- عن عائشةَ، قال : خرجتُ يومَ الخندقِ فسمِعتُ حسًّا فالتفتُّ فإذا أنا بسعدِ بنِ معاذٍ ومعه ابنُ أخيه الحارثُ بنُ أوسٍ يحمِلُ مِجَنَّه

الدلالات الموضوعية:# مغازي - غزوة الخندق# مناقب وفضائل - سعد بن معاذ# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: الإصابة في تمييز الصحابة
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (25097)، وابن حبان (7028)، وابن أبي شيبة (37951) بلفظه تامًا.

الشرح والتوضيح

كانت غزوةُ الأحزابِ كاشفةً لكثيرٍ مِن مواقفِ المشركينَ واليهودِ ضدَّ الإسلامِ وأهْلِه، كما كانت كاشفةً لتعاضُدِ المسلمينَ مِن المهاجرينَ والأنصارِ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضدَّ أهلِ الكُفْرِ.

وهذا جزءٌ من حديثٍ طويلٍ، وفيه تقولُ أمُّ المؤمنين عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها: "خرَجْتُ يومَ الخندقِ"، أي: يومَ غزوةِ الخندقِ، وكانت في السَّنةِ الرَّابعةِ مِن الهجرةِ، وقيل: سنةَ خمْسٍ، والخندقُ هو الحفْرُ العميقُ الذي أشارَ به سلْمانُ الفارسيُّ؛ لِيَحمِيَ المدينةَ مِن هجماتِ الأحزابِ، "أقْفُو آثارَ النَّاسِ"، أي: كان خُروجُها لمعرفةِ أخبارِ المسلمينَ في الغزوةِ، كما بيَّنت روايةُ الصَّحيحينِ، "قالت: فسمِعْتُ وَئِيدَ الأرضِ ورائي؛ يعني حِسَّ الأرضِ"، أي: سمِعَتْ صوتًا يدُبُّ على الأرضِ، "قالت: فالتفَتُّ، فإذا أنا بسعدِ بنِ معاذٍ، ومعه ابنُ أخيه الحارثُ بنُ أوسٍ، يَحمِلُ مِجَنَّهُ"، أي: يَحمِلُ دِرْعَه، وكانَا مُتوجِّهَينِ إلى الحربِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضدَّ الأحزابِ مِن قريشٍ ومَن حالَفَهم مِن يهودِ بني قُريظةَ في المدينةِ، "قالت: فجلسْتُ إلى الأرضِ، فمرَّ سعدٌ وعليه دِرْعٌ مِن حديدٍ، قد خرَجَتْ منها أطرافُه"، أي: ظهَرَتْ ذِراعاهُ ورِجْلاهُ، "فأنا أتخوَّفُ على أطرافِ سعدٍ"، أي: مِن أنْ تُصابَ، "قالت: وكان سعدٌ مِن أعظمِ النَّاسِ وأطوَلِهم"، أي: كان جسيمًا، "قالت: فمرَّ وهو يَرتجِزُ"، أي: يُنشِدُ، "ويقولُ: لَبِّثْ قَلِيلًا يُدْرِكِ الْهَيْجَا حَمَلْ ...

مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ ومعنى البيتِ: انتظِرْ واصْبِرْ وقتًا قليلًا، وسيَلحَقُ بالحربِ رجلٌ شابٌّ فتًي مِثْلُ الحمَلِ في رَيْعانِ شبابِه، وفي روايةٍ: "جَمَلْ"، أي: مِثْلُ الجمَلِ في القوَّةِ والصَّبرِ والتَّحمُّلِ، فما أحسَنَ الموتَ إذا جاء والمرْءُ على هذه الحالِ مِن الجلادةِ والجهادِ والتَّحمُّلِ.

"قالت عائشةُ: "فقُمْتُ، فاقتحمْتُ حديقةً"، أي: دخلْتُها، "فإذا فيها نفرٌ"، أي: جماعةٌ، "مِن المسلمين، وإذا فيهم عمرُ بنُ الخطَّابِ، وفيهم رجلٌ عليه تَسْبِغَةٌ له، يعني مِغْفَرًا" والمِغْفَرُ: هو ما يُوضَعُ على الرَّأسِ تحتَ الخُوذَةِ ويُسدَلُ على الوَجهِ؛ لِيحمِيَهُ مِن ضَرباتِ السَّلاحِ، والتَّسْبِغَةُ: شيءٌ مِن حَلَقِ الدُّروعِ والزَّرَدِ يُعلَّقُ بالمِغْفَرِ دائرًا معه يَستُرُ الرَّقبةَ وجَيْبَ الدِّرْعِ، "فقال عمرُ: ما جاء بكِ؟ لَعَمْرِي واللهِ"، أي: يُقْسِمُ عمرُ قائلًا لها: "إنَّك لَجريئةٌ، وما يُؤَمِّنُك أنْ يكونَ بلاءٌ"، أي: شدَّةٌ وحربٌ، "أو يكونَ تَحوُّزٌ؟" أي: حربٌ أو أسْرٌ، "قالت: فما زال يَلُومني حتَّى تمنَّيْتُ أنَّ الأرضَ انشقَّتْ لي ساعتئذٍ، فدخَلْتُ فيها"؛ وفعلَتْ ذلك حَياءً مِن عمرَ رضِيَ اللهُ عنه ومِن قولِه، "قالت: فرفَعَ الرَّجلُ التَّسْبِغَةَ عن وَجْهِه، فإذا طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ، فقال: يا عمرُ، وَيْحَكَ" الويحُ: هو الويلُ، وهي كلمةٌ لا يُرادُ بها الدُّعاءُ على الشَّخصِ، ولكنْ يُرادُ بها الزَّجْرُ والحثُّ على شيءٍ مُعيَّنٍ، "إنَّك قد أكثرْتَ منذُ اليومِ"، أي: أكثرْتَ في الكلامِ، "وأين التَّحوُّزُ أو الفرارُ إلَّا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؟ قالت: ويَرْمي سعدًا رجلٌ مِن المشركينَ مِن قُريشٍ -يُقالُ له: ابنُ العَرِقَةِ- بسَهمٍ له، فقال له: خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ، فأصاب أَكْحَلَه، فقطَعَه"، الأكْحَلُ: عِرقٌ في وسطِ الذِّراعِ، في كلِّ عضْوٍ منه شعبةٌ، إذا قُطِعَ لم يَرْقَأِ الدَّمُ وظلَّ يَنزِفُ، "فدعا اللهَ عزَّ وجلَّ سعدٌ، فقال: اللَّهُمَّ لا تُمْتِني حتَّى تُقِرَّ عَيْني"، أي: تُفرِّحَها، "مِن قُريظةَ، قالت: وكانوا حُلفاءَه ومَوالِيَه"، أي: أتباعَه وخاصَّتَه، "في الجاهليَّةِ، قالت: فرَقَأَ كَلْمَه"، أي: جفَّ جَرْحُه وتوقَّفَ الدَّمُ، "وبعَثَ اللهُ عزَّ وجلَّ الرِّيحَ على المشركينَ"، والرِّيحُ مِن جنودِ اللهِ، وقد أزالَتْ خِيامَهم وأطْفأَتْ نِيرانَهم، "فكفى اللهُ عزَّ وجلَّ المؤمنينَ القِتالَ، وكان اللهُ قويًّا عزيزًا، فلَحِقَ أبو سُفيانَ ومَن معه بتِهامَةَ"، وهي مَجموعةٌ مِن الجبالِ المُتفرِّقةِ، وتقَعُ الآنَ في الجزءِ الغربيِّ بينَ السُّعوديَّةِ واليمَنِ، وقيل: إنَّ تِهامةَ هي مكَّةُ وما حَولها مِن البُلدانِ، "ولَحِقَ عُيينةُ بنُ بَدْرٍ ومَن معه بنَجْدٍ"، وهي مِن أرضِ العربِ ما بينَ الحِجازِ والعراقِ، "ورَجَعَت بنو قُريظةَ، فتَحصَّنوا في صَياصِيهم"، أي: حُصونِهم، جمعُ صِيصَةٍ، وكلُّ شيءٍ امْتُنِعَ به وتُحصِّنَ به فهو صِيصَةٌ، "ورجَعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المدينةِ، فوضَعَ السَّلاحَ، وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن أدَمٍ"، أي: بخَيمةٍ مِن الجِلْدِ، "فضُرِبَت"، أي: أُقِيمَت، "على سَعدٍ في المسجدِ، قالت: فجاءهُ جِبريلُ عليه السَّلامُ، وإنَّ على ثناياهُ لَنَقْعَ الغُبارِ"، والمعنى: أنَّ أثَرَ غُبارِ الحربِ باقٍ عليه، "فقال: أقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ؟ واللهِ ما وضَعَتِ الملائكةُ بعدُ السِّلاحَ، اخْرُجْ إلى بني قُريظةَ، فقاتِلْهم، قالت: فلَبِسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَأْمَتَه"، أي: آلةَ الحربِ مِن السِّلاحِ، "وأذَّنَ"، أي: نادى "في النَّاسِ بالرَّحيلِ"، أي: بالخروجِ للحربِ، "أنْ يَخرُجوا، فخرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فمرَّ على بني غَنْمٍ، وهم جيرانُ المسجدِ حولَه، فقال: «مَن مرَّ بكم؟» فقالوا: مرَّ بنا دِحيةُ الكلبيُّ، وكان جِبريلُ عليه السَّلامُ يَتشكَّلُ في هيئةِ الإنسانِ على شكْلٍ أقربَ ما يكونُ مِن شكْلِ دِحيةَ الكلبيِّ؛ قيل: إنَّما كان يأتي في صُورةِ دِحيةَ؛ لأنَّ دِحيةَ كان يَدخُلُ على الملوكِ، "فقالت: فأَتاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فحاصَرَهم خمسًا وعشرينَ ليلةً، فلمَّا اشتدَّ حصْرُهم واشتدَّ البلاءُ"، أي: الضَّررُ، "قِيل لهم: انْزِلوا على حُكمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاسْتَشاروا أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المُنذِرِ"، وإنَّما اسْتَشاروا أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ؛ لأنَّهم كانوا حُلفاءَه، "فأشار إليهم أنَّه الذَّبحُ"، ومعناه: أنَّه يُرِيهم أنَّه يُرادُ بهم القتلُ، "قالوا: نَنزِلُ على حُكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انْزِلوا على حُكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فنَزَلوا، وبعَثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأُتِيَ به على حمارٍ عليه إكافٌ مِن لِيفٍ"، والإكافُ: هو ما يُشَدُّ على ظهرِ الحِمارِ؛ كالرَّحلِ للبعيرِ، والسَّرجِ للفرسِ، "قد حُمِلَ عليه، وحفَّ به قومُه"، أي: أحاطوا به، "فقالوا: يا أبا عمرٍو، حُلفاؤك ومَواليك وأهلُ النِّكايةِ، ومَن قد علِمْتَ"، أي: يُذكِّرونه بما كان بيْنه وبيْن يهودَ قُريظةَ مِن وُدٍّ وتحالفٍ ومُوالاةٍ، "قالت: لا يُرجِعُ إليهم شيئًا"، أي: لا يَرُدُّ عليهم، "ولا يَلتفِتُ إليهم، حتَّى إذا دَنا مِن دُورِهم، الْتفَتَ إلى قومِه، فقال: قد أنَّى لي"، أي: ظهَرَ لي مِن الرَّأيِ، "ألَّا أُبالِيَ في اللهِ لومةَ لائمٍ.

قال: قال أبو سعيدٍ: فلمَّا طلَعَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: قُوموا إلى سيِّدِكم"؛ وذلك تَعظيمًا لسَعدٍ رَضِي اللهُ عَنه، أو للتَّسرِيَةِ عنه بسبَبِ إصابتِه، فهذا الأمرُ موجَّهٌ إلى جماعةٍ مِن الأنصارِ لا كلِّهم؛ وهم الأوسُ منهم؛ لأنَّ سعدَ بنَ مُعاذٍ كان سيِّدَهم دونَ الخزرجِ، "فأنْزَلوه" فعلى هذا يكونُ القيامُ لأجْلِ المساعدةِ؛ لِيُعينوه على النُّزولِ مِن الحِمارِ ويَرفُقوا به؛ حتَّى لا يُصِيبَه ألَمٌ، فلا يَضطرَّ إلى حَركةٍ يَنفجِرُ منه العِرْقُ، "فقال عمرُ: سيِّدُنا اللهُ عزَّ وجلَّ"، أي: ردَّ عمرُ السِّيادةَ المطلقةَ إلى اللهِ، "قال: أنْزِلوه، فأنْزَلوه.

قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: احكُمْ فيهم، قال سعدٌ: فإنِّي أحْكُمُ فيهم: أنْ تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم"، أي: مَن قاتَلَ أو مَن له القُدرةُ على حمْلِ السِّلاحِ والقتالِ، "وتُسْبَى ذَرارِيهم"، أي: تُؤسَرَ ذُرِّيَّاتُهم وصِغارُهم، "وتُقْسَمُ أموالُهم.

وقال يَزِيدُ ببغدادَ" معناه: أنَّ يَزِيدَ شيخَ الإمامِ أحمدَ حدَّثه مرَّةً أُخرى ببغدادَ بلفظِ "ويُقْسَمَ"، أي: تُؤخَذَ أموالُهم وتُوزَّعَ على المسلمين والمُحاربينَ، "فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد حكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحُكْمِ رسولِه"، أي: وافَقَ حُكْمُك حُكْمَ اللهِ ورسولِه، "قالت: ثمَّ دعا سعدٌ، قال: اللَّهُمَّ إنْ كنتَ أبقَيْتَ على نبيِّك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن حرْبِ قُريشٍ شيئًا، فأبْقِني لها، وإنْ كنتَ قطعْتَ الحربَ بيْنَه وبيْنهم، فاقْبِضْني إليك، قالت: فانفجَرَ كُلْمُه" فُتِحَ جرْحُه وسال منه الدَّمُ، "وكان قد بَرِئَ"، أي: قد شُفِيَ، "حتَّى ما يُرَى منه إلَّا مِثْلُ الخُرْصِ"، أي: الحَلقةِ الصَّغيرةِ مِن الحُليِّ، وهو حُليُّ الأُذنِ، والمعنى: أنَّه لم يبْقَ مِن جرحِ سعدٍ إلَّا مِثْلُ حَلقةِ الخُرْصِ في قِلَّةِ ما بَقِيَ منه، "ورجَعَ إلى قُبَّتِه"، أي: خَيمتِه، "التي ضرَبَ عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالت عائشةُ: فحَضَره رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبو بكرٍ وعمرُ، قالت: فوالذي نفْسِ محمَّدٍ بيَدِه"، أي: تُقسِمُ عائشةُ باللهِ عزَّ وجلَّ، أي: والَّذي حَياةُ وأمْرُ محمَّدٍ بيَدِه؛ وذلك لأنَّ اللهَ هو الَّذي يَملِكُ الأنفُسَ والأرواحَ، "إنِّي لَأعرِفُ بُكاءَ عمرَ مِن بُكاءِ أبي بكرٍ، وأنا في حُجْرَتي، وكانوا كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] "، أي: يَرحَمُ بعضُهم بعضًا ويرِقُّ بعضُهم لبعضٍ، "قال عَلقمةُ: قلْتُ: أيْ أُمَّهْ"، أي: يا أُمَّ المؤمنين، "فكيف كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَصنَعُ؟" أي: كيف يَفعلُ في موقفِ الموتِ، "قالت: كانت عينُه لا تَدمعُ على أحدٍ، ولكنَّه كان إذا وَجِدَ"، أي: إذا حَزِنَ، "فإنَّما هو آخذٌ بلِحْيَتِه"، أي: يُمسِكُ بشَعرِ ذَقْنِه مُظهِرًا الحزْنَ.

بل دمعتْ عيناه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مواضِعَ عَديدةٍ، كبُكائِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لموتِ ابنِه إبراهيمَ، كما في حديثِ أنسٍ رضِيَ اللهُ عنه، وفيه: «...

ثم دَخَلْنا عليه بعدَ ذلك وإبراهيمُ يَجودُ بنَفْسِه، فجعلَتْ عينَا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَذرفانِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ رضِيَ اللهُ عنه: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟! فقال: «يا ابنَ عَوفٍ، إنَّها رحمةٌ»، ثم أتْبَعَها بأُخرى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقلبَ يَحزَنُ، ولا نقولُ إلَّا ما يُرضي رَبَّنا، وإنَّا بفِراقِك -يا إبراهيمُ- لمحزونون» رواه الشيخان.

وبكَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لموتِ ابنِ ابنتِه، كما في حديثِ أنسِ بنِ مالِكٍ رضِيَ اللهُ عنه، قال: «شَهِدْنا بِنتًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ على القَبرِ، قال: فرأيتُ عَينيهِ تَدْمعانِ...» رواه البُخاريُّ.

وفي الحديثِ: بيانُ مَنقبةِ بعضِ الأنصارِ في نُصرةِ الإسلامِ وأهلهِ، مِثْلُ سعدِ بنِ مُعاذٍ.

وفيه: إكبارُ عَظيمِ القَومِ وأهلِ الخَيرِ وتَلقِّيهِ، والقيامُ له إذا أَقْبَلَ.

وفيه: قِتالُ الملائكةِ بسِلاحٍ، وأنَّهم يَصْحَبون المجاهِدينَ في سبيلِ اللهِ ويَكونون في عَونِهم .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (42/ 26) 25097 - حدثنا يزيد، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص، قال: أخبرتني عائشة ، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس.

قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي، - يعني حس الأرض، - قالت: فالتفت، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس، يحمل مجنه.

قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد.

قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم.

قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:

[البحر الرجز]

لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ...

ما أحسن الموت إذا حان الأجل

قالت: فقمت، فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تسبغة له، - يعني مغفرا، - فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء، أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ، فدخلت فيها.

قالت: فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر، ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله عز وجل؟ قالت: ويرمي سعدا رجل من المشركين من قريش، يقال له ابن العرقة، بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله عز وجل سعد، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة.

قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية.

قالت: فرقأ كلمه، وبعث الله عز وجل الريح على المشركين، فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فوضع السلاح، وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد.

قالت: فجاءه جبريل عليه السلام، وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة، فقاتلهم.

قالت: فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد حوله، فقال: من مر بكم؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنة وجهه جبريل عليه السلام.

فقالت: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح.

قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكم سعد بن معاذ فنزلوا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حمل عليه، وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت.

قالت: لا يرجع إليهم شيئا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم، التفت إلى قومه، فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم.

قال: قال أبو سعيد فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فقال عمر: سيدنا الله عز وجل.

قال: أنزلوه، فأنزلوه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم قال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم - وقال يزيد ببغداد: ويقسم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل وحكم رسوله قالت: ثم دعا سعد، قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك.

قالت: فانفجر كلمه، وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر.

قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل: {رحماء بينهم} [الفتح: 29] .

قال علقمة: قلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته

صحيح ابن حبان (15/ 498) 7028 - أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن عائشة ، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو أثر الناس، فسمعت وئيد الأرض من ورائي، فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه، فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، وكان من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:

لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ...

ما أحسن الموت إذا حان الأجل

قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: ويحك ما جاء بك لعمري والله إنك لجريئة، ما يؤمنك أن يكون تحوز أو بلاء، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض قد انشقت فدخلت فيها، وفيهم رجل عليه نصيفة له، فرفع الرجل النصيف عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: ويحك يا عمر، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين الفرار إلا إلى الله؟، قالت: ورمى سعدا رجل من المشركين يقال له: ابن العرقة، بسهم قال: خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعها، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، فبرأ كلمه، وبعث الله الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان بتهامة، ولحق عيينة ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة، فتحصنوا بصياصيهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد ووضع السلاح.

قالت: فأتاه جبريل، فقال: أوقد وضعت السلاح، فوالله ما وضعت الملائكة السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل، ولبس لأمته، فخرج فمر على بني غنم وكانوا جيران المسجد، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين يوما، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء عليهم قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة، فأشار إليهم أنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا على حكم سعد، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فحمل على حمار وعليه إكاف من ليف وحف به قومه، فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، فلا يرجع إليهم قولا، حتى إذا دنا من ذراريهم التفت إلى قومه، فقال: قد آن لسعد أن لا يبالي في الله لومة لائم، فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، قال عمر: سيدنا الله، قال: أنزلوه، فأنزلوه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله ثم دعا الله سعد، فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، وإن كنت قطعت بينه وبينهم، فاقبضني إليك، فانفجر كلمه، وكان قد برأ منه حتى ما بقي منه إلا مثل الحمص، قالت: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع سعد إلى بيته الذي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي، وكانوا كما، قال الله: {رحماء بينهم} [الفتح: 29]، قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كان عيناه لا تدمع على أحد، ولكنه إذا وجد إنما هو آخذ بلحيته

مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة ط القبلة (20/ 368) 37951- حدثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة ، قالت : خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، فسمعت وئيد الأرض ورائي ، فالتفت ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس ، يحمل مجنه ، فجلست إلى الأرض ، قالت : فمر سعد وعليه درع ، قد خرجت منها أطرافه ، فأنا أتخوف على أطراف سعد ، قالت : وكان من أعظم الناس وأطولهم ، قالت : فمر يرتجز ، وهو يقول :

لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ...

ما أحسن الموت إذا حان الأجل.

قالت : فقمت ، فاقتحمت حديقة ، فإذا فيها نفر من المسلمين ، فيهم عمر بن الخطاب ، وفيهم رجل عليه تسبغة له ، تعني المغفر ، قال : فقال عمر : ويحك ، ما جاء بك ؟ ويحك ، ما جاء بك ؟ والله إنك لجريئة ، ما يؤمنك أن يكون تحوز وبلاء ؟ قالت : فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت فدخلت فيها ، قالت : فرفع الرجل التسبغة عن وجهه ، فإذا طلحة بن عبيد الله ، قال : فقال : يا عمر ، ويحك ، قد أكثرت منذ اليوم ، وأين التحوز ، أو الفرار إلا إلى الله.

أحاديث ذات صلة