أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ كلَّما صلَّى صلاةً جلسَ للنَّاسِ فمن كانت لهُ حاجةٌ كلَّمهُ وإلَّا قامَ فحضرتُ البابَ يومًا فقلتُ يا يَرفَأُ فخرجَ وإذا عثمانُ بالبابِ فخرجَ يرفَأُ فقالَ قم يا ابنَ عفَّانَ قم يا ابنَ عبَّاسٍ فدخَلْنا على عمرَ وعندَهُ صُبَرٌ من مالٍ فقالَ إنِّي نظرتُ في أهلِ المدينةِ فرأيتُكما من أكثرِ أهلِها عشيرةً فخُذا هذا المالَ فاقسِماهُ فإن كانَ فيهِ فضلٌ فرُدَّا قلتُ وإن كانَ [نقصانٌ] زدتَنا فقالَ نَشْنَشَةٌ مِنْ أَخشَنَ قد علمتَ أنَّ محمَّدًا وأهلَهُ كانوا يأكلونَ القَدَّ قلتُ بلى واللَّهِ لو فتحَ اللَّهُ هذا على محمَّدٍ لصنعَ فيهِ غيرَ ما صنعتَ فغضبَ وانتشجَ حتَّى اختَلفتْ أضلاعُهُ وقالَ إذًا صنعَ فيهِ ماذا فقلتُ إذًا أكلَ وأطعَمنا فسُرِّيَ عنهُ

الدلالات الموضوعية:# صلاة الجماعة والإمامة - انصراف الإمام بعد الصلاة وانفتاله من مصلاه# صدقة - فضل الصدقة والحث عليها# صلاة - الانصراف من الصلاة# صلاة الجماعة والإمامة - جلسة الإمام بعد التسليم والانصراف# إمامة وخلافة - قسمة الأموال وتدوين العطاء
المصدر: مختصر زوائد البزار
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البزار (209) واللفظ له، والحميدي (30)، والمخلص في ((المخلصيات)) (361) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

كان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ خَيرَ مِثالٍ للخليفةِ العادلِ المُتعفِّفِ عن أمْوالِ رَعِيَّتِه، وقد فتَحَ اللهُ على يَدَيْه مَمالِكَ وأُممًا كثيرةً، وجاءتْه الأموالُ مِن كُلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ، فاستعمَلَ كُلَّ ذلك في طاعةِ اللهِ، وعمِلَ فيها بأمْرِ اللهِ ورسولِهِ.

وفي هذا الحديثِ يَحكي عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ كان كُلَّما صلَّى صلاةً"، أي: صلاةَ فرْضٍ في جماعةٍ في المسجدِ، "جلَسَ للناسِ، فمَنْ كانتْ له حاجةٌ كلَّمَه، وإلَّا قام" وهذا مِن سَمْتِ الإمامِ العادلِ الذي يُراَعِي مَصالِحَ الناسِ ويَفْصِلُ بينهم، "فحضَرْتُ البابَ يومًا، فقُلتُ: يا يَرْفَأُ"، أي: نادَى على خادمِ عُمَرَ، واسْمُهُ يَرْفَأُ، "فخرَجَ" وفي رِوايةِ الحُمَيْدِيِّ: "قال: فصَلَّى صلواتٍ لا يَجلِسُ للناسِ فيهنَّ، قال ابنُ عباسٍ: فحضَرْتُ البابَ، فقُلتُ: يا يَرْفَأُ؛ أَبِأَمِيرِ المؤمنين شَكاةٌ؟ فقال: ما بِأَميرِ المؤمنينَ مِن شَكوى" يَطلُبُ أنْ يَستأذِنَ له لِيَدخُلَ على عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، "وإذا عُثمانُ بالبابِ، فخرَجَ يَرْفَأُ، فقال: قُمْ يا ابنَ عَفَّانَ، قُمْ يا ابنَ عبَّاسٍ"، أي: يَأْذَنُ لهما في الدُّخولِ على عُمَرَ، "فدخَلْنَا على عُمَرَ وعندَهُ صُبَرٌ مِن مالٍ"، أي: أكوامٌ وصُرَرٌ مِن الأموالِ، وهي ممَّا فتَحَ اللهُ على الأُمَّةِ مِنَ الفُتوحاتِ في عَهدِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، "فقال: إنِّي نظَرْتُ في أهلِ المدينةِ، فرأَيتُكما مِن أكثرِ أهلِها عَشيرةً" والعشيرةُ: الأهلُ والأقاربُ؛ "فخُذَا هذا المالَ فاقْسِمَاه" بيْن عَشيرتَيْكما، "فإنْ كان فيه فضْلٌ فَرُدَّا"، أي: وإنْ وُجِدَتْ زِيادةٌ في المالِ بعْدَ قِسْمَتِه، فأعِيدَا ما بقِيَ منه، قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: "قُلتُ: وإنْ كان نُقْصانٌ زِدْتَنا؟" والمعنى: وإنْ نقُصَ المالُ وضاقَ، فلمْ يَكْفِ الناسَ؛ فهل تَزِيدُ المالَ حتى يَكْفِيَهم؟ "فقال عُمَرُ: نِشْنِشَةٌ مِنْ أخْشَنَ" وقدْ رُوِيَ بلفْظِ: "شِنْشِنَةٌ مِن أخْزَمَ"، يَعْني: حَجَرٌ مِن جَبَلٍ، ومعناه: أنَّه شَبَّهَه بأبِيه العبَّاسِ، في شَهامَتِه، ورَأْيِه، وجُرأتِه على القَولِ، وقيلَ: أراد أنَّ كلِمَتَه مِنه كحَجَرٍ مِن جَبَلٍ، أي: أنَّ مِثْلَها يَجِيءُ مِن مِثْلِه، يُريد: إنَّك رمَيتَنِي بأمْرٍ عظيمٍ.

ثم قال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "قد علِمْتَ أنَّ محمدًا وأهلَهُ كانوا يأْكُلون القِدَّ" وهو الخُبْزُ الجافُّ، "قلتُ: بلَى واللهِ، لو فتَحَ اللهُ هذا على محمَّدٍ لَصنَعَ فيه غيرَ ما صنَعْتَ"، أي: لَقسَمَ المالَ بغيرِ هذه الطريقةِ، "فغضِب وانْتشَجَ"، أي: بكَى بصَوتٍ مُرتفعٍ، "حتى اختلَفَتْ أضلاعُه"، والمعنى: حتى اهتَزَّ صَدْرُه مِن شِدَّةِ البُكاءِ، "وقال: إذنْ صنَعَ فيه ماذا؟" وهذا سؤالٌ مِن عُمَرَ لابنِ عبَّاسٍ عن تصَوُّرِه ماذا كان سيَفعلُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لو جاءه هذا المالُ، وكأنَّ عُمَرَ خاف على نفْسِه أنْ يكونَ قد أخطَأَ، وكان ابنُ عباسٍ رضِيَ اللهُ عنهما مِن عُلماءِ الصحابةِ ومِن أكثرِهم مَعرفةً بسُنَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "فقلْتُ: إذًا أكَلَ وأطْعَمَنا"، أي: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيأْخُذُ مِن هذا المالِ قدْرَ حاجتِهِ، ويُعطي الناس بقيَّتَهُ ويُقَسِّمُها فيهم، وهذه نَصيحةُ تَخْفيفٍ مِن ابنِ عبَّاسٍ لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ الذي تعفَّفَ عن مالِ المسلمينَ، وكان لا يأخُذُ منه شيئًا لنفْسِه، "فسُرِّي عنه"، والمعنى أنَّ عُمَرَ لمَّا سمِعَ وفهِمَ قَصدَ ابنِ عباسٍ ذهَبَ ما به مِن الخوفِ والقلَقِ؛ لأنَّه وجَدَه ناصحًا يُرِيدُ له الخيرَ.

وفي الحديثِ: نُصْحُ الصَّحابةِ بعضِهم لبعضٍ في الخيرِ والطاعاتِ .

الأصول والأحكام

[مسند البزار = البحر الزخار] (1/ 326) :

209 - حدثنا إبراهيم بن سعيد، وأحمد بن أبان قالا: نا سفيان بن عيينة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس ، أن عمر بن الخطاب كان كلما صلى صلاة جلس للناس فمن كانت له حاجة كلمه وإلا قام، فحضرت الباب يوما فقلت: يا يرفأ، فخرج وإذا عثمان بالباب فخرج يرفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس، فدخلنا على عمر وعنده صبر من مال، فقال: إني نظرت في أهل المدينة فرأيتكما من أكثر أهلها عشيرة فخذا هذا المال فاقسماه فإن كان فيه فضل فردا، قلت: وإن كان نقصانا زدتنا؟ فقال: نشنشة من أخشن، قد علمت أن محمدا وأهله كانوا يأكلون القد، قلت: بلى والله لو فتح الله هذا على محمد لصنع فيه غير ما صنعت، فغضب وانتشج حتى اختلفت أضلاعه، وقال: إذن، صنع فيه ماذا؟ فقلت: إذا أكل وأطعمنا، فسري عنه " قال أبو بكر: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ غير عمر، ولا نعلم له طريقا عن عمر إلا هذا الطريق

[مسند الحميدي] (1/ 164) :

‌30 - حدثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عاصم بن كليب قال: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول كان عمر بن الخطاب إذا صلى صلاة جلس للناس فمن كانت له حاجة كلمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام فدخل قال: " فصلى صلوات لا يجلس للناس فيهن، قال ابن عباس: فحضرت الباب فقلت: يا يرفأ أبأمير المؤمنين شكاة؟ فقال: ما بأمير المؤمنين من شكوى فجلست، فجاء عثمان بن عفان فجلس فخرج يرفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس فدخلنا على عمر " فإذا بين يديه صبر من مال على كل صبرة منها كنف فقال عمر: " إني نظرت في أهل المدينة وجدتكما من أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقتسماه، فما كان من فضل فردا، فأما عثمان فحثا وأما أنا فجثوت لركبتي، وقلت: وإن كان نقصان رددت علينا، فقال عمر نشنشة من أخشن - يعني حجرا من جبل - أما كان هذا عند الله إذ محمد وأصحابه يأكلون القد فقلت: بلى والله لقد كان هذا عند الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حي، ولو عليه فتح لصنع فيه غير الذي تصنع، قال: فغضب عمر وقال: أو صنع ماذا؟ قلت: إذا لأكل وأطعمنا، قال: فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال وددت أني خرجت منها كفافا لا لي ولا علي

[المخلصيات] (1/ 254) :

‌361- حدثنا يحيى: حدثنا محمد بن ميمون: حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان عمر إذا صلى صلاة جلس الناس فمن كانت له حاجة قضاها، فصلى صلاة فلم يجلس، ثم صلى فلم يجلس، ثم صلى صلاة فلم يجلس، فأتيت الدار فقلت: يا يرفأ، أبأمير المؤمنين شكوى؟ إذا جاء عثمان فجلس، فخرج يرفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس، فدخلنا عليه وهو جالس وبين يديه صبر من المال، على كل صبرة كتف ، فقال: إني نظرت في أهل المدينة فرأيتكما من أكثرهم عشيرة، فخذا هذا فاقسماه، فما كان من فضل فرداه.

قال: فأما عثمان فحثا، وأما أنا فجثوت فقلت: وإن كان نقصانا رددت؟ فقال: (ان؟) نشنشة من أخشن ، أما كان هذا عند الله ومحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون القد؟ قلت: قد كان هذا عند الله ومحمد وأصحابه يأكلون القد، ولو فتح ذلك عليه لصنع فيها غير الذي تصنع، قال: وما كان يصنع فيها؟ قال: إذا كان يأكل ويطعمنا.

قال: فتنفس حتى اختلفت أضلاعه حتى قلت إن صدره قد انفرج، قال: فقد وددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي .

أحاديث ذات صلة