كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنَّاحِيَةِ منها مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، قالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذلكَ وتَسْلَمُ الأرْضُ، ومِمَّا يُصَابُ الأرْضُ ويَسْلَمُ ذلكَ، فَنُهِينَا، وأَمَّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَومَئذٍ.
أخرجه البخاري (2327)، والبيهقي (11833)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (5602) واللفظ لهم جميعا.
جاء الإسلامُ لِيُنظِّمَ العَلاقاتِ والمُعامَلاتِ بيْن النَّاسِ، وجَعَلَ هذه العَلاقاتِ قائمةً على مَبدأِ التَّعاونِ والأُلْفةِ، والمَحبَّةِ والمَودَّةِ، والبُعْدِ عن النِّزاعِ والشِّقاقِ، والضَّررِ والظُّلْمِ، والخِداعِ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ رافعُ بنُ خَدِيجٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم كانوا أكثرَ أهلِ المدينةِ زَرعًا -والمُزدَرَعُ: هو مَكانُ الزَّرعِ- وكانوا يُؤجِّرونَ الأرضَ لِمَن يَعمَلُ بها ويَقومُ على مَصالحِها، في مُقابلٍ مُسمًّى لسَيِّدِ الأرضِ، ومُسمًّى للعاملِ، على أنْ تكونَ ثِمارُ جِهةٍ مُحدَّدةٍ مِن الأرضِ لسيِّدِها ومالكِها، وثِمارُ الجهةِ الأُخرى للعاملِ، إلَّا أنَّه ربَّما تُصابُ الجهةُ الَّتي للعاملِ بآفةٍ فتَتلَفُ ثَمرتُها، أو ربَّما تُصابُ الجهةُ الَّتي للمالكِ بآفةٍ فتَتلَفُ ثَمرتُها، فنَهاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ذلك؛ لِمَا فيه مِن الغَرَرِ والضَّررِ على أحدِ الطَّرَفينِ؛ حيث يُؤدِّي ذلك إلى خَسارةِ أحدِهما ورِبحِ الآخَرِ، وهذا أكلٌ للمالِ بالباطلِ.
وقولُه: «وأَمَّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلَمْ يَكُنْ يَومَئذٍ»، أي: يُكْرى بهما، ولم يُرِدْ نفْيَ وُجودِهما.
والوَرِقُ -بكسْرِ الرَّاءِ-: هو الفِضَّةُ.
وهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ الَّذي نَهى عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان أمْرًا بيِّنَ الفسادِ، وهي المُزارَعةُ الظالمةُ الجائرةُ، فلذلك زَجَرَ عنها، وأمَّا بشَيءٍ مَعلومٍ مَضمونٍ بالمالِ فلا شَيءَ فيه.
ولا يُخالِفُ ذلك ما صالَحَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَهودَ خَيْبرَ على أنْ يَزْرَعوا الأرضَ ولهم النِّصْفُ، وللنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النِّصْفُ، وظَلَّ العملُ به إلى مَوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبه عَمِلَ الخُلفاءُ الرَّاشدون مِنْ بَعْدِه؛ فالمُزارَعةُ على جُزءٍ مِن الثَّمَرِ غيرُ المُزارَعةِ والمُؤاجَرةِ على تَخصيصِ أرضٍ بما تُنبِتُه.
[صحيح البخاري] (3/ 104) :
2327 - حدثنا محمد: أخبرنا عبد الله: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن حنظلة بن قيس الأنصاري : سمع رافع بن خديج قال: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض، قال: فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا، وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ.
السنن الكبير للبيهقي (12/ 166 ت التركي) :
11833 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السعدى، أخبرنا يزيد بن هارون، حدثنا يحيى بن سعيد أن حنظلة بن قيس الأنصارى أخبره أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا، وكنا نكرى الأرض بالناحية منها تسمى لسيد الأرض، فربما يصاب ذلك وتصاب الأرض، وربما يسلم ذلك وتسلم الأرض.
قال: فنهينا عن ذلك، فأما الذهب والورق فلم يكن في ذلك الزمان.
رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن المثنى عن يزيد بن هارون
مستخرج أبي عوانة (12/ 272) :
5602 - حدثنا عمار بن رجاء، وأبو داود الحراني، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أن حنظلة بن قيس الأنصاري أخبره، أنه سمع رافع بن خديج يقول: كنا أكثر أهل المدينة مزارعا، فكنا نكري الأرض بالناحية منها سهما (لسيد) الأرض، فربما يصاب
ذلك ويسلم الأرض، وربما يصاب الأرض ويسلم ذلك، قال: فنهينا عن ذلك، فأما الذهب والورق فلم يكن في ذلك الزمان