وَجِعَ أَبُو مُوسَى وجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عليه ورَأْسُهُ في حَجْرِ امْرَأَةٍ مِن أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شيئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ منه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ.
أخرجه البخاري (1296)، ومسلم (104)
لقدْ ضرَبَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم أروعَ الأمثلةِ في خَشيتِهم مِن اللهِ سُبحانَه وتعالَى، واتِّباعِهم هَدْيَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، سواءٌ في حالِ صحَّتِهم أو مرَضِهم.
وفي هذا الحديثِ يَحكي أبو بُرْدةَ أنَّ أباه أبا موسى الأشعريَّ رَضيَ اللهُ عنه مَرِض مرَضًا شديدًا، فأُغمِيَ عليه، وكانتْ رأسُه في حَجْرِ امرأةٍ مِن أهلِه، وهي زَوجتُه أمُّ عبدِ اللهِ بنتُ أبي دَوْمةَ، وقيل: هي زوجتُه صَفيَّةُ بنتُ دمون والدةُ أبي بُردَةَ بنِ أبي مُوسَى، فصاحَتْ وندَبَتْه، فلمْ يستطِعْ أبو موسى رَضيَ اللهُ عنه أن يرُدَّ عليها شيئًا؛ بسببِ إغمائِه، فلمَّا أفاق قال: إنَّه بريءٌ ممَّن بَرِئ منه رسولُ الله محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بريءٌ مِن الصَّالقةِ، وهي الرَّافعةُ صَوْتَها في المصيبةِ، والحالقةِ: الَّتي تحلِقُ شعرَها، والشَّاقَّةِ: الَّتي تشُقُّ ثَوْبَها.
وهذه كلُّها مِن أمورِ الجاهليَّةِ، وقد نسَخَها اللهُ سُبحانَه بشريعةِ الإسلامِ، وأمَر بالاقتصادِ في الحزنِ والفرَحِ، وترْكِ الغُلوِّ في ذلك، وحَضَّ على الصَّبرِ عندَ المصائبِ، واحتِسابِ أجْرِها على الله، وتفويضِ الأمورِ كلِّها إليه؛ فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] ، فحقٌّ على كلِّ مسلمٍ مؤمنٍ عَلِمَ سرعةَ الفناءِ ووشْكَ الرَّحيلِ إلى دارِ البقاءِ ألَّا يَحزَنَ على فائتٍ مِن الدُّنيا، وأن يَستشعِرَ الصَّبرَ والرِّضا؛ لِينالَ الدَّرَجاتِ الرَّفيعةَ مِن ربِّه عزَّ وجلَّ.
والبراءةُ في الحديثِ بمعنى أنه بريءٌ مِن فِعلِهنَّ، أو ممَّا يَستوجِبْنَ مِن العقوبةِ، أو مِن عُهدةِ ما لَزِمني مِن البيانِ، وأصلُ البَراءةِ: الانفصالُ، وليس المرادُ التَّبَرِّيَ مِن الدِّينِ والخروجَ منه.
وفي الحديث: النَّهيُ عن الشَّقِّ والحَلْقِ والصَّلْقِ عندَ وُقوعِ المصائبِ.
[صحيح البخاري] (2/ 81) ((1296- وقال الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن جابر أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال حدثني أبو بردة بن أبي موسى رضي الله عنه قال وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا بريء ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة)).
[صحيح مسلم] (1/ 100 ) ((167- (104) حدثنا الحكم بن موسى القنطري.
حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر؛ أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى.
قال
وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه.
ورأسه في حجر امرأة من أهله.
فصاحت امرأة من أهله.
فلم يستطع أن يرد عليها شيئا.
فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة)).
(104)- حدثنا عبد بن حميد وإسحاق بن منصور، قالا: أخبرنا جعفر بن عون.
أخبرنا أبو عميس.
قال: سمعت أبا صخرة يذكر عن عبد الرحمن بن يزيد وأبى بردة بن أبي موسى، قالا
أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة.
قالا: ثم أفاق.
قال: ألم تعلمي (وكان يحدثها) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق)).
(104) حدثنا عبد الله بن مطيع.
حدثنا هشيم عن حصين، عن عياض الأشعري، عن امرأة أبي موسى، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ح وحدثنيه حجاج بن الشاعر.
حدثنا عبد الصمد قال: حدثني أبي.
حدثنا داود (يعني ابن أبي هند) حدثنا عاصم، عن صفوان بن محرز، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ح وحدثني الحسن بن علي الحلواني.
حدثنا عبد الصمد.
أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بهذا الحديث.
غير أن في حديث عياض الأشعري قال ((ليس منا)) ولم يقل ((بريء)).