كُنْتُ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُما يَشْكُو العَيْلَةَ، والآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ: فإنَّه لا يَأْتي عَلَيْكَ إلَّا قَلِيلٌ، حتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إلى مَكَّةَ بغيرِ خَفِيرٍ، وأَمَّا العَيْلَةُ: فإنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ، حتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بصَدَقَتِهِ، لا يَجِدُ مَن يَقْبَلُهَا منه، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ حِجَابٌ ولَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ له، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ له: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إلَيْكَ رَسولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عن يَمِينِهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عن شِمَالِهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فإنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
أخرجه مسلم (1016)، والترمذي (2415)، والنسائي (2553) مختصرا ببعض لفظه.
كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يحُثُّ أصحابَه على المُسارَعةِ إلى الخَيراتِ وعمَلِ الصَّالحاتِ، ويُرَغِّبُهم ويُرَهِّبُهم بما عندَ الله مِن جنَّةٍ ونارٍ.
وفي هذا الحديثِ يَروي عَدِيُّ بنُ حاتمٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه كان عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فجاء إليه رجُلانِ يَشْكوانِ؛ فأمَّا الأوَّلُ فشَكَا العَيْلةَ، وهي: الفقرُ والفاقَةُ، وأمَّا الآخَرُ: فشَكَا قَطْعَ السَّبيلِ، أي: قَطْعَ الطَّريقِ باللُّصوصِ، فطَمْأنَه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنَّه لا يأتي عليك إلَّا قليلٌ مِن الزمَنِ حتَّى تخرُجَ العِيرُ -والمرادُ بها القافِلةُ- إلى مكَّةَ بغيرِ خَفيرٍ -وهو: المُجيرُ الَّذي يَكونُ القَومُ في ضَمانِه وذِمَّتِه- بسببِ انتِشارِ الأمانِ، وهو ما حدَث بانتشارِ الإسلامِ.
ثمَّ بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للآخَرِ أنَّه لا تقومُ القِيامةُ حتَّى يعُمَّ الغِنى والثَّراءُ؛ فهو مِن علاماتِها وأشراطِها، وقيل: هو زَمانُ المَهْديِّ ونُزولِ عيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحتَّى يَطوفَ الرَّجُلُ بصدَقتِه ويَدورَ بها على النَّاسِ فلا يجِدُ مَن يَقْبَلُها؛ وذلك لكثرةِ المالِ في أيدي النَّاسِ، وقيل: لأنَّ الناسَ يَصيرُون راغِبينَ في الآخرةِ، تارِكينَ الدُّنيا، ويَقنَعون بقُوتِ يَومٍ، ولا يَدَّخِرون المالَ.
ثمَّ بيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه في يومِ القِيامةِ سيَقِفُ العبدُ بيْنَ يدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ ليس بيْنَه وبيْنَه حائلٌ، ويُكَلِّمُه مباشرةً بدُونِ واسطةٍ أو تَرْجُمانٍ، ويقولُ له ربُّه سُبحانَه: ألَم أُوتِكَ مالًا؟ ألم أُرسِلْ إليك رسولًا؟ فيقولُ مانعُ الزَّكاةِ: بَلى؛ إقرارًا منه بأنَّه قد أَرسَلَ رسولًا، وأخبَر النَّاسَ بأنَّ الزَّكاةَ مِن أركانِ الإسلامِ، ومِن حُقوقِ الفُقراءِ الَّتي كلَّفَه اللهُ بها، فيَنظُرُ عن يَمينِه فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنظُرُ عن شِمالِه فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، فعندَ ذلك يتأكَّدُ المانعُ أنَّه قد حاقَ به العذابُ بسبَبِ شُحِّه وبُخلِه.
ثمَّ أمَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كلَّ واحدٍ مِن المُسلِمينَ أن يجعَلَ بيْنَه وبيْنَ النَّارِ حاجِزًا مِن الصَّدقةِ، ولو أنْ يَتصدَّقَ بنِصفِ تمرةٍ، فإنْ لم يجِدْ ما يتصدَّقُ فلْيَتصدَّقْ بِكَلمةٍ طيِّبةٍ تَطِيبُ بها النَّفْسُ، وفيها تطييبٌ لقُلوبِ الناسِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ الكَلمةَ الطَّيِّبةَ صَدَقةٌ يُتَّقى بها النَّارُ، كما أنَّ الكَلمةَ الخَبيثةَ تُستوجبُ بها النَّارُ؛ فعَلَى المسلِمِ ألَّا يَحتقِرَ مِن الصَّدقةِ شيئًا، ولو كان قليلًا؛ فإنَّه ينفَعُ المُتصدِّقَ، وينفَعُ المُتصَدَّقَ عليه.
وفي الحديثِ: التَّحذيرُ مِن التَّسويفِ في إخراجِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه قد يكونُ التَّأخيرُ سببًا في عدَمِ وُجودِ مَن يَقْبَلُها.
وفيه: علامةٌ مِن علاماتِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفيه: دليلٌ على قَبولِ الصَّدقةِ ولو قَلَّتْ.
وفيه: إشارةٌ إلى ترْكِ احتِقارِ القَليلِ مِن الصَّدقةِ وغيرِها، والحضُّ على ألَّا يَحقِرَ شيئًا مِن المعروفِ، قولًا وفِعلًا، وإنْ قَلَّ.
[صحيح البخاري] (2/ 108) 1413 - حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عاصم النبيل، أخبرنا سعيد بن بشر، حدثنا أبو مجاهد، حدثنا محل بن خليفة الطائي، قال: سمعت عدي بن حاتم رضي الله عنه، يقول: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما قطع السبيل: فإنه لا يأتي عليك إلا قليل، حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة: فإن الساعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبلها منه، ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالا؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن ألم أرسل إليك رسولا؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة "
[صحيح مسلم] (2/ 703) 67 - (1016) حدثنا علي بن حجر السعدي، وإسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم - قال ابن حجر: حدثنا، وقال الآخران: - أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة زاد ابن حجر: قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة، عن خيثمة مثله، وزاد فيه ولو بكلمة طيبة وقال إسحاق: قال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن خيثمة
سنن الترمذي (4/ 611) 2415 - حدثنا هناد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من رجل إلا سيكلمه ربه يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استطاع منكم أن يقي وجهه حر النار ولو بشق تمرة فليفعل: هذا حديث حسن صحيح حدثنا أبو السائب قال: حدثنا وكيع، يوما بهذا الحديث عن الأعمش، فلما فرغ وكيع، من هذا الحديث قال: من كان هاهنا من أهل خراسان فليحتسب في إظهار هذا الحديث بخراسان، لأن الجهمية ينكرون هذا اسم أبي السائب: سلم بن جنادة بن سلم بن خالد بن جابر بن سمرة الكوفي "
سنن النسائي (5/ 75) 2553 - أنبأنا إسمعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، أن عمرو بن مرة، حدثهم عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار فأشاح بوجهه وتعوذ منها - ذكر شعبة أنه فعله ثلاث مرات - ثم قال: اتقوا النار، ولو بشق التمرة، فإن لم تجدوا، فبكلمة طيبة