِ رُوحِه -كالملائكةِ ونحْوِها- ما لم يكُنْ يَراهُ في الدُّنيا، "فوَدَّ لو خرَجَتْ -يعني- نفْسُه، واللهُ يُحِبُّ لِقاءَه"، أي: يَستعجِلُ خُروجَ رُوحِه؛ لعِلْمِه أنَّ اللهَ يُحِبُّ لِقاءَه، فبَعدَ أنْ تَقبِضَ الملائكةُ رُوحَه "يَصعَدُ"، أي: تَصعَدُ الملائكةُ "برُوحِهِ إلى السماءِ"، فحِينما يصِلُ إلى أماكنِ أرواحِ المؤمنينَ، "فتأْتِيه أرواحُ المؤمنينَ، فيَستخبِرونَه عن مَعارفِهم مِن أهلِ الأرضِ"، أي: فيَسْأَلونه عن أحوالِهم وعن مَعيشتِهم، "فإذا قال: ترَكْتُ فلانًا في الدُّنيا"، أي: لم يَمُتْ، "أعجَبَهم ذلك"؛ لأنَّه لو مات وما وصَلَ إليهم لَعَلِموا أنَّه مع أهلِ المعاصي، فيَفْرَحون؛ لأنَّه ما زال حيًّا، "وإذا قال: إنَّ فلانًا قد مات، قالوا: ما جِيءَ به إلَينا"، أي: إنَّ رُوحَه لم تَصعَدْ إليهم.
قال: "وإنَّ المؤمنَ يُجلَسُ في قبْرِه"، أي: بعدَ أنْ تَعودَ رُوحُه إليه في القبْرِ، فتَأْتِيه الملائكةُ، "فيُسأَلُ: مَن ربُّه؟" أي: مَن الذي كنتَ تَعبُدُ في الدُّنيا؟ "فيقولُ: ربِّيَ اللهُ"، فيَسأَلونه: "مَن نبِيُّك؟ فيقولُ: نَبِيِّي محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"، ثم يَسأَلونه: "ما دِينُك؟ قال: دِيني الإسلامُ"، فمَن وفَّقَه اللهُ عزَّ وجلَّ، وكانتْ إجابتُه كذلك؛ "فيُفتَحُ له بابٌ في قبْرِه"؛ لِيَرى ما أعَدَّه اللهُ عزَّ وجلَّ له في الجنَّةِ، "يُقال: انظُرْ إلى مَجلسِك"، أي: في الجنَّةِ، "ثم يَرى القَبْرَ فكأنَّما كانتْ رَقدةً"، أي: كأنَّ مَوتَه في القبْرِ إلى أنْ تقومَ الساعةُ كنَوْمةٍ قليلةٍ نامَها.
ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فإذا كان عَدُوًّا للهِ"، أي: كافرًا أو عاصيًا، "نزَلَ به الموتُ، وعايَنَ ما عايَنَ" مِن سَكراتِ الموتِ؛ "فإنَّه لا يُحِبُّ أنْ تَخرُجَ رُوحُه أبدًا"؛ وذلك لأنَّه يَعلَمُ ما يكونُ له بعدَ الموتِ مِن العذابِ، ويَظهَرُ ذلك أثناءَ خُروجِ رُوحِه، "واللهُ يُبغِضُ لِقاءَه"، أي: لأنَّه يَكرَهُ لِقاءَ اللهِ، ومَن كرِهَ لِقاءَ اللهِ كرِهَ اللهُ لِقاءَه، وهذا ذمٌّ لحالِه، ودلالةٌ على سُوءِ مُنقلَبِه، "فإذا جلَسَ في قبْرِه -أو أُجلِسَ-"، أي: بعدَ أنْ تَخرُجَ رُوحُه ويُدفَنَ في قبْرِه، يأْتِيه مَلَكانِ يُجلِسانِه، كما ورَدَ في بعضِ الرِّواياتِ، كما عِندَ أبي داودَ مِن حديثِ البَراءِ بنِ عازبٍ، فإذا جلَسَ تَبدَأُ أسئلةُ هذينِ المَلَكينِ، والسُّؤالُ الأوَّلُ: "فيُقال له: مَن ربُّك؟ فيقولُ: لا أدْري"، أي: لا أدْري مَن ربِّي؛ وهذا لأنَّه قصَّرَ في حقِّ ربِّه في دُنياهُ، فلا يَستطيعُ أنْ يقولَ مَن ربُّه في قبْرِه، "فيُقال: لا درَيْتَ"، وهذا دُعاءٌ عليه مِن الملائكةِ، أي: لا كُنتَ دَاريًا، فلا تُوفَّقُ في هذا الموقِفِ، ولا تَنتفِعُ بما كنتَ تَسمَعُ أو تَقرَأُ، "فيُفتَحُ له بابٌ مِن جهنَّمَ"، أي: يَرى جهنَّمَ؛ لِيَعلَمَ أنَّها مُنقلَبُه ومأْواهُ، "ثم يُضرَبُ ضَربةً تُسمِعُ كلَّ دابَّةٍ إلَّا الثَّقلينِ"، أي: يَسمَعُ صوتَ هذه الضَّربةِ كلُّ ما يَدِبُّ على الأرضِ إلَّا الجنَّ والإنسَ، "ثم يُقال له: نَمْ كما يَنامُ المَنْهوشُ"، والمَنْهوشُ فسَّره أبو هُرَيرةَ بقولِه: "الذي يَنهَشُه الدَّوابُّ والحيَّاتُ"، أي: الذي تَفترِسُه الحيَّاتُ، وتلك صُورةٌ مُرعِبةٌ مِن صُوَرِ العذابِ الشديدِ، ثم يُزادُ عليه في عذابِه: "ثم يُضيَّقُ عليه قبْرُه"، أي: بعدَ كلِّ ذلك يُضَيَّقُ عليه قبْرُه، حتى تَختلِفَ فيه أضلاعُه، كما جاء عندَ أبي داودَ مِن رِوايةِ البَراءِ بنِ عازبٍ.
وفي الحَديثِ: إثباتُ نَعيمِ القَبْرِ وعذابِه.
وفيه: حَثٌّ ودَعوةٌ إلى الإيمانِ والعمَلِ الصالحِ؛ حتى يَفوزَ العبْدُ بحُسنِ الخاتمةِ وتَوفيقِ اللهِ له في قبْرِه( ).
[مسند البزار = البحر الزخار] (17/ 154) :
9760- حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي ، حدثنا الوليد بن القسام ، حدثنا يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أحسبه رفعه قال إن المؤمن ينزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فود لو خرجت يعني: نفسه والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه ، عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانا في الدنيا، أعجبهم ذلك، وإذا قال: إن فلانا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا ،
وإن المؤمن يجلس في قبره، فيسأل من ربه، فيقول: ربي الله، فيقول: من نبيك؟ فيقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، قال: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره، فيقول أو يقال: انظر إلى مجلسك، ثم يرى القبر، فكأنما كانت رقدة، فإذا كان عدو لله نزل به الموت، وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو أجلس يقال له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت، فيفتح له باب من جهنم، ثم يضرب ضربة تسمع كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش، فقلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره.
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، إلا الوليد بن القاسم.
[تهذيب الآثار - مسند عمر] (2/ 502) :
حدثنا أبو كريب، والحسن بن علي الصدائي، قالا: حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن حين ينزل به الموت ويعاين ما يعاين، ود أنها قد خرجت، والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانا في الدنيا أعجبهم ذلك، وإذا قال لهم إن فلانا قد فارق الدنيا.
قالوا: ما جيء بروح ذاك إلينا، وقد ذهب بروحه إلى أرواح أهل النار، وإن المؤمن يجلس في قبره ويسأل: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويقال: من نبيك؟ فيقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره، فيقال: انظر إلى مجلسك، نم قرير العين، فيبعثه الله يوم القيامة كأنما كانت رقدة.
وإذا كان عدو الله ونزل به الموت، ويعاين ما يعاين، ود أنها لا تخرج أبدا، والله يبغض لقاءه، وإذا أجلس في قبره يقال: من ربك؟ قال: لا أدري قال: لا دريت ، يقال: من نبيك؟ فيقول: لا أدري، يقال: ما دينك؟ قال: لا أدري قال: لا دريت ويفتح له باب في قبره، باب من أبواب جهنم، ثم يضرب ضربة يسمعها خلق الله إلا الثقلين، ثم يقال: نم كما ينام المنهوش " قال: قلت: يا أبا هريرة، وما المنهوش؟ قال: نهشته الدواب، والحيات، ثم يضيق عليه قبره، حتى رأيت أبا هريرة نصب يده، ثم كفأها، ثم شبك، حتى تختلف أضلاعه