- أَهَلَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو وأَصْحَابُهُ بالحَجِّ، وليسَ مع أَحَدٍ منهمْ هَدْيٌ غيرَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وطَلْحَةَ، وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ومعهُ هَدْيٌ، فَقالَ: أَهْلَلْتُ بما أَهَلَّ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأمَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، ويَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا ويَحِلُّوا إلَّا مَن كانَ معهُ الهَدْيُ ، فَقالوا: نَنْطَلِقُ إلى مِنًى وذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما أَهْدَيْتُ، ولَوْلَا أنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ، وحَاضَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غيرَ أنَّهَا لَمْ تَطُفْ بالبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بالبَيْتِ، قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، تَنْطَلِقُونَ بحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ وأَنْطَلِقُ بحَجٍّ؟ فأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ معهَا إلى التَّنْعِيمِ ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ.
أخرجه مسلم (1213) بنحوه، وأبو داود (1789) باختلاف يسير مختصرا، والنسائي (2805) بنحوه مختصرا.
أنساكُ الحَجِّ ثلاثةٌ: التَّمتُّعُ؛ وهو أنْ يُحرِمَ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ -وهي شَوَّالٌ وذو القَعدةِ وعَشرُ ذِي الحِجَّةِ- ثم يَحِلَّ منها، ثم يُحرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه.
والقِرانُ؛ وهو أنْ يُحرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ والعُمرةِ معًا.
والإفرادُ؛ وهو أنْ يُحرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فقطْ.
وفي هذا الحَديثِ يَروي جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحرَمَ هو وأصحابُه بالحَجِّ في حَجَّةِ الوَداعِ، وكانتْ في العامِ العاشِرِ مِنَ الهِجرةِ، ولم يكُنْ مع أحدٍ منهم هَديٌ، غيرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنه، والهَديُ اسمٌ لِمَا يُهدَى ويُذبَحُ في الحَرَمِ مِنَ الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ والمَعزِ.
وقَدِمَ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ مِنَ اليَمَنِ ومعه هَديٌ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أرسَلَه إلى اليَمَنِ قَبلَ حَجَّةِ الوَداعِ قاضيًا وقابضًا لِلصَّدَقاتِ، فرَجَعَ، وكان قد أهَلَّ في الطَّريقِ ونَوَى الدُّخولَ في النُّسُكِ؛ فسَألَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمَ أحرَمَ، فأجابَه بأنَّه أحرَمَ بما أحرَمَ به النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِمَّن ساقَ الهَدْيَ فقَرَنَ في إحرامِه بَينَ العُمرةِ والحَجِّ، وقد أمَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه مِمَّن لم يَسُقِ الهَدْيَ أنْ يَحِلَّوا مِن إحرامِهم بَعدَ عُمرَتِهم حتى يَأتيَ يَومُ التَّروِيةِ (اليَومُ الثَّامِنُ مِن ذي الحِجَّةِ) فيُحرِموا إحرامًا جَديدًا للحَجِّ.
فأنكَرَ ذلك البَعضُ؛ مِن أنَّهم كيف يَحِلُّونَ مِن عُمرَتِهم ويَأتونَ نِساءَهم ثم يُحرِمونَ يَومَ التَّروِيةِ، فبَلَغَ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: «لوِ استَقبَلتُ مِن أمري ما استَدبَرتُ» أيْ: لو كُنتُ الآنَ مُستقبِلًا مِنَ الأمرِ ما سبَقَ مِنِّي في زَمَنٍ مَضى، والمعنى: لو تَبيَّنَ لي هذا الرَّأيُ، وهو الإحرامُ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ مِن أوَّلِ الأمرِ «ما أهدَيتُ» وما سُقتُ الهَدْيَ، «ولَولا أنَّ معي الهَدْيَ لَأحلَلتُ»؛ وذلك لأنَّ وُجودَه مانِعٌ مِن فَسخِ الحَجِّ إلى العُمرةِ، والتَّحلُّلِ منها، والأمرُ الذي استدبَرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو ما حصَلَ لأصحابِه مِن مَشقَّةِ انفِرادِهم عنه بالفَسخِ، حتى إنَّهم تَوقَّفوا وتَردَّدوا وراجَعوه.
وحاضَتْ عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها عِندَ دُخولِ مَكَّةَ، فنَسَكَتْ، وأتَتْ بأفعالِ الحَجِّ كُلِّها، غيرَ أنَّها لم تَطُفْ بالبَيتِ، كما أمَرَها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلَمَّا طَهُرَتْ طافَتْ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ، ثم عِندَ الخُروجِ مِن مَكَّةَ سَألَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتنطَلِقونَ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ، وأنطَلِقُ بحَجٍّ مُفرَدٍ بلا عُمرةٍ مُفرَدةٍ، كما وَقَعَ لباقي النَّاسِ؟! فأمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أخاها عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنهما أنْ يَخرُجَ معها إلى التَّنعيمِ؛ لِتَعتمِرَ منه، فاعتمَرَتْ بَعدَ الحَجِّ، والتَّنعيمُ مَوضِعٌ على ثَلاثةِ أميالٍ أو أربعةِ (6 كم) تَقريبًا مِن مَكَّةَ، أقرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيتِ، وهو أوَّلُ الحِلِّ وأقرَبُه لِمَن كان داخِلَ مَكَّةَ، ولا يَتعيَّنُ، وإنَّما يَجِبُ الإحرامُ مِنَ الحِلِّ مِن أيِّ جِهةٍ أو مَوضِعٍ كان.
وفي الحَديثِ: مَشروعيَّةُ العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ.
وفيه: بَيانُ التَّيسيرِ على الحائِضِ في أحكامِ الحَجِّ، وأنَّ لها تَأخيرَ الطَّوافِ حتى تَطهُرَ.
وفيه: رَحمةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالنِّساءِ، والرِّفقُ في مُعامَلتِهِنَّ.
وفيه: أنَّ مَن كان بمَكَّةَ وأرادَ الإحرامَ، فعليه أنْ يَخرُجَ إلى الحِلِّ ثم يُحرِمَ بالعُمرةِ.
وفيه: أنَّ المرأةَ تَخرُجُ في السَّفَرِ مع أحدِ مَحارِمِها.
[صحيح البخاري] (2/ 159) :
1651 - حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الوهاب قال: وقال لي خليفة: حدثنا عبد الوهاب: حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة، وقدم علي من اليمن ومعه
هدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت.
وحاضت عائشة رضي الله عنها، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت بالبيت، قالت: يا رسول الله، تنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج.
[صحيح مسلم] (2/ 881 ) :
136 - (1213) حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح.
جميعا عن الليث بن سعد.
قال قتيبة: حدثنا ليث عن أبي الزبير: عن جابر رضي الله عنه؛ أنه قال:
أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج مفرد.
وأقبلت عائشة رضي الله عنها بعمرة.
حتى إذا كنا بسرف عركت.
حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة.
فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي.
قال فقلنا: حل ماذا؟ قال "الحل كله" فواقعنا النساء.
وتطيبنا بالطيب.
ولبسنا ثيابنا.
وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال.
ثم أهللنا يوم التروية ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها.
فوجدها تبكي.
فقال "ما شأنك؟ " قالت: شاني قد حضت.
وقد حل الناس.
ولم أحلل.
ولم أطف بالبيت.
والناس يذهبون إلى الحج الآن.
فقال "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم.
فاغتسلي ثم أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف.
حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة.
ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" فقالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت.
قال:
"فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعمرها من التنعيم" وذلك ليلة الحصبة.
سنن أبي داود (2/ 156) :
1789 - حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا حبيب يعني المعلم، عن عطاء، حدثني جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم يومئذ هدي إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة وكان علي رضي الله عنه، قدم من اليمن ومعه الهدي فقال: أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي فقالوا: أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت
سنن النسائي (5/ 178) :
2805 - أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية ، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن جابر قال: أهللنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا ليس معه غيره خالصا وحده، فقدمنا مكة صبيحة رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أحلوا واجعلوها عمرة.
فبلغه عنا أنا نقول: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نحل فنروح إلى منى، ومذاكيرنا تقطر من المني؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطبنا، فقال: فقد بلغني الذي قلتم وإني لأبركم وأتقاكم، ولولا الهدي لحللت، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت.
قال: وقدم علي من اليمن، فقال: بما أهللت؟ قال: بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فأهد وامكث حراما كما أنت.
قال: وقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أو للأبد؟ قال: هي للأبد.